التنانين الأربعة تشعل منافسة الصين لهيمنة إنفيديا على رقائق الذكاء الاصطناعي
الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 03:34 م
هانم التمساح
دخلت حرب الرقائق العالمية مرحلة جديدة مع تصاعد المنافسة الصينية في صناعة أشباه الموصلات المخصصة للذكاء الاصطناعي، في تطور يضع هيمنة الشركات الأمريكية، وعلى رأسها إنفيديا، أمام اختبار متزايد، ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستقبل سوق الذكاء الاصطناعي الذي قاد موجة صعود قياسية لأسهم التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز مجموعة من شركات الرقائق الصينية التي بدأت في اكتساب حضور متزايد بالسوق المحلية، بينها Enflame Technology وMoore Threads وMetaX Integrated Circuits وShanghai Biren Technology، إلى جانب Huawei، التي تعمل على تطوير منظومة متكاملة من الشرائح والبرمجيات لمنافسة التكنولوجيا الأمريكية.
وبحسب تقرير حديث لوكالة «رويترز»، تعرف هذه الشركات بصورة غير رسمية باسم «التنانين الأربعة الصغيرة» لصناعة رقائق الذكاء الاصطناعي الصينية، في إشارة إلى صعودها السريع وقدرتها على تقديم بدائل محلية لشرائح إنفيديا، خاصة في ظل القيود الأمريكية المفروضة على تصدير أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصين.
وتبرز شركة Enflame Technology في المشهد الجديد، بعدما سجلت نمواً سنوياً في المبيعات بلغ نحو 1475%، كما جمعت قرابة 908 ملايين دولار في طرح عام أولي ببورصة شنغهاي شهد إقبالاً كبيراً من المستثمرين.
وتعمل الشركة على تطوير شرائح للذكاء الاصطناعي ومنصة برمجية خاصة بها، في محاولة لتقليل اعتماد المطورين والشركات الصينية على منظومة CUDA التي تمثل أحد أبرز مصادر القوة التنافسية لإنفيديا.
وفي السياق ذاته، تواصل Moore Threads توسعها في السوق الصينية، بعدما سجلت نمواً قوياً في إيرادات النصف الأول من عام 2026، وأعلنت خططاً لإدراج أسهمها في بورصة هونج كونج بهدف توفير تمويل إضافي لتوسيع أعمالها وتعزيز قدرتها التنافسية.
كما حظيت MetaX Integrated Circuits باهتمام كبير من المستثمرين، بعدما قفز سهم الشركة بقوة عند بدء تداوله في شنغهاي، في مؤشر على حجم الرهان الصيني على بناء صناعة محلية للرقائق المتقدمة.
ولا تقتصر المنافسة الصينية على الشركات الناشئة، إذ تعد Huawei أحد أبرز أطراف المعركة، بعدما كثفت جهودها لتطوير وإنتاج شرائح الذكاء الاصطناعي محلياً.
وتسعى بكين من خلال هذه المنظومة إلى تقليل اعتمادها على إنفيديا وغيرها من الشركات الأمريكية، خاصة بعدما أصبحت القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين أحد العوامل الرئيسية في إعادة تشكيل سوق أشباه الموصلات العالمي.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن Huawei تعمل على زيادة إنتاج شرائح الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، في إطار مساعي الصين لتلبية الطلب المحلي من خلال منتجات محلية.
ورغم الزخم المتزايد حول الرقائق الصينية، فإن المشهد الحالي يعكس بصورة أكبر محاولة لتضييق الفجوة وبناء بدائل محلية، وليس تفوقاً صينياً شاملاً على التكنولوجيا الأمريكية.
ولا تزال إنفيديا تتمتع بموقع قوي في السوق العالمية، كما أن جانباً كبيراً من تفوقها لا يرتبط بالرقاقة وحدها، وإنما بمنظومة البرمجيات والأدوات والمطورين التي بنتها الشركة حول CUDA.
لكن التحدي بالنسبة لإنفيديا يتجاوز إنتاج شريحة منافسة، إذ تسعى الصين إلى بناء منظومة تكنولوجية متكاملة ومستقلة تشمل الشرائح والبرمجيات ومراكز البيانات وخدمات الذكاء الاصطناعي.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للأسواق المالية، بعدما أصبح قطاع الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات ارتفاع أسهم التكنولوجيا الأمريكية، ما يجعل أي تقدم في المنافسة الصينية أو تراجع متوقع في الطلب على الرقائق الأمريكية عاملاً قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار المرتفعة لأسهم شركات الرقائق.
وسبق أن شهدت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات موجات بيع حادة بسبب المخاوف من ارتفاع الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنافسة الصينية وتغير توقعات المستثمرين بشأن العائد على هذه الاستثمارات.
وتكشف التطورات الأخيرة انتقال الحرب التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين من مجرد صراع على الوصول إلى التكنولوجيا إلى سباق لبناء منظومات تكنولوجية مستقلة.
وتحاول واشنطن الحد من وصول الصين إلى أكثر الرقائق تقدماً، بينما ترد بكين بتسريع الاستثمار في الشركات المحلية وتشجيع شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات الصينية على استخدام البدائل المحلية.
وفي هذا السياق، لا يمثل صعود Enflame وMoore Threads وMetaX وBiren مجرد منافسة تجارية، بل يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية.
ورغم ذلك، لا تزال إنفيديا تحتفظ بموقع قوي في السوق الصينية، إذ تشير بيانات «رويترز» إلى أنها تستحوذ على نحو 55% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي في الصين، رغم تراجع نفوذها مقارنة بالسنوات السابقة.
وبذلك لم تعد المعركة تدور فقط حول امتلاك أسرع شريحة، وإنما حول القدرة على بناء النظام التكنولوجي الكامل الذي سيشغل الجيل المقبل من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتحاول الصين تحويل القيود الأمريكية إلى حافز لتطوير صناعة محلية مكتفية ذاتياً، بينما تواجه شركات الرقائق الأمريكية منافسة صينية أكثر تنظيماً وتمويلاً.
وتفسر هذه التطورات حساسية الأسواق تجاه الأخبار المرتبطة بالرقائق الصينية، إذ يفتح كل تقدم جديد في هذا المجال تساؤلات أمام المستثمرين بشأن مستقبل الأرباح الضخمة التي حققتها شركات الرقائق الأمريكية بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، ويجعل سباق الرقائق والذكاء الاصطناعي أحد أبرز ميادين المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.