محمود حسين.. نهاية ديكتاتور الإرهابية

السبت، 05 سبتمبر 2026 07:00 م
محمود حسين.. نهاية ديكتاتور الإرهابية
محمد الشرقاوي

الساقط أخلاقيًا استغل ظروف أسر العناصر الهاربة وسرق أموالهم وحطم آمالهم

متهم بسرقة أموال التبرعات لشراء سيارة بـ100 ألف دولار وتخصيص 400 ألف دولار من أموال التنظيم لأغراض خاصة

قضى على معارضيه واستولى على مفاتيح التنظيم المتهالك وأشعل الحرب بين جبهتي إسطنبول ولندن

 

في سجل قيادات الإخوان الذين سقطت عنهم أقنعة الزهد والتجرد، يأتي اسم القيادي الإرهابي محمود حسين؛ أحد أبرز قادة الجماعة في العشرية الأخيرة، والهارب الذي تحول من رجلٍ يعمل في ظلال التنظيم إلى واحد من أكثر أصحاب النفوذ داخله، قبل أن تضعه صراعات المال والسلطة في واجهة المشهد.

لم يكن محمود حسين مجرد قيادي يحمل منصبًا داخل الجماعة، بل كان واحدًا من الرجال الذين تقاطعت بأيديهم خيوط التنظيم والمال والقرار، وحين انفجرت الخلافات داخل الإخوان، لم تسقط فقط أسطورة "الجماعة المتماسكة"، وإنما انفتحت معها خزائن الملفات المغلقة: أموال وتبرعات وشركات وأصول، واتهامات خرج بعضها من داخل البيت الإخواني نفسه، لتكشف عالمًا آخر خلف واجهة الشعارات.

من هنا تبدأ حكاية الهارب محمود حسين؛ الرجل الذي تحدث الإخوان باسمه طويلًا عن التضحية والتجرد وإنكار الذات، قبل أن يتحول هو نفسه إلى أحد أبرز عناوين الصراع على النفوذ والموارد والامتيازات داخل الجماعة، فكلما اتسعت معاركه مع خصومه، انفتحت ملفات أكثر عن الأموال التي دارت في فلكه، والأصول والشركات المرتبطة بالتنظيم، والشبكات التي صنعت نفوذه وحافظت على موقعه.

ولم تأتِ هذه الملفات من خصوم الجماعة، بل خرج جانب كبير منها من داخل البيت الإخواني نفسه، عبر اتهامات وشهادات وتسريبات وضعت الرجل في قلب معارك المال والقرار، وكشفت كيف تحولت الخلافات على القيادة إلى صراع على مفاتيح القوة والموارد.

 

خزينة الإخوان في قبضة "حسين"

برز المال كأحد أبرز مصادر نفوذ الهارب محمود حسين داخل جماعة الإخوان الإرهابية؛ فمع انتقال مركز ثقل التنظيم إلى الخارج، وجد الرجل نفسه في قلب منظومة تتقاطع فيها التبرعات والاستثمارات والأصول مع القرار التنظيمي، ومنذ ذلك الوقت، تكرر اسمه في ملفات مالية أثارتها قيادات وشباب من داخل الجماعة، بدأت بأسئلة عن مصير الأموال التي تُجمع باسم التنظيم وأسر أعضائه، ثم تطورت إلى اتهامات بشأن عقارات وممتلكات وامتيازات، قبل أن تتحول لاحقًا إلى معركة مباشرة على الشركات والحسابات والأصول.

البداية الأكثر وضوحًا تعود إلى عام 2016، عندما خرجت اتهامات من داخل صفوف الإخوان بشأن تبرع مالي قيل إن قيمته بلغت 2.2 مليون دولار، ووصل إلى قيادات الجماعة في إسطنبول، لتبدأ وقتها معركة داخل صفوف التنظيم المتهاوي، ووجهت اتهامات إلى محمود حسين، إلى جانب محمود الإبياري ومحمد البحيري، بالتصرف في الأموال وشراء عقار في إسطنبول وتسجيله بأسماء شخصية.

ولم تتوقف القضية عند نشر الاتهامات؛ إذ طلب شباب من الإخوان توضيحًا رسميًا من قيادة الجماعة في تركيا، ثم طُرح الملف على مجلس شورى الجماعة، مع حديث عن تحقيق انتهى إلى التوصية بإعادة العقار والأموال إلى التنظيم، وفي الشهر نفسه، ظهر ملف آخر أكثر إحراجًا، فقد نشرت صفحة "ويكليكس الإخوان" اتهامات بأن محمود حسين ومحمود الإبياري أحاطا نفسيهما بدائرة من القيادات والعاملين الذين يتولون الدفاع عنهما وتلميعهما، وأن عدد هؤلاء بلغ نحو 54 شخصًا، فيما قُدرت تكاليف رواتبهم وسفرهم وفنادقهم بنحو 400 ألف دولار شهريًا.

والأخطر في الاتهام أنه تحدث عن تمويل هذه النفقات من أموال الإخوان والتبرعات، وربطها بتراجع الأموال المتاحة لأسر المسجونين والضحايا، وما يجعل الواقعة أكثر أهمية أن الأمر لم يبقَ منشورًا مجهولًا على منصة إلكترونية؛ ففي مارس 2016 قررت اللجنة الإدارية للجماعة الإرهابية تشكيل لجنة للتحقيق مع محمود حسين فيما نُسب إليه بشأن تخصيص 400 ألف دولار من أموال التنظيم لأغراض خاصة.

بعد سنوات، عادت الاتهامات من داخل التنظيم نفسه عبر تسجيلات منسوبة إلى القيادي الإخواني أمير بسام، تحدث فيها عن أموال وتبرعات وعقارات وسيارات، واتهم محمود حسين وقيادات أخرى بالاستفادة من موارد التنظيم، مشيرًا إلى حالة من التفاوت بين أوضاع شباب الإخوان في الخارج وما تتمتع به بعض القيادات من امتيازات.

وذهب بسام، في إحدى الروايات المنشورة، إلى ذكر سيارة «بي إم دبليو» قُدرت قيمتها بنحو 100 ألف دولار، معتبرًا أن هذا التفاوت كان أحد أسباب الغضب المتصاعد داخل صفوف الجماعة.

ومع انفجار الصراع بين جبهتي إسطنبول ولندن، خرج الملف من دائرة الاتهامات إلى معركة مباشرة على الأموال والشركات والحسابات والاستثمارات والأصول، فحاولت جبهة إبراهيم منير نقل التبرعات التي كانت تصل إلى إسطنبول إلى حسابات التنظيم في لندن، بينما رفضت جبهة محمود حسين نقل إدارة شركات وحسابات تابعة للجماعة، وتسجيل بعض تلك الكيانات بأسماء قيادات وليس باسم التنظيم، وهنا لم يعد السؤال فقط: أين ذهبت الأموال؟ وإنما من يملكها، ومن يملك حق التصرف فيها؟

وبذلك ظهر البعد الحقيقي للمال داخل صراع الإخوان: لم يعد مجرد مورد لتمويل النشاط، وإنما أصبح ورقة قوة تحدد قدرة كل جبهة على البقاء وحشد أنصارها والحفاظ على نفوذها. وفي هذه المعادلة، كان محمود حسين أحد أبرز اللاعبين؛ فارتباط اسمه بهذه الملفات، ثم تمسك جبهته بالموارد الواقعة تحت نفوذها، جعلا المال جزءًا أساسيًا من القوة التي خاض بها معركته على قيادة التنظيم.

ولهذا لم يكن الصراع بين إسطنبول ولندن مجرد معركة على لقب «القائم بأعمال المرشد»، بل امتد إلى الأموال والشركات والحسابات والاستثمارات والأصول التي ارتبطت بالتنظيم وقياداته. ومع ظهور تساؤلات حول ملكية تلك الأصول، تحوّل الخلاف من سؤال «كيف تُدار أموال الجماعة؟» إلى سؤال أكثر خطورة: من يملكها ومن يملك حق التصرف فيها؟ وهكذا أصبحت السيطرة على الموارد جزءًا من معركة النفوذ نفسها، باعتبارها ما يمنح كل جبهة القدرة على تمويل نشاطها وحشد أنصارها والحفاظ على وجودها في مواجهة الجبهة الأخرى.

 

حرب العروش.. محمود حسين يقلب الطاولة

ما إن فُتح ملف الأموال حتى انتقل الصراع سريعًا إلى السؤال الأخطر: من يملك قرار الجماعة، ومن يملك مفاتيح مواردها؟.. وهنا دخل محمود حسين في مواجهة مباشرة مع إبراهيم منير، بعدما حاول الأخير إعادة تجميع القرار الإخواني في لندن وانتزاع الملفات التي بقيت لسنوات في قبضة جبهة إسطنبول.

ففي أغسطس وأكتوبر 2021، اتخذ منير إجراءات ضد حسين وقيادات مقيمة في تركيا، بينها الإحالة للتحقيق وتجميد العضوية، بعدما اتهمت جبهة لندن مجموعة إسطنبول بالتحرك خارج الأطر التنظيمية ومحاولة تعطيل قرارات القيادة؛ لكن حسين لم ينسحب؛ بل اختار الرد من قلب البنية التنظيمية نفسها، فبدأت تحركات لحشد أعضاء مجلس الشورى ضد منير وإسقاط قراراته.

ومن هذه اللحظة، لم يعد الخلاف مجرد مواجهة بين رجلين؛ لأن قرارات الإقصاء التي أصدرها منير فجّرت مواجهة على من يملك الشرعية التنظيمية أصلًا، ورفضت جبهة حسين الاعتراف بقرارات منير، وتحركت لإبطالها، بينما تمسك منير بصلاحياته باعتباره القائم بأعمال المرشد، ومع تصاعد المواجهة، أصبح لكل طرف أدواته ومجلسه وقياداته وروايته الخاصة.

ثم جاءت الضربة التي كشفت إلى أي مدى كان حسين مستعدًا للذهاب، ففي نوفمبر 2021، أعلنت جبهته أن قرارات إبراهيم منير "باطلة"، وأعلنت إعفاءه من موقعه واختيار لجنة مؤقتة لتولي مهام المرشد، مع تعديل قواعد الخلافة داخل التنظيم بما يفتح الطريق أمام إعادة ترتيب القيادة؛ وبذلك لم يعد حسين ينازع منير على الصلاحيات؛ لقد طعن في شرعيته نفسها، وذهب إلى محاولة بناء قيادة بديلة، وهو ما ردت عليه جبهة لندن باعتبار ما جرى شقًا للصف وخروجًا على مؤسسات الجماعة، لتصبح جماعة الإخوان أمام واقع غير مسبوق: قيادتان تتنازعان الاسم والقرار والتمثيل، لكن الصراع لم يكن على الشرعية وحدها؛ فمع احتدام المواجهة بين إسطنبول ولندن، دخلت الشركات والحسابات والتبرعات في صلب المعركة.

وحين حاولت جبهة إبراهيم منير نقل التبرعات التي كانت تصل إلى إسطنبول إلى حسابات التنظيم في لندن، بينما رفضت جبهة محمود حسين التخلي عن إدارة شركات وحسابات واقعة تحت نفوذها، لتصبح السيطرة على الموارد جزءًا مباشرًا من معركة السيطرة على التنظيم.

ومع تشدد الطرفين، انتقلت المواجهة من تبادل القرارات إلى كسر النفوذ على الأرض؛ كل جبهة ثبّتت مؤسساتها، وحشدت أنصارها، وتمسكت بشرعيتها، حتى أصبح الانقسام واقعًا لا يمكن التراجع عنه.

وفي نوفمبر 2021، مضت جبهة محمود حسين إلى عزل إبراهيم منير وتشكيل لجنة مؤقتة لتولي مهام المرشد، فردت جبهة لندن برفض القرار والتمسك بشرعيتها. وبذلك لم يعد للإخوان مركز قيادة واحد، بل أصبح التنظيم موزعًا بين جبهتين تتنازعان القرار والتمثيل.

ثم جاءت وفاة إبراهيم منير في نوفمبر 2022، فوجدت جبهة إسطنبول الطريق مفتوحًا أمام محمود حسين؛ فأعلنته قائمًا بأعمال المرشد، لينتقل الرجل من موقع المدافع عن نفوذه إلى موقع رأس الجبهة التي خاضت الحرب باسمه.

وهكذا انتهت معركة القيادة بانقسام التنظيم بدل استعادته، وبقي محمود حسين في مركز المشهد، لكن هذه المرة بعدما أصبحت الصراعات التي دارت خلف الأبواب المغلقة مكشوفة أمام الجميع، وكان ما ظهر في العلن عن المال والسلطة هو نصف الحكاية فقط؛ أما النصف الأكثر إحراجًا، فكان ما بدأ قيادات وأعضاء الجماعة أنفسهم في كشفه عن الرجل وسلوكه.

 

ديكتاتور في عباءة المرشد

في مايو 2015، خرج الإرهابي محمد منتصر، المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان، ليعلن أن محمود حسين لم يعد أمينًا عامًا للجماعة ولا يمثلها، في مواجهة كانت تكشف مبكرًا طبيعة العلاقة داخل قيادة التنظيم مع من يجرؤ على الاعتراض، وبعد أشهر، تصاعد الصدام بصورة أكثر وضوحًا؛ ظهر محمود حسين مؤكدًا تمسكه بمنصبه، ثم أُعلن من خارج مصر إعفاء منتصر من مهمته وتعيين متحدث آخر، بينما رفضت قيادات الداخل القرار وتمسكت بمنتصر. لم تعد المسألة عندها مجرد خلاف على موقع، بل اختبارًا لمن يملك حق إسقاط خصمه وإعادة توزيع النفوذ داخل التنظيم.

لم تهدأ المواجهة، بل تحولت إلى سلسلة من البيانات والقرارات المتعارضة، كشفت مبكرًا أن محمود حسين لا يتعامل مع خصومه باعتبارهم أصحاب رأي داخل التنظيم، وإنما كأطراف يجب حسم الصراع معها وانتزاع موقعها.

ومع اتساع الخلافات، ظهرت طريقة أخرى في إدارة المعارضة: إحاطة القرار بدائرة من الموالين، ففي خضم أزمات التنظيم، بدأت اتهامات داخلية تتحدث عن قيادات وشخصيات مقربة تتولى الدفاع عن محمود حسين إعلاميًا وتنظيميًا، وتهاجم خصومه وتروج لمواقفه.

وبغض النظر عن صحة كل اتهام على حدة، فإن تكرار هذه الصورة في شهادات وخلافات مختلفة يقدم ملمحًا مهمًا عن البيئة التي تحرك فيها الرجل: خلافات لا تُحسم بالنقاش وحده، وإنما عبر بناء جبهة داخلية تحافظ على موقع القيادة وتضيّق مساحة المعارضين.

ولم تكن هذه الآلية منفصلة عن أزمة التنظيم بعد 2013، حين بدأت قواعد وشخصيات شبابية تطالب بمراجعة أداء القيادات القديمة وتغيير طريقة إدارة الجماعة في المنفى، فبدل أن تتحول المطالب إلى إصلاح مؤسسي هادئ، سرعان ما تحولت إلى صراع بين جناحين، وكلما اتسعت مساحة الاعتراض، اتسعت معها أدوات الاحتواء والإقصاء.

وفي هذه البيئة ترسخت صورة محمود حسين باعتباره أحد رموز القيادة التي تتمسك بموقعها وتعتبر التغيير تهديدًا لنفوذها، لا مجرد اختلاف مشروع داخل جماعة تدّعي اعتمادها على الشورى، ولهذا اكتسبت واقعة محمد منتصر أهميتها الحقيقية بعد سنوات؛ لأنها لم تبقَ حادثة معزولة، وإنما أصبحت أشبه بنموذج مبكر لطريقة إدارة الخلاف، فالرجل الذي واجه إعلانًا بسقوط صفته كأمين عام، عاد بعد سنوات ليخوض مواجهة أكبر مع إبراهيم منير، وفي الحالتين كان الخلاف يتحول سريعًا إلى معركة كسر إرادات، بحيث يصبح المتراجع هو الخاسر، ويصبح الاعتراف بشرعية الخصم تنازلًا عن النفوذ.

لكن الأسلوب لا يظهر فقط في القرارات الرسمية؛ بل في اللغة التي صاحبت الصراعات نفسها، فكلما تصاعدت المواجهة، اختفى الخلاف السياسي لصالح التخوين والاتهامات والتشكيك في النيات، وأصبح الخصم داخل الجماعة أقرب إلى عدو يجب إسقاطه من أن يكون شريكًا يمكن الاختلاف معه.

ومع استمرار هذا المناخ، تحولت التنظيمات الإخوانية في الخارج إلى ساحات مغلقة، لا مساحة فيها إلا لمن يملك القدرة على فرض روايته، أو لمن يستطيع الاحتماء بجبهة أقوى.

وهنا تكمن المفارقة التي تكشف وجه محمود حسين الأشد قسوة: رجلٌ أمضى سنوات داخل تنظيم يقوم على الطاعة والانضباط، ثم أصبح اسمه مرتبطًا بسلسلة من الصدامات التي لم يبدُ فيها الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، وإنما معركة على البقاء داخل دائرة القرار، فمن يعارضه يخسر موقعه أو تتراجع مساحته، بل ويطرد من جنة الإخوان، ومن يسانده يدخل دائرة الحماية والنفوذ؛ وبذلك يتحول التنظيم تدريجيًا من مؤسسة يفترض أنها تحكمها قواعد إلى شبكة تحددها موازين القوة.

ومن هنا تفتح قصة محمود حسين بابها الأخطر؛ فبعد أن كشف صراع المال مصدرًا من مصادر قوته، وأظهر صراع القيادة مدى تمسكه بالنفوذ، تكشف طريقة تعامله مع الخصوم شيئًا ثالثًا: أن القوة لا تُحمى بالمنصب وحده، وإنما بشبكة من الولاءات والمصالح والدوائر التي تتحرك معه أينما ذهب.

 

رجال محمود حسين حوله

على مدار سنوات، أحاط محمود حسين بدائرة من القيادات التي تقاطعت أدوارها بين التنظيم والإدارة والإعلام والملفات المالية، حتى تحولت جبهة إسطنبول إلى مركز قوة يدور حوله عدد محدود من الأسماء.

وتكشف الدراسات التي تناولت انقسام الجماعة أن حسين لم يتحرك منفردًا في مواجهة خصومه؛ ففي صيف 2021، تحرك أربعة من معاونيه لحشد نحو 50 قياديًا في إسطنبول لإقناعهم بسحب الثقة من إبراهيم منير، في محاولة لتوسيع الجبهة الداعمة لحسين داخل مجلس الشورى.

ومع ترسخ هذا المعسكر، برزت أدوار لقيادات محددة حول الرجل؛ فظهر مدحت الحداد باعتباره أحد الأسماء المؤثرة في إدارة الملفات، بينما شارك همام علي يوسف وممدوح مبروك في الأدوار التنظيمية، وتولى طلعت فهمي جانبًا من الواجهة الإعلامية.

ولم يكن هذا التوزيع تفصيلًا إداريًا؛ فقد احتاجت جبهة إسطنبول إلى منظومة متكاملة تدير القرار الداخلي، وتؤمّن الظهير الإعلامي، وتتعامل مع الملفات التنظيمية والاستثمارية، بما منح حسين مساحة حركة تتجاوز موقعه الشخصي.

وتزامن ذلك مع امتلاك الجبهة أدوات نفوذ واسعة، وتشير دراسة لمؤسسة "ذا سنشري فاونديشن" إلى احتفاظ محمود حسين بالسيطرة على عدد من المنصات الإعلامية التابعة للإخوان، بينها "وطن" و"إخوان أونلاين" وحسابات أخرى على شبكات التواصل، بالتوازي مع استمرار جبهته في السيطرة على جزء كبير من الموارد المالية الموجهة لنشاط الجماعة، وهو ما منحه القدرة على بناء خطاب مضاد لخصومه، وحشد أنصاره، وإبقاء حضوره التنظيمي قائمًا رغم قرارات العزل والمواجهة.

ومع سقوط مراكز القيادة القديمة، ظهرت قيمة شبكة حسين بوضوح، فالقبض على محمود عزت ثم وفاة إبراهيم منير لم يدفعا جبهة القيادي الإخواني إلى البحث عن قيادة جديدة؛ بل كانت الأسماء موجودة، والأدوار موزعة، والمنصات قائمة، والموارد تحت نفوذها؛ لذلك، عندما أعلنت الجبهة محمود حسين قائمًا بأعمال المرشد في نوفمبر 2022، جاءت الخطوة امتدادًا طبيعيًا لنفوذ جرى بناؤه وتثبيته على مدى سنوات، بينما تعاملت جبهة لندن مع القرار باعتباره تكريسًا للانقسام.

وبذلك أصبح محمود حسين في مركز شبكة متماسكة من الرجال والأدوات؛ قيادات تتحرك معه، ومنصات تحمل خطه، وموارد توفر للجبهة القدرة على الاستمرار. وهذه الشبكة هي التي سمحت له بالبقاء لاعبًا رئيسيًا بعد كل جولة من جولات الصراع، وحولت موقعه من مجرد منصب تنظيمي إلى مركز نفوذ قائم بذاته داخل الجماعة الإرهابية.

 

تجارة المأساة.. مستثمر الآلام

أخطر ما تكشفه قصة محمود حسين ليس فقط كيف أُديرت أموال الإخوان، وإنما كيف جرى توظيف مآسي عناصرهم وأسرهم في صناعة المال والنفوذ، فالأرملة، واليتيم، وأسرة الهارب، تحولت في خطاب الجماعة إلى صور جاهزة لاستدرار التعاطف، وإلى مادة تستحضر في كل أزمة لإعادة إنتاج رواية "المظلومية".

وتتعمد قيادات الإخوان الإرهابية، وفي مقدمتها محمود حسين، استغلال قصص الأسر والأرامل وتقديم نفسها بوصفها الطرف القادر على حمايتهم ودعمهم، بما يفتح الباب أمام استقطابهم وتوظيفهم لصالح التنظيم.

ولم يقف الأمر عند استخدام المأساة إعلاميًا؛ فهناك وقائع حديثة تحدثت عن جمع أموال باسم أسر محتاجة ومتضررة ثم اندلاع خلافات داخلية حول مصير هذه الأموال، ففي مايو 2026، كشفت تقارير عن خلافات بين عناصر إخوانية هاربة بشأن مبالغ جُمعت من خلال جبهة محمود حسين بدعوى دعم أسر محتاجة، مع اتهامات متبادلة بالاستيلاء على جزء منها وعدم توجيهه إلى الغرض الذي جُمِع من أجله.

والأشد قسوة أن الاستغلال لا يتوقف عند الأرامل؛ فحتى الهارب الذي غادر مصر بحثًا عن النجاة يمكن أن يتحول إلى جزء من ماكينة الاستثمار في المظلومية، فبعدما شجع كثير منهم على الهروب، من خلال وعود لشباب الإخوان بحياة مستقرة، وفرص عمل، وحلول لأوضاعهم وأوضاع أسرهم، اصطدم بواقع مختلف: بطالة، وحاجة، وديون، وأزمات معيشية، وفي الوقت نفسه ظهرت شهادات عن أسر اضطرت إلى بيع ممتلكات أو الاستدانة لتأمين مستقبل أبنائها، بعدما وثقت في وعود قدمها محمود حسين ورجاله.

وهنا تتكشف واحدة من أخطر آليات الاستغلال: لا يُطلب من الضحية أن يدفع ثمن ولائه فقط، بل أن يدفع ثمن الوهم الذي بيع له.. فالأسرة التي فقدت عائلها تُقدَّم للمتبرع باعتبارها قصة تستوجب الدعم، والشاب الهارب يُقدَّم باعتباره مشروعًا يحتاج إلى الإنقاذ، بينما تظل الحقيقة على الأرض مرتبطة بما يقرر أصحاب النفوذ من يستحق المساعدة، ومن يُستخدم في الدعاية، ومن يمكن أن يتحول من ضحية إلى أداة في يد التنظيم.

وبحسب شهادات حديثة، لم تعد معاناة الأسر والأرامل مجرد مادة لجمع التبرعات، بل تحولت إلى ورقة تستخدمها الجماعة في إعادة إنتاج خطاب المظلومية وحشد التعاطف والضغط الإعلامي.

فكل قصة أسرة منكوبة تمنح التنظيم صورة جديدة عن الضحية، وكل حالة إنسانية يمكن تقديمها باعتبارها دليلًا على "اضطهاد" أتباعه، بما يبقي ماكينة التعاطف السياسي والإعلامي دائرة.

وفي هذه المعادلة، يصبح المحتاج هو الحلقة الأضعف؛ فبدل أن تنتهي المساعدة بانتهاء حاجته، تتحول حاجته نفسها إلى وسيلة لإبقائه داخل دائرة التنظيم. والأسرة التي تنتظر الدعم، والشاب الذي فقد عمله، والهارب الذي لا يجد موردًا ثابتًا، جميعهم يتحولون إلى أوراق يمكن التحكم فيها بقدر ما يظل مصيرهم مرتبطًا بمن يملك قرار المساعدة. هنا لا تعود المساعدة حقًا، بل تصبح أداة ولاء.

وفي قلب هذه المنظومة يأتي محمود حسين، بوصفه أحد أبرز وجوه جبهة امتلكت أدوات المال والإعلام والتنظيم؛ لذلك فإن ما نُسب إلى هذه الدائرة من استغلال مآسي الأتباع لا يمكن فصله عن شبكة النفوذ التي بناها الرجل وحافظ عليها؛ فالقصة لم تعد عن أموال جُمعت ولم تصل إلى أصحابها فحسب، وإنما عن منظومة تجعل معاناة الأتباع نفسها مصدرًا للنفوذ، والولاء، وإعادة إنتاج السلطة.

وربما هنا تكمن أبشع مفارقة في حكاية محمود حسين: أن يصبح المحتاج وقودًا لبقاء القيادة، وأن تتحول معاناة الأسرة إلى أصل تستثمره الجماعة، وأن يصبح الهارب الذي دفع ثمن الانتماء هو آخر من يحصل على ثمن هذا الانتماء، وهنا وعندما تصل القيادة إلى مرحلة تستخدم فيها مأساة أتباعها لإحكام قبضتها عليهم، فلا يعود السقوط متعلقًا بالمال أو السلطة وحدهما؛ إنه سقوط أخلاقي مكتمل الأركان.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة