شي جينبينج ضيفا عزيزا على ضفاف النيل: مصر والصين.. اتزان استراتيجي وحوار دبلوماسي لصناعة السلام
السبت، 05 سبتمبر 2026 10:00 م
القاهرة وبكين يبنيان نموذج متوازن للتعاون السياسي والاقتصادي.. وتنسيق لترسيخ الاستقرار فى الشرق الأوسط
الرئيس السيسى:
متمسكون بسياسة الاتزان الاستراتيجي كوجهة لسياستنا الخارجية في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس
الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس
نعمل على خفض حالة التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول الدبلوماسية لتسوية الأزمات وبما يُسهم في تحقيق السلام
رئيس الصين:
تقدير لجهود مصر تحت قيادة الرئيس السيسى لإرساء السلام والاستقرار في محيطها الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا
نؤكد الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية
اتفاق على مواصلة تعزيز التعاون في مجال إنفاذ القانون والأمن وبذل جهود مشتركة في مكافحة الجرائم العابرة للحدود ومكافحة الإرهاب
من القاهرة، أعادت مصر والصين، رسم مسار العلاقات بين البلدين، بما يسهم في صون السلام والاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من شراكة استراتيجية، تتخذ من العلاقات الثنائية القوية، منطلقاً لتفاهم كبير في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
مساء الثلاثاء الماضى، حل الرئيس الصينى، شي جينبينج، ضيفاً عزيزاً على ضفاف النيل، في وقت يشهد تغيرات إقليمية وعالمية عميقة، الأمر الذي يشير إلى أن العلاقات بين البلدين تدخل مرحلة جديدة.
الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى كان في استقبال نظيره الصينى في مطار القاهرة، وصف الضيف بالصديق الكريم للشعب المصرى، وقال: لقد عملتُ أنا وفخامة الرئيس "شي جينبينج" على مدار أكثر من اثنى عشر عاماً من أجل دفع وتدعيم علاقات الود والصداقة بين مصر والصين، ولقد نجحت جهودنا المشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مرتبة الشراكة الإستراتيجية الشاملة، والتي أسهمت في تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات والتدفقات السياحية والتبادلات الشعبية بين الجانبين، فضلاً عن تشجيع البعثات العلمية والثقافية؛ خاصة بين الشباب المصري والصيني.
وقبل الزيارة، كتب الرئيس السيسى، مقالاً نشر بعدد من الصحف المصرية والصينية، تحت عنوان "معًا من أجل مستقبل أكثر ازدهارًا للشعبين المصري والصيني وللإنسانية"، أكد خلاله أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أرساها البلدان حققت طفرة في العلاقات الثنائية، حيث أصبحت الصين شريكًا تجاريًا واقتصاديًا رئيسيًا لمصر وتزايد حجم الاستثمارات الصينية المباشرة، بما في ذلك بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي وفرت فرصًا جمة للمستثمرين الصينيين لتحقيق الأرباح والاستفادة من المزايا الكبيرة التي توفرها المنطقة للمستثمرين الأجانب، والتي تتوافر بها مناطق صناعية تضم العديد من المصانع العالمية من كافة الدول المختلفة الساعية للاستفادة من هذه الفرص، والموقع الجغرافي لمصر في قلب العالم كحلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب. كما أسهمت الشركات الصينية في العديد من المشروعات القومية الكبرى مثل بناء حي المال والأعمال بالعاصمة الجديدة وتدشين القطار الكهربائي للعاشر من رمضان، وبناء محطات الطاقة المتجددة وتطوير الموانئ، وغيرها من مشروعات كانت ضمن خطط الدولة القومية لتحسين البنية التحتية والتي تعاونت بشأنها مع عدد من الدول المختلفة من بينها الصين، وبما أسهم في انتقال مصر إلى مرتبة عالية في مجال البنية التحتية على المستوى العالمي، وبما يعد أحد العناصر المهمة في تأسيس بنية متطورة لقاعدة صناعية متكاملة، وتحويل مصر إلى مركز لوجيستي عالمي للصناعة والتجارة والخدمات.
وأكد الرئيس السيسى، أن هذا التطور الكبير الذي حققته مصر في تعزيز بنيتها التحتية جعلها وجهة هامة لتدشين استثمارات صناعية كبيرة من كافة دول العالم، وكانت الصين من الدول الحريصة على تدشين صناعات لها في مصر، والاستفادة مما تتيحه من مزايا هامة في هذا المجال، حيث تتفق مصر مع الصين على ضرورة الاستفادة من الربط بين استراتيجية الدولة المصرية لتوطين الصناعة، واستراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة، ومن ثم جذب مزيد من الصناعات الصينية إلى مصر، بما في ذلك في مجال السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن وغيرها، فضلًا عن تعزيز نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء باعتبارها أولويات للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية ومسارات التعاون المصري-الصيني في المرحلة المقبلة.
وأشار الرئيس السيسى إلى إطلاع مصر، بدورها الإقليمي والدولي على مدار العقود الماضية وتمسكت بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد، وحرصت على الإسهام في دعم المنظمات الدولية للقيام بدورها الأصيل في حماية الأمن والسلم الدوليين، وساهمت بدور ملموس في عمليات حفظ السلام وبناء السلام، وقال: "تمسكت مصر بسياسة الاتزان الاستراتيجي كوجهة للسياسة الخارجية المصرية في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، مؤكدةً على سياستها الخارجية المستقلة، وداعيةً لتنسيق جهود المجتمع الدولي للتغلب على التحديات العالمية التي باتت تهدد العالم بأسره. ولقد أصبحت مصر والصين شريكان يسهمان سويًا في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام العالمي وبما يحقق مزيدًا من العدل والإنصاف للدول النامية".
وأضاف الرئيس السيسى: ومن نفس هذا المنظور، بذلت مصر جهدًا دبلوماسيًا حثيثًا من أجل تهدئة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ومنع تصعيد الصراع واتساع رقعته، حيث باتت المنطقة تمر بمرحلة خطيرة من الصراعات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، بل تهدد السلم والأمن الدوليين، وتتفق مصر والصين في هذا السياق على ضرورة حل الصراعات بالوسائل السلمية ومراعاة الشواغل الأمنية لكافة الأطراف واحترام سيادة الدول كأساس للتسوية السلمية للصراعات، وأنه ليس من مصلحة أية أطراف إقليمية أو دولية اتساع رقعة الصراع وتأجيج النزاع المسلح.
وختم الرئيس السيسى مقاله بقوله: إننا كما سطرنا على مدار الأعوام الماضية صفحات من التعاون والصداقة بين بلدينا الصديقين، فإننا نتطلع لأن نكتب معاً فصلًا جديدًا من فصول الصداقة المصرية-الصينية التي امتدت لآلاف السنوات، متطلعين لعقود جديدة من التطور والازدهار لشعبينا الصديقين، ومتمنيين للعالم مزيداً من الاستقرار والأمن والتنمية.
وفى مقاله أيضاً بمناسبة الزيارة، الذى حمل عنوان "إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاما من التآزر والتضامن"، قال شي جينبينغ، رئيس جمهورية الصين الشعبية: "يقول المثل الصيني القديم: "الإخلاص للأصدقاء يُقرب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم". قد ساهم كل من الصين ومصر، باعتبارهما صاحبي حضارة عريقة، بالثروة الروحية الثمينة والكنوز الثقافية الرائعة في تنمية المجتمع البشري.
وأكد رئيس الصين، أن مصر والصين ظلتا شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون، حيث تعتبر مصر شريكا تجاريًا واستثماريًا مهمًا للصين في العالم العربي وإفريقيا، وهي من أوائل الدول التي شاركت في التعاون في بناء "الحزام والطريق"، وقال إن "منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر التي رفَعتُ أنا وفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي الستار عنها سويًا قبل 10 سنوات، أتت باستثمارات ضخمة وفرص عمل واسعة لمصر، الأمر الذي أسهم في تسريع عملية التحديث في مصر. أنجزت الشركات الصينية في مصر أعلى مبنى وأول قطار مكهرب في القارة الإفريقية وأصبح البرتقال الطازج المصري من أول دفعة للمنتجات الإفريقية التي دخلت سوق الصين بعد تنفيذ سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية على واردات الدول الإفريقية التي لها العلاقات الدبلوماسية مع الصين، وذلك يدل على أن نتائج التعاون المتبادل المنفعة بين البلدين في كافة المجالات قد عادت بالنفع على أبناء الشعبين على نطاق واسع".
وختم رئيس الصين مقاله بقوله: تتطلب المسيرة الجديدة العمل الجاد بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن. إن الجانب الصيني على استعداد للعمل مع الجانب المصري على التمسك بالغاية الأصلية ومتابعة أعمال الأسلاف وفتح أُفق للمستقبل، وتبادل الدعم بعزم لا يلين في طريق مؤدٍ إلى النهضة والازدهار، والعمل سويًا على خلق مستقبل أكثر إشراقًا لتنمية البلدين والعلاقات الثنائية.
استقبال رئاسى
والأربعاء الماضى، استقبل الرئيس السيسي، والسيدة انتصار السيسي قرينة رئيس الجمهورية، بقصر الاتحادية، الرئيس الصيني شي جينبينج والسيدة قرينته، وعقد جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، تلاها التوقيع على اتفاقية وعدد من مذكرات التفاهم، ثم مأدبة غداء أقامها الرئيس والسيدة قرينته تكريمًا لرئيس جمهورية الصين الشعبية وقرينته والوفد المرافق.
وخلال القمة المصرية الصينية، شدد الرئيس السيسى، والرئيس الصيني شي جينبينج على توافق الرؤى المصرية الصينية إزاء ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات والنزاعات، وناقشا الجهود الرامية لخفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وأكدا دعمهما لجهود التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الحرب .
وقال الرئيس السيسى، إن العلاقات المصرية الصينية، تطورت إلى أن ارتقت إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، مما مكن البلدين من القيام بدور فعال في صياغة التفاعلات الدولية ضمن نظام عالمي يشهد تغيرات مُتلاحقة ومُهمة في المرحلة الراهنة، مشيداً بما حققته العلاقات المصرية الصينية من طفرة ملموسة في مختلف المجالات، في ظل إرادة سياسية واضحة للاِرتقاء بآفاق التعاون الثنائي،لاسيما فيما يتعلق بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا باِعتبار ذلك يحتل أولوية لدى البلدين، ونتطلع لاستمرار العمل مع الصين لتحقيق المزيد من النتائج المثمرة.
واعلن الرئيس السيسى، عن الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يُطلق مرحلة جديدة من الأعمال في قطاعات رئيسية مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية.
وشدد الرئيس السيسى، على أولوية خفض التصعيد واحترام سيادة وأمن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وسلامة أراضيها، وضمان حرية الملاحة وتجنيب الشعوب التبعات السلبية للأزمة، كما تطرقت المباحثات إلى تطورات القضية الفلسطينية، وشدد كذلك على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وفقًا لمقررات الشرعية الدولية، منوهًا بما تبذله مصر للدفع بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، ومشددًا على أهمية إدخال المساعدات الكافية إلى القطاع، وخاصةً المعدات والمستلزمات الطبية.
وأشاد الرئيس السيسي بالدعم والتأييد الصيني لحقوق الشعب الفلسطيني ومبدأ حل الدولتين كسبيل وحيد لتحقيق السلام العادل والمستدام للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وللمنطقة بأسرها، وأكد على الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، داعياً كافة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر.
وأعرب الرئيس الصيني عن تقدير بلاده لجهود مصر، تحت قيادة الرئيس السيسى، لإرساء السلام والاستقرار في محيطها الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا، مؤكدًا حرص الصين على تعزيز مستوى التنسيق القائم بين البلدين في مختلف المحافل الدولية وإزاء القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والتنمية وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.
كما استعرض الرئيس الصيني رؤية بلاده إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، مشددًا على أهمية مواصلة العمل المشترك بين البلدين للدفاع عن مصالح الدول النامية، وتعزيز إسهامها في صياغة مستقبل النظام الدولي.
وشدد الرئيس الصينى، على تقدير بلاده البالغ لعلاقات التعاون المتنامية والمتشعبة مع مصر، والتزام الدولة الصينية بتنفيذ مقررات الشراكة الاستراتيجية مع مصر المعلنة في عام 2014، وحرص الصين على الارتقاء بها إلى آفاق أرحب ومواصلة تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في مصر، والاستفادة من المزايا والمقومات التي توفرها السوق المصرية وموقعها الاستراتيجي، مشيرًا كذلك إلى استمرار نقل الخبرات والتعاون الفني في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع والزراعة، بما يعزز العلاقات بين البلدين ويدعم تحقيق أهدافهما المشتركة.
وشهد الرئيسان السيسي وشي جينبينج، مراسم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، شملت مذكرة تفاهم حول قائمة أولويات التعاون في إطار رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، واتفاقية التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، مذكرة تفاهم بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي في مجال سلاسل الصناعة والإمداد، ومذكرة تفاهم بين الهيئة ووزارة التجارة الصينية، فضلاً عن عن أكثر من 20 وثيقة أخرى للتعاون في عدد من المجالات التكنولوجية والمالية والاقتصاد الرقمي وغيرها.
تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة
وفى بيان مشترك بين مصر والصين حول مواصلة تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة المصرية الصينية، تمت الإشارة اتفاق الرئيسان على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بناء على مواصلة الإبقاء على التبادلات رفيعة المستوى وحسن الاستفادة من الحوار الاستراتيجي بين وزيري الخارجية للبلدين وغيرها من الآليات، ومواصلة تعزيز التنسيق الاستراتيجي، توطيد التعاون ذي المنفعة المتبادلة بين البلدين في كافة المجالات، توسيع التنسيق في قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية والجنوب العالمي.
كما أعرب الجانبان عن تطلعهما للبناء على التطور الذي شهدته العلاقات خلال السنوات الماضية للعمل نحو الدفع ببناء المجتمع المصري الصيني للمستقبل المشترك، وثمن الجانب الصيني مبدأ الاتزان الاستراتيجي الذي أرسته مصر باعتباره يدعم التعددية الدولية، كما أكد الجانبان مجدداً على تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر، حيث أكد الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، حيث دعا الجانبان كافة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر. وأكد الجانب المصري رفضه التدخل في الشئون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، ودعم موقف الجانب الصيني من القضايا التي تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين.
وفيما أعرب الجانب المصري عن إشادته بما حققته الصين من منجزات تنموية تاريخية تحت قيادة الرئيس "شي جينبينج"، ودعمه للصين في الدفع ببناء دولة قوية ونهضة الأمة على نحو شامل، أعرب الجانب الصيني عن تقديره لما حققته مصر من منجزات في بناء وتنمية الدولة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار "الجمهورية الجديدة"، وأشاد الرئيسان باستمرار التعاون الناجح في المشروعات الكبرى في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع والفضاء والتكنولوجيا، بما في ذلك استمرار تنفيذ خطة التعاون المشترك لمبادرة الحزام والطريق، ودعم الجانبين لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ودعم شركات الجانبين للقيام بالتعاون في مشروعات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي.
واتفق الجانبان على العمل من أجل تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر ٢٠٣٠ ومبادرة التعاون في بناء الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وذلك عبر العمل على تعزيز الشراكات المصرية-الصينية المشتركة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، والعمل بنشاط على بحث سبل التعاون في مجالات توطين الصناعة، بما في ذلك صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأبراج الرياح وغيرها، وكذا في مجال تحلية مياه البحر، وتوسيع التعاون في التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة، والزراعة وصناعة السيارات، وتعزيز بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيات في هذه المجالات، بما يسهم في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر.
واتفق الجانبان على مواصلة تعزيز التعاون في مجال إنفاذ القانون والأمن، وبذل جهود مشتركة في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتسريع وتيرة التشاور حول التوقيع على اتفاقية تسليم المطلوبين، وتعزيز التواصل والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم الدعم الثابت لجهود الجانب الآخر في مكافحة الإرهاب، وأعرب الجانبان عن رفضهما القاطع للإرهاب بجميع أشكاله، ورفضهما لربط الإرهاب بأي دولة أو عرق أو دين بعينه، ورفضهما لممارسة "المعايير المزدوجة" في ملف مكافحة الإرهاب، ورفضهما لإيواء أو دعم القوى الإرهابية تحت أية ذريعة، مؤكدين على بذل جهود مشتركة في محاربة جميع المنظمات الإرهابية.
وأكد الرئيسان تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين البلدين بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وحرصهما على مواصلة التنسيق الوثيق بما يسهم في دعم السلم والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي، وأعاد الرئيسان التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في الشرق الأوسط، وأهمية التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة لها على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية، كما جددا رفضهما القاطع لأية مخططات لتهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه تحت أية ذرائع أو مسميات، ودعا الجانبان إلى ضرورة تثبيت وقف اطلاق النار في قطاع غزة وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية بدون قيود وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع في أقرب وقت، كما أعربا عن قلقهما إزاء التصعيد الاسرائيلي الخطير في الضفة الغربية والقدس الشرقية بما في ذلك ارتفاع وتيرة عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، مشددين على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم دور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وضرورة عدم المساس بولايتها.
كما أكد الرئيسان أن تعزيز الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي يتطلب احترام سيادة دولها ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، كما شددا على أن حوكمة البحر الأحمر وأمنه تقع مسئوليتهما الرئيسية على الدول المشاطئة له وأنه ينبغي الاحترام الكامل لإرادة هذه الدول، مع تعزيز التعاون الإقليمي بين هذه الدول لمواجهة التحديات المشتركة وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
وأكد الطرفان على ضرورة احترام وحدة وسيادة أراضي السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية وعدم التدخل في شئونه الداخلية، وأشاد الجانب الصيني بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وجهودها المتواصلة للتوصل إلى تسويات سياسية شاملة للأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتعزيز مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية.
70 عاماً من العلاقات
وفي 30 مايو الماضى، مر سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. سبعة عقود حافلة بالأحداث والمحطات والتحولات والانعطافات الدولية، أثبتت خلالها الصين ومصر أن علاقتهما محصنة وقادرة على عبور أي تقلبات على الساحة الدولية، فالسمة الأساسية لتلك العلاقات أنها دائمة التطور والارتقاء.
وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف رسميًا بجمهورية الصين الشعبية، لتفتح بذلك الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الصينية مع المنطقة والقارة السمراء. ومنذ ذلك التاريخ، انتقلت العلاقات تدريجيًا من الصداقة والتعاون إلى شراكة سياسية واقتصادية وتنموية تتسع عامًا بعد آخر.
ولم تكن العلاقات المصرية الصينية أسيرة مرحلة دولية بعينها، بل استطاعت أن تتكيف مع التحولات التي شهدها العالم، من الحرب الباردة إلى مرحلة الأحادية القطبية، وصولًا إلى عالم أكثر تعددية وتنافسًا، وفي هذا السياق، شكل عام 2014 نقطة تحول تاريخية، عندما رفعت القاهرة وبكين مستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، خلال زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينج.
وكان القرار بمثابة إعلان سياسي عن دخول العلاقات مرحلة جديدة، لم يعد فيها التعاون مقصورًا على الملفات التقليدية، وإنما امتد إلى التجارة والاستثمار والأمن والسياسة والتكنولوجيا والفضاء والبنية الأساسية.
وفي العام نفسه، انضمت مصر إلى مبادرة الحزام والطريق، لتصبح قناة السويس وموقع مصر الجغرافي عنصرين أساسيين في المعادلة الاستراتيجية الجديدة بين القاهرة وبكين.
ومن هنا بدأت العلاقة تأخذ شكلًا مختلفا، فلم تعد الصين ترى مصر فقط بوصفها دولة ذات ثقل سياسي في الشرق الأوسط وإفريقيا، بل باعتبارها مركزا جغرافيا ولوجستيا يمكن أن يؤدى دورا محوريا فى حركة التجارة العالمية.
ورغم ضخامة المصالح الاقتصادية، فإن أحد أهم أسرار قوة العلاقات المصرية الصينية يكمن في التفاهم السياسي، فالبلدان يلتقيان حول مجموعة من المبادئ التي تحكم رؤيتهما للعلاقات الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، ورفض فرض نماذج سياسية أو تنموية من الخارج.
وهنا تؤكد مصر التزامها بمبدأ "الصين الواحدة"، بينما تؤكد بكين دعمها لسيادة مصر واستقرارها ومصالحها الوطنية، والمؤكد هنا أن هذا التفاهم لم يبق مجرد شعارات سياسية، وإنما انعكس في المواقف من الأزمات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تشهد تقاطع للرؤيتان المصرية والصينية حول ضرورة إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا للمرجعيات الدولية.
ومع اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر 2023، برز التنسيق المصري الصيني بصورة أكبر، في ظل تأكيد بكين ضرورة وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض استمرار دوامة الصراع، والعودة إلى مسار سياسى يفضى إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.
كما تتشارك القاهرة وبكين قناعة بأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال الحلول العسكرية وحدها، وأن معالجة جذور الأزمات تتطلب دعم التنمية والاستقرار وإيجاد حلول سياسية عادلة للصراعات.
وإذا كان عام 2014 قد وضع الأساس السياسي للشراكة الاستراتيجية الشاملة، فإن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في يناير 2016 مثلت لحظة مهمة لترجمة هذه الشراكة إلى مشروعات واتفاقات على الأرض، فالزيارة جاءت بعد فترة قصيرة من رفع مستوى العلاقات، وحملت رسالة واضحة بأن القاهرة وبكين تريدان الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى مرحلة التنفيذ، ومنذ ذلك الوقت، تصاعد التعاون في مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل والمناطق الصناعية، وأصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أهم ساحات الحضور الاستثماري والصناعي الصيني في مصر.
أرقام اقتصادية
بالأرقام، أكد الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى الصين لتسجل 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 280.5 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025 بنسبة ارتفاع قدرها 199.8 %، وبلغت قيمة الواردات المصرية من الصين 10.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 9.1 ملياردولار خلال نفس الفترة من عام 2025 بنسبة ارتفاع قدرها 14.3 %.
وأشار الجهاز إلى ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين البلدين لتسجل 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 9.3 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2025 بنسبة ارتفاع قدرها 21.5 %.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 20،97 مليار دولار بنهاية 2025 مقارنة بـ 17،37 مليار دولار في 2024، حيث ضخت الصين استثمارات في مصر خلال السنوات الأخيرة تقدر بـ 1،4 مليار دولار، أبرزها بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي يتواجد بها حوالي 200 شركة صينية، كما تشارك الشركات الصينية في تنفيذ وتمويل العديد من المشروعات الكبرى مثل أبراج حي المال والأعمال بالعاصمة الجديدة، وأبراج العلمين، وتدشين القطار الكهربائي الخفيف الذي يربط بين مدينة العاشر من رمضان والعاصمة، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة المتجددة وغيرها.
وترتبط مصر والصين بعدد 242 اتفاقية تم توقيعها حتى عام 2025 في العديد من المجالات.
مصر لا تختار بين الشرق والغرب
ومن الأخطاء التي قد يقع فيها البعض النظر إلى تنامي العلاقات المصرية الصينية باعتباره تحولا في اتجاه السياسة الخارجية المصرية على حساب شركاء آخرين، فالقاهرة تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق مختلف، فهي لا ترى أن الشراكة مع دولة تعني التخلي عن شراكات أخرى، فالقاهرة تحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا والهند واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي وغيرها، انطلاقا من سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتحقيق أكبر قدر من المصالح الوطنية، وبالتالي، فإن التقارب المصري الصيني لا يأتي في إطار "اختيار معسكر"، وإنما في إطار سياسة مصرية أكثر اتزانا تقوم على بناء علاقات واسعة مع مختلف القوى الدولية.