الشريان المائى يتصدى لسفن الشائعات: قناة السويس خط أحمر.. لا بيع ولا مقايضة.. والأمن القومى لا يخضع لأهواء شخصية

السبت، 05 سبتمبر 2026 09:00 م
الشريان المائى يتصدى لسفن الشائعات: قناة السويس خط أحمر.. لا بيع ولا مقايضة.. والأمن القومى لا يخضع لأهواء شخصية
دينا الحسيني

لم تكن يومًا مجرد مجرى مائي.. ظلت تحت أنظار العالم، وحين عجزت محاولات النيل منها على الأرض، انتقلت المعركة إلى الشائعات.. آلاف السفن تعبر قناة السويس كل شهر، تحمل البضائع والطاقة ومصالح اقتصادات ودول من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتمضي في طريقها عبر واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم. لكن خلال السنوات الماضية، ظهرت «سفينة» أخرى حاولت العبور مرارًا إلى القناة، ولم تكن تحمل حاويات أو نفطًا أو بضائع، وإنما حملت شائعات ووثائق مزعومة وعناوين مضللة، في محاولة لتحويل واحد من أهم رموز السيادة المصرية إلى مادة للجدل والتشكيك.
 
ولأن قناة السويس ليست مجرد رقم في الموازنة، ولا أصلًا ماليًا يمكن النظر إليه بمعزل عن موقعه ووظيفته وتاريخه، فإن كل حديث يقترب منها سرعان ما يتجاوز حدود الاقتصاد إلى مساحة أوسع تتصل بالأمن القومي والسيادة والموقع الجغرافي ومصالح التجارة العالمية. وربما لهذا السبب تحديدًا ظلت القناة، منذ نشأتها الحديثة وحتى اليوم، محطة لأنظار القوى الكبرى، وساحة تنافس دولي، ثم هدفًا لشائعات متكررة حاولت تقديمها تارة باعتبارها مرفقًا قابلًا للتأجير، وتارة أخرى باعتبارها أصلًا يمكن التصرف فيه، وصولًا إلى الجدل الأخير حول مقترح "المقايضة الكبرى".
 
في نهاية أغسطس الماضى، عاد اسم قناة السويس إلى واجهة الجدل بعد طرح رجل الأعمال والخبير الاقتصادي حسن هيكل تصورًا لمبادلة جزء من الدين المحلي بأصول مملوكة للدولة، ووردت قناة السويس ضمن الأصول التي أثارها الطرح في البداية. وسرعان ما تحول الأمر إلى عاصفة من النقاش العام، قبل أن تعلن الحكومة بوضوح أن ما جرى تداوله لا يمثل مقترحًا حكوميًا، وإنما رؤية شخصية لصاحبها، مؤكدة أن قناة السويس ليست مطروحة للبيع أو الرهن أو المقايضة أو نقل الملكية في مقابل الديون.
 
وحسم مجلس الوزراء موقفه بصورة واضحة، مؤكدًا أن ما تم تداوله بشأن نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري مقابل تسوية جزء من المديونية المحلية، لا يمثل توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة، وإنما يعبر عن رؤية شخصية لصاحبها.
 
والأهم في البيان الحكومي هو التأكيد الصريح على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية مقابل المديونيات، وتأتي هذه الرسالة في إطار طبيعة القناة ومكانتها الخاصة، فهي ليست مجرد أصل اقتصادي يمكن النظر إليه بمعزل عن أبعاده الاستراتيجية، وإنما مرفق عام يرتبط بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلًا عن أهميته للاقتصاد الوطني وحركة التجارة العالمية.
 
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك إغلاق باب النقاش حول كيفية إدارة أصول الدولة أو التعامل مع الدين العام. فهذه ملفات اقتصادية معقدة تتطلب دراسة مستمرة للبدائل المختلفة، وهو ما أكدته الحكومة بالفعل، موضحة أن أفكار مقايضة بعض الأصول العامة بالمديونية سبق أن خضعت للدراسة، وانتهت إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور وعدم إدراجه ضمن سياساتها لإدارة الدين.
 
والواقع أن معالجة الدين العام لا ترتبط فقط بحجم الأصول التي تمتلكها الدولة، وإنما بمجموعة متكاملة من السياسات تشمل خفض تكلفة خدمة الدين، وتحسين إدارة المديونية، وزيادة الإيرادات، ورفع كفاءة الإنفاق، إلى جانب تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول العامة.
 
وفي حالة قناة السويس تحديدًا، تبدو طبيعة إيراداتها عاملًا مهمًا في أي نقاش اقتصادي حولها. فحركة الملاحة الدولية تتأثر بالظروف الإقليمية والعالمية، وقد شهدت القناة بالفعل تراجعًا في الإيرادات خلال فترات اضطراب الملاحة وتحويل بعض السفن مساراتها.
 
ولهذا فإن التعامل مع إيرادات القناة يحتاج إلى رؤية طويلة الأجل تراعي طبيعة الاقتصاد العالمي والتغيرات الجيوسياسية، دون تحويل التقلبات المؤقتة إلى مبرر لاتخاذ قرارات تمس طبيعة المرفق أو مكانته الاستراتيجية.
 
والأسبوع الماضى، أكد مجلس الوزراء أنه بالإشارة إلى ما تم تداوله بشأن طرح لإحدى الشخصيات العامة "رجل الأعمال حسن هيكل"، يتناول فكرة نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري، في مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة؛ يود مجلس الوزراء توضيح ما يلي:
 
يؤكد مجلس الوزراء أن ما يتم تداوله في هذا الشأن يعبر عن رؤية شخصية خالصة لصاحبها، ولا يمثل بأي حال من الأحوال توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة المصرية.
 
ويوضح مجلس الوزراء أن أفكارًا تتعلق بمقايضة مثل هذه الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية بالدولة، في إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وقد انتهت الدراسة إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.
 
ويأتي ذلك في ضوء عدد من الاعتبارات الاقتصادية والمالية والمؤسسية؛ في مقدمتها أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل، كما أن معالجة الدين العام تتطلب النظر بصورة متكاملة إلى هيكل الدين، وتكلفة خدمته، والسيولة المحلية، وتأثيراتها على السياسة النقدية والمالية، فضلًا عن الحفاظ على كفاءة إدارة الأصول العامة وتعظيم عوائدها الاقتصادية بصورة مستدامة.
 
ويشدد مجلس الوزراء، على نحو قاطع، على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد أية توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، مؤكدًا أن القناة مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلًا عن دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية.
 
كما يؤكد مجلس الوزراء أن ما تم مؤخرًا بشأن تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي يمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفق أوضاعها القانونية والمالية وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين، ولا يجوز القياس عليها أو اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.
 
وتتبنى الحكومة في إدارة وخفض الدين العام مسارًا متكاملًا يقوم على تحسين مؤشرات المالية العامة، وتحقيق فوائض أولية مستدامة، وزيادة موارد الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وإطالة آجال الدين وخفض تكلفة خدمته، إلى جانب تعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة في إطار سياسة ملكية الدولة وبرامج الطروحات والشراكة مع القطاع الخاص، وفق أطر واضحة وشفافة تحقق أعلى عائد للاقتصاد المصري وتحافظ على حقوق الدولة والأجيال القادمة.
 
ويؤكد مجلس الوزراء حرصه على إتاحة المجال أمام الخبراء والشخصيات العامة لطرح مختلف الرؤى والاجتهادات الاقتصادية، باعتبارها آراءً لأصحابها، مع ضرورة التفرقة بينها وبين السياسات والمواقف الرسمية للدولة، والتي يتم الإعلان عنها من خلال القنوات الرسمية لمجلس الوزراء والجهات الحكومية المختصة.
 
وبعد هذا البيان، نشر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بيانًا عبر منصاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح خلاله حقيقة التصريح المتداول لرئيس الوزراء بشأن وصول خسائر قناة السويس إلى نحو 500 مليون دولار شهريًا، وربط ذلك بمقترح مرفوض لبيع القناة  أو مقايضتها بالمديونية، وأكد أن التصريحات المتداولة مضللة ومجتزأة من سياقها، موضحًا أن التصريح المتداول يعود لعام 2024، حيث جاء ضمن كلمة رئيس مجلس الوزراء خلال أحد المؤتمرات الصحفية ولقائه بعدد من الإعلاميين، في أعقاب ما شهدته حركة الملاحة بالقناة من تراجع نتيجة الاضطرابات التي شهدتها المنطقة آنذاك، وما ترتب عليها من قيام العديد من شركات الشحن التجارية بتحويل مسارات سفنها.
 
وأشار المركز الإعلامي إلى أن إعادة تداول التصريح في الوقت الحالي وربطه بالمقترح المتداول، والذي رفضته الحكومة،  بشأن نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري، مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة، قد أدى إلى تغيير دلالته وإخراجه من سياقه الحقيقي.
 
وشدد مجلس الوزراء، على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد أي توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، مؤكدًا أن القناة مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلًا عن دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية.
 
كما أن توضيح المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بشأن التصريحات المتداولة عن خسائر القناة، والتي تعود إلى عام 2024، يؤكد أهمية قراءة التصريحات في سياقها الكامل، وعدم إعادة استخدامها بصورة قد تمنحها دلالة مختلفة عن مضمونها الأصلي.
 
من مجمل ما سيق، تبقى الحقيقة الواضحة، أنه يظل من حق الخبراء والشخصيات العامة طرح أفكارهم ورؤاهم بشأن الاقتصاد وإدارة الدين وأصول الدولة، لكن من الضروري أن تظل الحدود واضحة بين الاجتهاد الشخصي والسياسة الرسمية، وبالنسبة لقناة السويس، فقد جاء الموقف الحكومي حاسمًا: يمكن أن يستمر النقاش حول أفضل السبل لإدارة الاقتصاد والدين العام، لكن القناة ليست محلًا للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية.
 
لكن قبل أن يصبح السؤال: «هل يمكن أن تدخل قناة السويس في مقايضة للديون؟»، هناك سؤال أعمق يستحق أن يُطرح: ما الذي تمثله قناة السويس أصلًا بالنسبة لمصر؟
الإجابة لا تبدأ من أرقام الإيرادات، وإنما من التاريخ.. قبل أن تصبح قناة السويس ممرًا عالميًا معروفًا، كانت فكرة الربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط تراود المصريين منذ آلاف السنين. تعاقبت محاولات حفر المجاري المائية التي تصل بين النيل والبحر الأحمر، وتطورت الفكرة عبر عصور مختلفة، قبل أن تعود في العصر الحديث بصورة أكثر اتساعًا وطموحًا: شق طريق مائي مباشر يختصر آلاف الكيلومترات على السفن بين الشرق والغرب.
 
وتظهر أهمية القناة في الاقتصاد العالمي، من خلال موقعها الذى هو هو سر قوتها. فهي أقصر طريق بحري تقريبًا بين شرق آسيا وأوروبا عبر البحر المتوسط، وتربط البحرين الأحمر والمتوسط دون الحاجة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وتشير تقديرات ودراسات دولية إلى أن قناة السويس تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة البحرية العالمية، فضلًا عن كونها ممرًا بالغ الأهمية لتدفقات الطاقة والحاويات والبضائع بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، ولهذا فإن أي اضطراب في القناة لا يظل أثره داخل مصر فقط؛ وإنما يمتد إلى تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد ومواعيد وصول السلع وأسعار النقل والطاقة.
 
وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ذلك بوضوح؛ إذ اضطرت شركات ملاحة إلى تغيير مساراتها والابتعاد عن قناة السويس في فترات من التوتر الإقليمي، وهو ما انعكس على حركة العبور وإيرادات القناة. ولذلك فإن انخفاض الإيرادات في فترات الاضطرابات لا يعني أن أهمية القناة تراجعت، وإنما يكشف على العكس عن مدى ارتباط التجارة العالمية بأمن الممر الملاحي.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة