الضيف أحمد.. السهم والشهاب!
الأحد، 06 سبتمبر 2026 09:00 ص
يطول عمر البعض، ثم ينتهون عندما يموتون، تبحث للواحد منهم عن أثر أو ذكرى فارقة فلا تجد شيئًا، وبعضهم يعيش السنوات القلائل وعندما يأتيه أمر الله، تجد الدهشة تستولي عليك وأنت تحاول إحصاء أعماله، وهذا من كثرتها ومن ضخامتها التي لا تتناسب مع سني عمره القليلة.
ثم العمر نوع من الرزق وصدق رسولنا الكريم الذي قال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لن تَموتَ حتى تَسْتكمِلَ أَجَلَها وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّ أحَدَكم اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ على أنْ يَطْلُبَهُ بمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلَّا بِطاعَتِهِ".. أكتب هذا بعد فراغي من قراءة كتاب الأستاذة زينب عبد اللاه "الضيف سيرة أطول من العمر"، والضيف هو الفنان الراحل الضيف أحمد، والكتاب صادر عن دار ريشة بغلاف متميز صنعته الفنانة هدير الصادق.
رزق الله الضيف الحضور والتوهج فصنع في عشرين سنة ما لم يصنعه غيره في تسعين سنة!.
أنقل عبارة كتبها الراحل الكريم الدكتور شاكر عبد الحميد عن القصاص يحيي الطاهر عبد الله: "مبدع وأصيل، مشرق وطموح، عميق ومؤثر، بسيط ومعبر، دخل حياتنا كالسهم ومرق من عالمنا كالشهاب".. هذه الجملة هي من حق الضيف كما كانت من حق يحيي، فكلاهما عاش عمرًا قصيرًا ولكنه خلف إنتاجًا ضخمَا متميزًا!
الكتابة عن الضيف صعبة، وذلك لندرة المواد المتعلقة بحياته القصيرة، عن نفسي رأيت للضيف مقابلة تلفزيونية واحدة جمعته مع الكاتب ثروت أباظة، وكانت المقابلة عصبية، فأباظة ظهر بمظهر الممتعض من جلوسه مع ممثل، والضيف فرض وجوده في الحلقة بالاستغراق في استعراض ثقافته لكي ينفي عن نفسه تهمة التفاهة!
ثم نحن لا نعرف للضيف سوى حفنة من أعماله، مثل طبيخ الملائكة، وزيارة غرامية، وكل واحد له عفريت، ويوم في السجن، وشاطئ المرح، ثم ظهوره اللافت في فيلم عروس النيل، أما الأعمال التي قدمته ورسخت وجوده فقد سقطت من ذاكرة الأيام لأنها لم تسجل.
أصدق ما قالته زينب عن تفرغها لأربع سنوات لمطاردة قصص حياة الضيف، نعم يمتلك قصصًا وليست قصة واحدة، وقد واجهت زينب عوائق تخطتها بنجاح، فأولًا: سعت إلى السيدة الكريمة نبيلة مندور زوج الضيف، ولكن السيدة بطبيعتها قليلة الكلام بعيدة عن الأضواء، فلم تقل عن زوجها إلا ما تقوله زوجة وفية عن رفيق عمر وحبيب قلب، ثانيًا: معظم رفاق الضيف رحلوا ومن بقي منهم على قيد الحياة نالت منه أحداث الزمان التي لها فعل عوامل التعرية، فالفنان فاروق فلوكس وكان رفيقًا وصديقًا مقربًا من الضيف قدم لزينب الكثير من المستندات والصور، ولكن لم يقدم لها إلا أقل الكلام عن تحليله لشخصية الضيف، وقد أوجعني أن فلوكس ضعف بصره بحيث لم يستطع قراءة ما كتبه على ظهر الصور من ملاحظات!
والحال كما ترى فقد شمرت الكاتبة عن ساعديها وراحت تطارد القصص لتجمعها في نسيج واحد متكامل بداية من الميلاد في 12 فبراير من العام 1936(مع إشارتها إلى أن تاريخ اليوم والشهر مختلف عليه)، وإلى وفاته في 16 أبريل من العام 1970.
ولد الضيف لأسرة من أعيان قرية تمى الأمديد الواقعة في محافظة الدقهلية، كان والده عمدة القرية وكان جده المباشر من السياسيين المرموقين في زمن الخديوي إسماعيل، أما جده البعيد فكان الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، فأسرة الضيف تنتمي إلى عائلة الشرايفة التي ينتهي نسبها إلى الإمام الحسين وهم من أشراف محافظة قنا وتحديدًا من كوم البجا بفرشوط، وقد نزحوا أولًا إلى الشرقية ثم استقروا في الدقهلية.
الفقرة السابقة مهداة إلى الذين يتحدثون عن مصر بوصفها "كميت!".
ولهم أقول: مصر لم تكن يومًا مصرية أو عربية أو إفريقية أو شرق متوسطية أو إسلامية، مصر كانت وستظل إنسانية، ترحب ببني الإنسان بعيدًا عن لونه وعرقه وعقيدته، ومن استقام لها قدمت له عيونها!
نعود إلى سيرة الضيف التي هي أطول من عمره فنجد أن المميز في أسرته هو حرصها التام على تعليم أولادها رغم أي ظرف مادي أو اجتماعي تتعرض له الأسرة، فالتعليم عندها أولًا ثم تأتي الحياة بما تأتي به!
اليسر الذي تمتع به الضيف في طفولته، رغم كثرة أولاد والده مكنه من التعبير عن عشقه للمسرح مبكرًا، فقد جمع أخوته وأولاد عمومته وكون بهم أولى فرقه المسرحية، وطبعًا كان هو المؤلف والمخرج والبطل.
لاحظ أننا نتحدث عن حياة طفل قروي قبل ثمانين عامًا، لقد عرف الضيف المسرح والسينما بعد تردده مع شقيق الأكبر على مسارح ودور العرض التي كانت بمدينة المنصورة!
الأسرة الحريصة على تعليم أولادها بعث به مع أخوته وأولاد عمومته إلى شقة العجوزة بالقاهرة لكي يكمل تعليمه الثانوي والجامعي، فبدأ الرحلة من كلية الآداب بجامعة القاهرة ومن المسرح الجامعي تفوق كمخرج وممثل، فكان رئيسا لفريق التمثيل وقدم العديد من عروض الأدب العالمي ومنها مسرحية «الأخوة كرامازوف» وحصل على الميدالية الذهبية فى مسابقة كأس الجامعات، ولفت الأنظار بموهبته فاختاره الفنان الكبير فؤاد المهندس للمشاركة فى مسرحية «أنا وهو وهي»، بعدها واصل الضيف حضوره المشع حتى وصل إلى ضفاف مرحلة ثلاثي أضواء المسرح، حيث سمير غانم وجورج سيدهم وحيث الجماهيرية الكاسحة والتألق اللافت.
تتوقف الكاتبة الأستاذة زينب عبد اللاه عند نبوءة عراف تنبأ للضيف برحيله المبكر، ومن الواضح أن الضيف لأمر لا يعرفه سوى الله قد صدق النبوءة، فراح يستغرق في العمل لكي يراكم التجارب والخبرة، وكما انطلق كالسهم فقد انطفأ مثل شهاب، يرحمه الله.