شبابنا من ذهب

السبت، 05 سبتمبر 2026 11:00 م
شبابنا من ذهب
إسلام ناجي

دورة تارانتو "المتوسطية" ترسم ملامح جيل مصر في أولمبياد لوس أنجلوس 2028

أبطال السلاح ورفع الأثقال والمصارعة والجودو والكاراتيه وتنس الطاولة والسباحة يضيئون طريق مشروع البطل الأولمبى

محمد السيد ومحمد حمزة أمل جديد في سلاح الشيش.. وطه طارق يضيف فصلًا جديدًا لمسيرة الكاراتية

هنا جودة والأعصر يتألقون.. والرباعة سارة سمير تصنع الفارق بخبراتها.. وذهبية اليد تبعث برسالة من الصف الثاني

 

انتهت منافسات دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» في إيطاليا، وانتهت معها مشاركة 196 رياضيًا مصريًا في 23 لعبة، لكن ما تركته البعثة المصرية خلفها تجاوز مجرد الاحتفال بعدد الميداليات، بعدما كشفت الدورة عن مجموعة من الأسماء والرياضات التي يمكن أن تمثل نواة لجيل جديد يستعد لخوض اختبار أكبر في أولمبياد لوس أنجلوس 2028.

وبحسب أحدث حصيلة متاحة وقت إعداد التحقيق، ارتفع رصيد مصر إلى 53 ميدالية، بواقع 21 ذهبية و15 فضية و17 برونزية، وهي حصيلة تعكس اتساع قاعدة الألعاب القادرة على الوصول إلى منصات التتويج، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الرقم لا تكمن في العدد وحده، وإنما في معرفة أي من هذه النتائج يمكن البناء عليه خلال العامين المقبلين، وأي من هؤلاء الأبطال يملك القدرة على الانتقال من دائرة المنافسة المتوسطية إلى مستوى البطولات العالمية والأولمبية.

 

53 ميدالية.. تنوع يفتح باب المستقبل

جاءت الحصيلة المصرية من مجموعة متنوعة من الألعاب، بينها السلاح، ورفع الأثقال، والمصارعة، والجودو، والكاراتيه، وتنس الطاولة، والسباحة، وسباحة الزعانف وكرة اليد، وهو ما يمنح الرياضة المصرية فرصة لبناء مشروع أولمبي متعدد الروافد بدلًا من الاعتماد على لعبة واحدة أو انتظار ظهور بطل استثنائي في كل دورة.

وجاءت ذهبية طه طارق في الكاراتيه لتضيف فصلًا جديدًا إلى الحصيلة، بعدما قلب اللاعب تأخره أمام بطل كرواتيا من 3-1 إلى فوز 4-3 في وزن فوق 84 كجم، محققًا ثلاث لكمات في آخر ثماني ثوانٍ حسمت له الميدالية الذهبية، في مشهد يعكس قيمة التركيز والقدرة على التعامل مع الضغط، وهي عناصر تصبح حاسمة عندما ينتقل اللاعب إلى المنافسات العالمية.

ولم يتوقف الأمر عند الألعاب التي اعتادت مصر تحقيق ميداليات فيها، بعدما حصد عمر الشبكي فضية جهاز حصان الحلق في الجمباز، في أول ميدالية مصرية بالجمباز في تاريخ مشاركات دورات البحر المتوسط، وفق أحدث نتائج البعثة، ليؤكد أن هناك رياضات أخرى يمكن أن تدخل دائرة الاهتمام إذا حصلت على الدعم والاحتكاك المناسبين.

 

السلاح.. قاعدة تنافسية وليست ميدالية واحدة

قدم السلاح أحد أوضح المؤشرات على إمكانية بناء جيل أولمبي متكامل، بعدما حصد خمسة ميداليات، بينها ذهبيتا محمد السيد ومحمد حمزة، وفضيتا سارة حسني ويوسف شميل، وبرونزية عبد الرحمن طلب.

وجاء تتويج محمد السيد بذهبية سيف المبارزة بعد فوزه على مواطنه يوسف شميل في نهائي مصري خالص بنتيجة 14-11، ليواصل صاحب برونزية أولمبياد باريس 2024 مسيرته على منصات التتويج، بينما منح وصول لاعب مصري آخر إلى النهائي صورة أكثر أهمية من الميدالية نفسها، وهي امتلاك اللعبة لأكثر من عنصر قادر على المنافسة.

وهنا تظهر إحدى أهم رسائل تارانتو، فصناعة البطل الأولمبي لا تقوم على اكتشاف لاعب واحد، وإنما على تكوين قاعدة تنافسية تجعل كل مركز من مراكز اللعبة قادرًا على تقديم أكثر من اسم، وتمنح اللاعبين فرصة للتطور من خلال المنافسة الداخلية والاحتكاك المستمر مع أبطال العالم.

 

هنا جودة.. الموهبة تحتاج إلى طريق طويل

أكدت هنا جودة أن تنس الطاولة يملك بدوره عناصر يمكن البناء عليها، بعدما قادت منتخب السيدات إلى ذهبية الفرق عقب الفوز على إيطاليا في النهائي، كما أضافت فضية الزوجي المختلط مع عمر عصر.

وتبرز أهمية تجربة هنا جودة في كونها تمثل جيلًا شابًا يحتاج إلى برنامج طويل المدى، فالانتقال من مرحلة الموهبة إلى المنافسة الأولمبية لا يتحقق ببطولة واحدة، وإنما من خلال سلسلة من المشاركات الدولية القوية التي تمنح اللاعب الخبرة وتضعه في مواجهة المدارس العالمية بصورة مستمرة.

ولهذا يجب أن تتحول البطولات الدولية والمعسكرات الخارجية إلى جزء ثابت من خطة إعداد اللاعبين الواعدين، لا مجرد تحركات مرتبطة ببطولة بعينها، لأن الخبرة التي يكتسبها اللاعب من مواجهة منافسين أقوياء في سن مبكرة قد تكون أحد أهم الاستثمارات في مستقبله الأولمبي.

 

المصارعة والجودو.. قوة تحتاج إلى استثمار

أكدت المصارعة مرة أخرى أنها إحدى أهم الألعاب التي تستطيع مصر الاعتماد عليها في صناعة الميداليات، بعدما حققت خمس ميداليات في تارانتو، تصدرتها ذهبية محمد حسن، إلى جانب فضيتي محمود فرج وعبد الرحمن هيثم وبرونزيتي مصطفى حسين وشهاب الدين عبد الرؤوف، بينما أضافت سمر حمزة ذهبية وزن 76 كجم للسيدات.

وفي الجودو، قدم عمر الرملي نموذجًا آخر بعدما حصد ذهبية وزن أقل من 100 كجم، ليؤكد أن الألعاب القتالية تملك قاعدة يمكن البناء عليها، خاصة أن هذه الرياضات تحتاج بصورة أساسية إلى الاحتكاك الدولي المستمر، والاستعداد البدني والذهني، والقدرة على التعامل مع التفاصيل الصغيرة في المنافسات الحاسمة.

ولا يجب أن تتوقف الاستفادة من هذه النتائج عند تسجيلها في سجلات البطولات، وإنما يجب أن تبدأ بعدها عملية تقييم حقيقية، تحدد اللاعبين القادرين على التطور إلى مستوى أعلى، وتوفر لهم برنامجًا يمتد حتى لوس أنجلوس، بدلًا من إعادة بناء الفريق من جديد مع كل دورة

ذهبية اليد.. رسالة من الصف الثاني

جاء تتويج منتخب كرة اليد بذهبية المنافسات ليقدم رسالة مختلفة، بعدما حسم النهائي أمام اليونان بنتيجة 31-29، وأنهى مشاركته بخمسة انتصارات، في بطولة اعتمدت على مجموعة من العناصر المحلية ولاعبي الصف الثاني، وهو ما منح الجهاز الفني فرصة لاختبار أسماء جديدة بعيدًا عن التشكيلة الأساسية التي تخوض الاستحقاقات الكبرى.

وسجل عمر حسن تسعة أهداف ورمضان ثمانية، بينما لعب الحارس يوسف سلامة دورًا مؤثرًا بتصدياته، لتؤكد المشاركة أن توسيع قاعدة الاختيار لا يقل أهمية عن تحقيق اللقب، لأن امتلاك مجموعة أكبر من اللاعبين الجاهزين يمنح المنتخبات مساحة أكبر للمنافسة والاستمرار، ويقلل من تأثير الغيابات والإصابات.

وتصبح هذه الفلسفة أكثر أهمية في الطريق إلى لوس أنجلوس، فالمنتخب الذي يريد المنافسة على الميداليات يحتاج إلى قاعدة واسعة من اللاعبين، وليس مجموعة محدودة تعتمد عليها كل البطولات، وهو ما يجعل نجاح العناصر الشابة في تارانتو مؤشرًا يستحق البناء عليه.

 

سارة سمير.. الخبرة تصنع الفارق

لم تكن تارانتو بطولة لاكتشاف المواهب فقط، وإنما أكدت أهمية الخبرة في صناعة النتائج، وهو ما ظهر مع سارة سمير في رفع الأثقال، بعدما حصدت ذهبيتين في منافسات وزن أقل من 77 كجم، بعد تصدرها الخطف برفع 110 كجم، ثم تسجيل 137 كجم في النتر.

وتقدم سارة نموذجًا للاعب الذي حافظ على حضوره في البطولات الكبرى، وهو ما تحتاجه الأجيال الجديدة، لأن الهدف لا يجب أن يكون الوصول إلى منصة التتويج مرة واحدة، وإنما بناء مسيرة طويلة يستطيع خلالها اللاعب الحفاظ على مستواه وتطويره حتى يصل إلى الأولمبياد في أفضل حالاته.

 

من الميدالية إلى المشروع

كشفت نتائج تارانتو أن مصر تملك المواهب، لكن الحفاظ على هذه المواهب وتحويلها إلى أبطال أولمبيين يحتاج إلى مشروع واضح، وفي مقدمة عناصره التمويل، فصناعة البطل أصبحت تتطلب معسكرات دولية، ومعدات حديثة، وأجهزة فنية وطبية متخصصة، وبرامج تغذية واستشفاء، إلى جانب مشاركات مستمرة في البطولات الكبرى.

وهنا يجب أن يتوسع دور القطاع الخاص في دعم الأبطال والاتحادات، بحيث يتحول من رعاية مناسبات أو بطولات محددة إلى استثمار طويل المدى في اللاعبين، مع وضع خطة واضحة لكل رياضي واعد حتى 2028، وتحديد احتياجاته ومراحل تطوره، مع تقييم مستمر للنتائج.

فالـ53 ميدالية التي عادت بها مصر من تارانتو لن تكون ذات قيمة حقيقية إذا تراجعت مستويات أصحابها بعد البطولة، بينما يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق إذا استُخدمت لاختيار مجموعة محددة من اللاعبين والألعاب التي تملك فرصًا حقيقية للمنافسة في البطولات العالمية.

 

الاحتكاك الدولي.. الطريق إلى المستوى الأولمبي

يظل الاحتكاك الدولي أحد أهم المفاتيح في رحلة إعداد البطل، خصوصًا في الألعاب الفردية، فاللاعب الذي يكتفي بالمنافسات المحلية لن يعرف حجم الفارق بينه وبين أبطال العالم إلا عندما يواجههم، ولذلك يجب أن تصبح البطولات والمعسكرات الخارجية جزءًا ثابتًا من برنامج الإعداد.

وتؤكد تجارب السلاح وتنس الطاولة وغيرها أن مواجهة المدارس القوية تمنح اللاعب خبرة لا يمكن اكتسابها بالتدريب المحلي فقط، لكن المطلوب هو أن يكون هذا الاحتكاك مخططًا، وفق برنامج يحدد نوعية البطولات والمنافسين وفترات الراحة، حتى لا تتحول كثرة المشاركات إلى عبء بدني بدلًا من أن تكون وسيلة للتطور.

 

العلم والنفسية.. التفاصيل التي تحسم الميدالية

لن يكون الوصول إلى لوس أنجلوس مجرد سباق لتجميع البطولات، وإنما يحتاج إلى تطوير منظومة إعداد كاملة، تشمل القياسات البدنية والبيومترية، وتحليل الأداء، والتغذية، والاستشفاء والوقاية من الإصابات، إلى جانب وجود متخصصين في علم النفس الرياضي.

وتكمن أهمية العامل النفسي في أن المنافسات الكبرى تحسمها أحيانًا لحظة واحدة، وهو ما ظهر في عودة طه طارق خلال الثواني الأخيرة أمام بطل كرواتيا، كما أن لاعبي السلاح ورفع الأثقال وتنس الطاولة يحتاجون إلى قدر كبير من الثبات الذهني عندما يصلون إلى الأدوار الحاسمة.

ولهذا يجب ألا يكون الإعداد النفسي خطوة مؤقتة قبل البطولات، وإنما جزءًا من البرنامج منذ بداية الموسم، حتى يتعلم اللاعب كيفية التعامل مع الضغط والخسارة والجمهور والنتيجة، وهي مهارات لا تقل أهمية عن القوة البدنية أو الجوانب الفنية.

 

تارانتو محطة.. ولوس أنجلوس الهدف

أثبتت دورة ألعاب البحر المتوسط أن مصر تملك قاعدة جيدة يمكن البناء عليها، وأن مصادر الميداليات أصبحت أكثر تنوعًا، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المنافسات، لأن تحويل النتائج إلى نجاح أولمبي يحتاج إلى عمل مستمر لا يتوقف عند نهاية الدورة.

وتمنح الميداليات الـ53 الاتحادات المصرية قائمة أولية من الأسماء التي يمكن تقييمها، بينما تمنح النتائج التاريخية لعمر الشبكي في الجمباز، وذهبية طه طارق، وتألق هنا جودة، ونجاحات السلاح والمصارعة والجودو ورفع الأثقال، مؤشرات على وجود أكثر من مسار يمكن الاستثمار فيه خلال المرحلة المقبلة.

ويبقى المطلوب الآن هو الانتقال من سياسة التعامل مع البطولات باعتبارها أهدافًا منفصلة إلى مشروع طويل المدى، يبدأ باكتشاف اللاعب، ثم تطويره، وتوفير الاحتكاك والتمويل والإعداد العلمي والنفسي، ومتابعة تطوره عامًا بعد آخر، حتى لا تتحول كل دورة إلى بداية جديدة.

منذ انطلقت ألعاب البحر المتوسط في الإسكندرية عام 1951، أصبحت مصر واحدة من أبرز الدول العربية والأفريقية في تاريخ الدورة، وتارانتو أضافت فصلًا جديدًا إلى هذا التاريخ، لكن القيمة الحقيقية لما حدث في إيطاليا ستتحدد في السنوات المقبلة، عندما يظهر عدد هؤلاء الأبطال على منصات البطولات العالمية، ثم يدخلون أولمبياد لوس أنجلوس وهم يملكون الخبرة والجاهزية والثقة.

تارانتو انتهت، والميداليات دخلت سجلات التاريخ، لكن التحدي الحقيقي لم ينته، لأن المطلوب الآن تحويل الذهب والفضة والبرونز إلى مشروع، وتحويل المواهب إلى أبطال، وتحويل نتائج 2026 إلى قاعدة انطلاق نحو 2028، حتى لا تكون دورة البحر المتوسط مجرد محطة ناجحة، وإنما بداية لجيل أولمبي جديد قادر على المنافسة وصناعة الإنجاز.

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة