خلفان الطوقي أستاذ العلوم السياسية العماني لـ"صوت الأمة": مضيق هرمز سيظل ورقة ضغط إيرانية.. وطهران تراهن على "الوقت"
السبت، 05 سبتمبر 2026 11:50 م
الضربة الأمريكية على جزيرة لارك مناورة لإيصال رسالة إلى إيران بأن الخيار العسكري لا يزال قائمًا
مذكرة التفاهم خط الرجعة الوحيد لحل الأزمة.. وواشنطن تريد اختبار سلاح العقوبات أولًا ضد طهران
مع اقترابنا من اليوم الـ 200 من الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيدا، فلا الحسم العسكري تحقق، ولا المخرج الدبلوماسي بات قريبا، ومع تجدد التصعيد، يبرز مضيق هرمز كورقة ضغط رئيسية، وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية تتجاوز أطراف الحرب إلى المنطقة والعالم.
فأين تقف الحرب اليوم؟ وهل تراهن واشنطن على العقوبات والضغط الاقتصادي قبل العودة إلى التفاوض؟ وما الذي تملكه طهران من أوراق ضغط؟ وإلى أي مدى يمكن أن ينجح الوسطاء، في فتح مسار للخروج من الأزمة؟
ومن هنا، أجرت صوت الأمة حوارا مع الدكتور خلفان الطوقي أستاذ العلوم السياسية من سلطنة عمان، للحديث عن تطورات الصراع وحساباته العسكرية والسياسية وإلى نص الحوار..
مع اقترابنا من مرور 200 يوما من الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أين يقف الصراع عسكريا وسياسيا؟ وهل ما زلنا أمام حرب مفتوحة، أم دخلنا بالفعل مرحلة البحث عن مخرج؟
أعتقد أن الحرب مستمرة، خاصة أن الإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قررا فرض مجموعة من العقوبات على الجانب الإيراني، لا سيما في الجوانب الاقتصادية، فهو يريد أن يعرف أثر هذه العقوبات، ويريد أن يشدد عليهم الخناق، ليرى ما هي النتيجة؛ لأنه لا يمكنه الآن أن يغير موقفه.
وعلى الأقل، يحتاج إلى من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، لمتابعة أثر العقوبات، فالبداية كانت هذا الأسبوع، أو ربما الأسبوع الماضي، وحتى يتم تطبيق هذه العقوبات سيستغرق الأمر بعض الوقت.
لذلك، نحن دخلنا مرحلة جديدة، لكنها ليست مرحلة الخروج من المأزق، وما زال الوقت مبكرا جدا للحديث عن ذلك، ومن وجهة نظري، يريد الرئيس الأمريكي أن يرى النتائج أولا، قبل أن يعلن عن هدنة أو عن الخروج من المأزق.
الحرب بدأت بأهداف أمريكية وإسرائيلية واضحة، أبرزها تقييد البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني وإضعاف قدرات طهران.. إلى أي مدى تحققت هذه الأهداف؟ وهل تغيرت حسابات واشنطن وتل أبيب مع طول أمد الحرب؟
الأهداف تغيرت، نعم، لكن شخصية الرئيس الأمريكي أصبحت عاملا مؤثرا بشكل كبير في تحديد هذه الأهداف، فهناك إصرار واضح على تحقيق انتصار يحسب له شخصيا، وترسيخ فكرة أنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي استطاع أن يواجه إيران بشكل مباشر.
فعلى مدى 47 عاما، فرضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عقوبات على إيران، واتخذت إجراءات مختلفة بحقها، لكن لم يجرؤ أي رئيس أمريكي على توجيه ضربة مباشرة إلى إيران، وهو ما فعله ترامب، ولذلك، أصبح الملف بالنسبة إليه، ولإدارته، يحمل جانبا شخصيا؛ فالمطلوب هو تحقيق هزيمة واضحة لإيران وانتصار يمكن البناء عليه.
ولم يعد الأمر مرتبطا بالملف النووي فقط، بل امتد إلى ملف الصواريخ الباليستية، والآن إلى أزمة جديدة تتمثل في مضيق هرمز، وبالتالي، فإن الإدارة الأمريكية تريد تحقيق نتائج ومكاسب واضحة، وإلا سيكون من الصعب إنهاء هذه الأزمة.
وفي المقابل، أصبحت المطالب الإيرانية أكبر بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، فطهران تطالب بالتعويضات، ورفع العقوبات، واستمرار التفاوض بشأن الملف النووي، إلى جانب بحث ملف الصواريخ الباليستية، ورفع تجميد الأصول الإيرانية، فضلا عن مسألة مضيق هرمز.
وبالتالي، لا يبدو أن هناك حلا وسطا واضحا بين الطرفين في الوقت الحالي، فيما تزداد الأمور تعقيدا. وأنا تابعت آراء وتحليلات مختلفة، وحاولت البحث عن خط الرجعة أو المخرج الذي يمكن أن يكون مقبولا للرئيس الأمريكي وإدارته، وكذلك للحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولمجلسي الشيوخ والنواب.
ومن وجهة نظري، فإن أقرب مسار يمكن أن يمثل خط رجعة هو مذكرة التفاهم التي تم توقيعها قبل نحو شهرين.
كان هناك هدوء في الأونة الأخيرة ولكن بدأ التصعيد يتجدد بين إيران والولايات المتحدة، حيث وسعت طهران دائرة الاستهداف لتشمل مصالح أمريكية ودولا في المنطقة.. هل هذا يعكس امتلاك طهران لأوراق ضغط حقيقية، أم أنه محاولة لرفع كلفة الحرب بعدما تعرضت لضربات قوية؟
ورقة الضغط الأساسية الموجودة مع إيران هي مضيق هرمز، ومن وجهة نظري، سيظل مضيق هرمز، بأي شكل من الأشكال، ورقة ضغط إيرانية، مهما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تسيطر عليه أو أنها ستتمكن من تأمينه.
لكن العملية، واقعيا وميدانيا، ليست سهلة على الإطلاق، فمهما وجهت الولايات المتحدة ضربات، ومهما تصاعدت العمليات العسكرية، فإن مضيق هرمز سيظل مهددا؛ لأن طبيعة المنطقة ومساحتها وتضاريس الدول المتشاطئة، خاصة إيران وسلطنة عمان، تجعل السيطرة الكاملة عليه أمرا بالغ الصعوبة.
وسلطنة عمان، بطبيعة الحال، دولة مسالمة، لكن طبيعة الجغرافيا في المنطقة تمنح إيران قدرة على تهديد الملاحة بوسائل محدودة التكلفة نسبيا، سواء من خلال استهداف سفينة أو ناقلة، أو استخدام الألغام، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على حركة الملاحة.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، وهي شركات التأمين وشركات الشحن؛ فكلما ارتفعت المخاطر، زادت مخاوف شركات التأمين، وكذلك شركات النقل البحري، من استمرار حركة السفن عبر المضيق، لذلك، أعتقد أن هذه الأزمة ستظل قائمة ما لم يتم التوصل إلى تهدئة دبلوماسية واتفاق طويل الأمد يضمن أمن الملاحة والاستقرار في المنطقة.
ما تداعيات التصعيد في مضيق هرمز على المنطقة؟
التداعيات صعبة، فمهما حاولت دول الخليج ودول أخرى إيجاد بدائل لتصدير النفط، فإن مضيق هرمز يظل المسار الأسرع والأقل تكلفة، أما الحلول والبدائل، فهي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد، وقد تستغرق سنوات، فضلا عن تكلفتها المرتفعة، ولذلك، سيظل مضيق هرمز ورقة ضغط سياسية واقتصادية قوية في يد إيران.
الولايات المتحدة تقول إنها أعادت توجيه عشرات السفن التجارية، وصعدت على متن سفن وعطلت أخرى، بينما تتحدث إيران عن فرض قواعدها الخاصة للمرور في المضيق.. هل نحن أمام حصار بحري فعلي أم حرب على من يملك قرار المرور في هرمز؟
هناك تضارب في التصريحات، سواء من الرئيس الأمريكي أو الإدارة الأمريكية أو الجانب الإيراني، لكن عمليا وميدانيا، ورغم بعض النجاحات التي حققتها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذه النجاحات لا تعود فقط إلى القدرات الأمريكية، وإنما أيضا إلى عدم تصعيد إيران، فلو أرادت طهران التصعيد وتهديد الملاحة، فإنها تستطيع ذلك، مهما كانت القوة العسكرية والقدرات الضاربة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، لكن إيران تدرك أنه إذا صعدت، فإن مصالحها ستتعرض لمزيد من الضربات والأضرار، ولذلك تحاول تجنب الإضرار المباشر بالملاحة في مضيق هرمز، مع توجيه رسائل بين الحين والآخر إلى الولايات المتحدة بأنها لا تزال تمتلك زمام المبادرة والقدرة على التأثير.
وبالتالي، فإن وضع مضيق هرمز ما زال مرتبطا بمعطيات متغيرة، ولا يمكن وصفه بأنه استقرار كامل أو تصعيد شامل، وفي الوقت نفسه، فإن النجاحات التي حققتها الولايات المتحدة في المضيق لا تعني أن إيران فقدت قدرتها على التأثير فيه، فإيران لا تحتاج إلى إمكانيات ضخمة أو قوة عسكرية كبيرة لتهديد أمن الملاحة في المضيق، وهو ما يجعل قدرتها على استخدامه كورقة ضغط قائمة، حتى مع التفوق العسكري الأمريكي.
الضربة الأمريكية على جزيرة لارك، وهي الأولى منذ فترة، جاءت بعد رصد استعدادات إيرانية لزرع ألغام في المضيق.. هل يمكن اعتبار هذه الضربة بداية لعودة التصعيد العسكري الواسع؟
هي رسالة من الولايات المتحدة الأمريكية بأنها قادرة على توجيه الضربات، وفي الوقت نفسه، هي ورقة مناورة تستخدمها واشنطن لإيصال رسالة إلى إيران بأن الخيار العسكري لا يزال قائمًا.
وبالتالي، إذا ردت إيران واستمرت في الرد وتصعيد الموقف، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستصعّد بدورها، ولذلك، أعتقد أن إيران لن تتجه إلى التصعيد؛ فهي ترد على أي ضربة تتعرض لها، لكن برد محدود وهادئ، وليس بهدف فتح جبهة تصعيد واسعة.
إيران أنهكت واستنزفت، ولذلك تراهن في الوقت الحالي على عامل واحد، وهو عامل الوقت، فكلما طال أمد الحرب، اقتربنا أكثر من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وهذه هي الورقة التي تحاول إيران استثمارها.
لكنها، في الوقت نفسه، لن تصعد ولن توجه ضربات قوية، وأي ضربة من الجانب الأمريكي ستقابلها إيران بضربة، لكن بضربة محدودة ومحسوبة من الجانب الإيراني، وهذه، من وجهة نظري، هي ورقة المناورة التي تستخدمها إيران في المرحلة الحالية.
سلطنة عمان تحديدا تقع على بوابة هرمز، وتتابع حركة الملاحة والتصعيد عن قرب.. فما حدود دورها السياسي في المرحلة المقبلة لتهدئة الأوضاع؟
سلطنة عمان سوف تستمر في مساعيها لإيجاد حلول دبلوماسية لهذه الأزمة، لأن أي ضربة لإيران تعني تهديدا لأمن الشرق الأوسط من ناحية، وتهديدا لجيران إيران، وللملاحة، وكذلك للعوامل الإنسانية، خاصة بالنسبة للبحارة والقباطنة.
وعمان تنظر إلى الموضوع باعتباره قضية ذات أبعاد اقتصادية وإنسانية، ولذلك سوف تواصل مساعيها الدبلوماسية، وهناك ما يؤكد ذلك؛ فمنذ عام 2013، بدأت سلطنة عُمان مساعيها في ملف «5+1» والملف النووي، ثم دخلت في وساطات خلال عامي 2025 و2026. كما أعلنت منذ البداية أنها لن تقوم بأي عمل من شأنه زيادة التوتر في مضيق هرمز أو في منطقة الشرق الأوسط.
وموقف عمان واضح في هذا الشأن، فقد بادرت في عام 2026 إلى استحداث الممر الجنوبي، لكن رغم ذلك تعرض الممر للاستهداف، فأدانت سلطنة عُمان ما حدث، واستدعت السفير الإيراني، وقدمت مذكرة احتجاج على ما قامت به إيران، ومع ذلك، تواصل عمان اجتماعاتها الفنية ومساعيها للبحث عن مخرج من هذه الأزمة، رغم أنها من الدول المستفيدة من حركة التصدير والاستيراد واستخدام موانئها، بحكم موقعها خارج مضيق هرمز.
لكن عمان لا تنظر إلى مصالحها الذاتية فقط، بل على العكس، تسعى إلى إيجاد حلول مستدامة تحقق الاستقرار والمصلحة للجميع، ومن هنا، أعتقد أن الدور العماني سيظل حاضرا في أي مسار دبلوماسي يستهدف احتواء الأزمة.
زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران ولقاؤه المسؤولين الإيرانيين، مع تأكيد إسلام آباد أن الهدف هو منع المزيد من التصعيد.. هل تتحرك باكستان لتقديم وساطة فعلية، أم أن دورها في هذه المرحلة يقتصر على نقل الرسائل ومحاولة خفض التوتر؟
بالنسبة إلى باكستان وقطر ومصر وبقية الدول التي تقوم بدور الوساطة، مثل سلطنة عُمان وتركيا والسعودية، فهناك محاولات لا تقتصر فقط على نقل الرسائل بين الأطراف، وإنما تتجاوز ذلك إلى محاولة إيجاد حلول مبتكرة ومقاربات مختلفة للأزمة، إلى جانب محاولة إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بالعودة إلى الاستماع للحلول الدبلوماسية.
لكن، كما قلت لك في بداية الحديث، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترى أن هذا هو التوقيت المناسب للتوصل إلى حل، وإنما تريد أولًا اختبار خيار الضغط والخنق الاقتصادي.
وهذا الضغط الاقتصادي يحتاج إلى أن يأخذ مداه الكامل، وربما تمتد هذه المرحلة من شهر إلى شهرين، وبعد ذلك قد تعود الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لكن في الوقت الحالي، ومهما حاول الوسطاء، فإن التوقيت المناسب، من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، لم يحن بعد.