الأبلة صالحة ووزير التعليم.. من المدرسة إلى مكتب الوزير
الخميس، 10 سبتمبر 2026 06:19 م
في الأفلام، هناك مشهد يتكرر كثيرًا: شخص عادي يدخل مكانًا كبيرًا، فلا يلتفت إليه أحد. الوجوه مشغولة، والكلام كثير، وكل واحد يظن أن الحكاية تخص غيره. ثم يقول هذا الشخص كلمة واحدة، أو يفعل شيئًا صغيرًا، فإذا بالحكاية كلها تدور حوله.
السينما تعرف قيمة هذه اللحظة، ولذلك تضع لها الموسيقى. أما الحياة فلا تفعل. الحياة تمر بنا سريعًا، ولا تقول لنا إن هذا الرجل الذي عبر الشارع أمامك، أو هذه السيدة التي وقفت في طابور طويل، قد يكون وراءها عمر كامل من الحكايات. وربما لهذا لفتتني حكاية «الأبلة صالحة». لم تظهر من العدم، وإنما كانت موجودة منذ سنوات طويلة، في مدرسة، بين تلاميذ ومدرسين ومشكلات يومية، تعمل وتدفع وتحاول أن تصلح ما تستطيع. لكنها احتاجت إلى لحظة واحدة فقط لكي يلتفت الناس إليها.
والحكاية تصبح أجمل حين نعرف ماذا حدث بعد ذلك. وصلت كلمتها إلى وزير التربية والتعليم، فالتقاها واستمع إليها، وتحدث معها عن المناهج، وعن أحوال العاملين في التعليم، وعن المشكلات التي يعرفها أهل المدرسة أكثر مما تعرفها الأوراق. وهنا، في رأيي، بدأت الحكاية الحقيقية. فالمهم ليس أن مسؤولة صغيرة قابلت مسؤولًا كبيرًا؛ المهم أن صوت الميدان وجد طريقه إلى صاحب القرار. وهذه مسألة أكبر بكثير من مدرسة في كفر الجزار. فكل مؤسسة في الدنيا لها لغتان: لغة التقارير، ولغة الذين يعيشون داخلها. التقارير تقول إن الأمور تسير، أما الذين في الداخل فيعرفون أين تتعثر. الورق يعرف الأرقام، لكن الإنسان يعرف لماذا أصبحت الأرقام كذلك. وربما كانت أفضل لحظة للمسؤول هي اللحظة التي يضع فيها الأوراق جانبًا، ويسأل شخصًا من الميدان: «قل لي أنت... ماذا يحدث؟».
ولذلك لا أرى «الأبلة صالحة» بطلة لأنها تحدثت، وإنما لأنها كانت تعمل قبل أن تتحدث. وهذه نقطة مهمة. فالإنسان الذي ينتظر التصفيق قبل أن يعمل، يعمل من أجل الناس. أما الإنسان الذي يعمل ثم يأتيه التصفيق، فقد كان يعمل من أجل شيء آخر. وقد تكون الجملة التي تلخص الحكاية كلها بسيطة جدًا: «دي مدرستي... ودي أولادي». لا فلسفة هنا، ولا شعارات. ومع ذلك، ربما تكون هذه أبسط تعريفات الانتماء.
نحن نكتب كثيرًا عن الإخلاص، حتى يبدو الإخلاص نفسه موظفًا حكوميًا له مواعيد حضور وانصراف. نتحدث عن المسؤولية في المؤتمرات، ثم نجدها في النهاية امرأة تصلح شيئًا في مدرسة؛ لأنها لا تستطيع أن تتركه مكسورًا. تدفع من جيبها، ثم تمضي. لا تنتظر من يكتب اسمها في الجريدة. وربما لهذا كان تكريمها جميلًا؛ لأنه لم يمنحها قيمة لم تكن تملكها، وإنما أعاد إليها شيئًا من الاعتراف الذي تأخر.
ثم يأتي السؤال الذي لا يخص «الأبلة صالحة» وحدها: كم «أبلة صالحة» عندنا ولا نعرفها؟ كم إنسانًا يعمل كل يوم في مكانه، ويحل مشكلة لا يعرف بها أحد، ويمنع كارثة صغيرة لا تظهر في الأخبار، ويعود إلى بيته دون أن يسأله أحد ماذا فعل؟ نحن بارعون في الاحتفال بالنتائج، لكننا قليلًا ما نبحث عن الذين صنعوا الطريق إليها. وربما لهذا فإن أجمل ما في الحكاية كلها ليس أن امرأة من مدرسة وصلت إلى الوزير، وإنما أن أحدًا قال لها، بطريقة أو بأخرى: «نحن نراك». وهذه جملة صغيرة، لكنها بالنسبة إلى إنسان يعمل سنوات في صمت قد تساوي الكثير. فبعض الناس لا يحتاجون إلى شهرة؛ يحتاجون فقط إلى شاهد. والأبلة صالحة كانت موجودة قبل أن يعرفها الناس، وستظل موجودة بعد أن تنتهي الحكاية.
وهذا هو الفرق بين من يصنعه الضوء، ومن يكشف الضوء أنه كان موجودًا من البداية.