دينا الحسيني تكتب: يا داخلية بتعمليها إزاي؟.. من اقتحام السجون إلى وزارة استنجد بها المواطن
الخميس، 10 سبتمبر 2026 07:40 م
«يا مصري بتعملها إزاي؟».. سؤال ارتبط بأغنية عبرت عن دهشة المصريين من قدرتهم على تجاوز الصعاب، لكن أمام التحول الذي شهدته وزارة الداخلية المصرية خلال السنوات الماضية، يبدو أن سؤالًا آخر يفرض نفسه: «يا داخلية.. بتعمليها إزاي؟»
كيف تحولت وزارة كانت في عام 2011 واحدة من أكثر مؤسسات الدولة تعرضًا للاستهداف والاقتحام والحرق، إلى مؤسسة يستنجد بها المواطن، ويرسل إليها شكواه عبر هاتفه، ويبحث عن خدماتها إلكترونيًا، ويلجأ إليها في الأزمات، بينما تتابع أجهزتها ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي؟
الإجابة ليست في سيارة شرطة حديثة أو مبنى جديد، وإنما في رحلة إعادة بناء لمؤسسة كاملة بدأت من واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها الدولة المصرية.
في 2011 تعرضت أقسام شرطة للاقتحام والحرق، واقتحمت السجون، واستهدفت المقار الأمنية، ووجد رجال الشرطة أنفسهم أمام معركة لا تتعلق فقط بحماية الشارع، وإنما بالحفاظ على قدرة المؤسسة نفسها على أداء دورها.
ثم جاءت 30 يونيو، لتبدأ مرحلة أكثر قسوة أمنيًا، مع موجة إرهاب استهدفت رجال الشرطة والقوات المسلحة والمدنيين والمنشآت والأكمنة، لتدخل وزارة الداخلية في معركة مفتوحة مع التنظيمات والخلايا الإرهابية التي سعت إلى إنهاك الدولة وضرب مؤسساتها.
ومن القاهرة إلى سيناء، تكاملت جهود وزارة الداخلية مع القوات المسلحة في مواجهة الإرهاب، وصولًا إلى العملية الشاملة «سيناء 2018»، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة: لم يعد المطلوب فقط استعادة الأمن، وإنما تطوير أدوات المؤسسة بما يتناسب مع تهديدات تغيرت طبيعتها.
فالجريمة نفسها تغيرت، ولم يعد الخطر فقط في السلاح والمتفجرات، وإنما ظهرت الجرائم الإلكترونية، والاحتيال والابتزاز وانتحال الصفات، وأصبح الفضاء الإلكتروني مسرحًا جديدًا للجريمة.
وهنا دخلت التكنولوجيا بقوة إلى منظومة العمل الأمني؛ من تطوير وسائل الاتصال والمركبات والمعدات، إلى غرف العمليات وإدارة الأزمات، ومكافحة الجرائم المعلوماتية، وتحديث التدريب والتأهيل، لتصبح المعلومة والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من التعامل مع التهديدات الجديدة.
لكن ربما كان التحول الأهم هو ذلك الذي شعر به المواطن في حياته اليومية.. الداخلية لم تعد تنتظر المواطن فقط حتى يصل إلى قسم الشرطة.
فمن خلال منصاتها الرسمية، أصبحت الوزارة تتابع ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، وتفحص الشكاوى والاستغاثات والمنشورات التي تتضمن وقائع تستدعي التحقق، حتى في بعض الحالات التي لم يتقدم أصحابها ببلاغات رسمية.
وهنا تغير شكل العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية؛ فالمواطن يستطيع أن يبدأ التواصل من هاتفه، والوزارة تستطيع أن تصل إلى واقعة بدأت على شاشة الهاتف.
لكن الحكاية لا تتوقف عند الأمن، فوزارة الداخلية أصبحت حاضرة أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن من خلال الخدمات الإلكترونية والميكنة، في الأحوال المدنية والمرور والجوازات والهجرة والجنسية والأدلة الجنائية وغيرها من القطاعات.
وفي الأحوال المدنية، لم يعد الحصول على بطاقة الرقم القومي أو بعض الوثائق مرتبطًا فقط بالانتقال إلى مقار الخدمة والانتظار، بل توسعت الخدمات المميكنة والقوافل المتنقلة التي تصل إلى المواطنين في أماكن وجودهم، مع خدمات مخصصة لكبار السن وذوي الهمم والحالات المرضية وأسر الشهداء، وإتاحة توصيل بعض الخدمات إلى أصحابها.
وفي المرور والجوازات والهجرة والجنسية، أتاحت الوزارة كذلك عددًا من الخدمات الإلكترونية التي تختصر الوقت والجهد وتقلل الحاجة إلى الانتقال بين المكاتب.
وهنا يصبح معنى التطوير أكبر من مجرد استخدام التكنولوجيا داخل الوزارة؛ فالتكنولوجيا أصبحت جزءًا من علاقة المواطن بالخدمة الحكومية نفسها.
لكن ماذا عن الجانب الإنساني؟.. هنا تظهر صورة أخرى من صور التحول.
فمن خلال مبادرات مثل «كلنا واحد»، شاركت الوزارة في توفير السلع الغذائية وغير الغذائية بأسعار مخفضة، في إطار جهود تخفيف الأعباء عن الأسر المصرية، إلى جانب القوافل والمساعدات الإنسانية التي تصل إلى المناطق الأولى بالرعاية.
كما واصلت الوزارة تنظيم فعاليات «جيل جديد» للتواصل مع شباب المناطق الحضرية وتعزيز الوعي والانتماء، في محاولة لبناء علاقة أوسع مع الأجيال الجديدة.
وهناك أيضًا ملف لا يمكن تجاهله: أسر شهداء الشرطة ومصابو العمليات الأمنية والإرهابية، فالرعاية لم تتوقف عند لحظة الاستشهاد، وإنما امتدت إلى خدمات علاجية واجتماعية ومساعدات ومزايا مختلفة، إلى جانب تنظيم رحلات حج لأسر الشهداء وتقديم خدمات تسهل حصولهم على ما يحتاجونه.
حتى ملف السجون شهد تحولًا كبيرًا في فلسفته؛ فبعد سنوات كان فيها المشهد مرتبطًا باقتحام السجون واستهدافها، انتقلت المنظومة إلى إنشاء مراكز الإصلاح والتأهيل وفق رؤية تستهدف تغيير بيئة الاحتجاز نفسها، من خلال توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية والتأهيلية، وإتاحة مجالات للتدريب والعمل، بما يدعم إعادة تأهيل النزلاء وتهيئتهم للعودة إلى المجتمع.
وهنا لا نتحدث فقط عن تغيير اسم «السجن»، وإنما عن تحول في فلسفة التعامل مع المحكوم عليهم، من مجرد الاحتجاز إلى الإصلاح والتأهيل وإعادة الدمج.
وهكذا يصعب اليوم اختزال وزارة الداخلية في صورة رجل الشرطة الذي يقف في الشارع.
خلف هذا الرجل قطاعات تعمل في الأمن العام، والأمن الوطني، ومكافحة الجرائم المعلوماتية، والمرور، والأحوال المدنية، والجوازات والهجرة والجنسية، والحماية المدنية، والأدلة الجنائية، وغيرها من القطاعات التي تتعامل مع المواطن في تفاصيل حياته اليومية، إلى جانب الملفات التي تمس أمن الدولة.
لقد تغيرت المهمة لأن المجتمع نفسه تغير، وتغيرت أدوات الجريمة، وتغيرت احتياجات المواطن.
واللافت أن التكنولوجيا التي أصبحت أداة في مواجهة الجريمة، أصبحت في الوقت نفسه أداة لتقديم الخدمة.
المواطن يستطيع أن يطلب خدمته إلكترونيًا، ويستخرج وثائقه من خلال منظومات مميكنة، ويتواصل مع قطاعات الوزارة، وفي المقابل تستطيع الأجهزة رصد واقعة منشورة على مواقع التواصل، والتحقق منها، واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبتت صحتها.
وهكذا لم تعد المسافة بين المواطن ووزارة الداخلية تُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تفصل المواطن عن قسم الشرطة، وإنما بسرعة حصوله على الخدمة، وسرعة استجابة المؤسسة لاستغاثته، وقدرتها على الوصول إلى المعلومة والتعامل معها.
لذلك، عندما نعود إلى السؤال الأول: «يا داخلية.. بتعمليها إزاي؟»
فالإجابة لا تكمن في المعدات وحدها، ولا في المباني، ولا في التكنولوجيا، وإنما في أن الوزارة خاضت خلال السنوات الماضية رحلة بدأت باستعادة وجودها، ثم مواجهة الإرهاب، ثم إعادة بناء قدراتها، وصولًا إلى تطوير أدواتها وإعادة تعريف علاقتها بالمواطن.
من مؤسسة كانت في 2011 تدافع عن مقراتها وسجونها وأقسامها، إلى مؤسسة تواجه الإرهاب والجريمة التقليدية والمستحدثة، وتدير الأزمات، وتستخدم التكنولوجيا، وتقدم الخدمات، وتتحرك بقوافلها إلى المواطنين، وتشارك في تخفيف الأعباء من خلال «كلنا واحد»، وتهتم بالشباب من خلال «جيل جديد»، وترعى أسر شهدائها ومصابيها، وتطور حتى فلسفة الإصلاح والتأهيل.
السؤال في 2011 كان: كيف تستعيد الداخلية قدرتها على حماية الشارع؟
أما اليوم فأصبح السؤال: كيف استطاعت أن تحول هذه القدرة إلى منظومة متكاملة للأمن والخدمة والرعاية والتواصل؟
وربما تكون الإجابة ببساطة:
لأنها لم تكتفِ بإعادة بناء ما تهدم.. وإنما أعادت بناء طريقة عملها نفسها.
فبعد أن كان المطلوب أن تعود الشرطة إلى الشارع، أصبح المطلوب أن تكون موجودة في كل مكان يحتاج إليها فيه المواطن.. في الشارع، وعلى هاتفه، وفي مراكز الخدمة، وفي القوافل، وفي غرف العمليات، وفي مواجهة الجريمة، وفي رعاية أسر الشهداء، وحتى في منظومة الإصلاح والتأهيل.
حتى أصبح المواطن الذي كان يبحث عن الشرطة.. يجدها اليوم تبحث عنه عندما يطلب النجدة.
وده هو التحول الحقيقي الذي يستحق أن تُروى حكايته.