أمل غريب تكتب: مصر لا تحضر إلى شرق المتوسط كجار بل رقم يصعب تجاوزه
الخميس، 10 سبتمبر 2026 09:33 م
الدولة المصرية لا تحضر إلى شرق المتوسط كجار يراقب ما يجري من بعيد، ولا كطرف يبحث عن مقعد في ترتيبات إقليمية تتشكل من حولها، لكنها تتحرك كدولة تملك من الجغرافيا والسياسة والطاقة والأمن، ما يجعل تجاهلها في أي معادلة تخص المنطقة أمرا بالغ الصعوبة، وهو ما ظهر بوضوح في الإعلان المشترك لقمة العلمين الثلاثية، التي جمعت مصر وقبرص واليونان، أمس الاول الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026، والذي تجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية، ليكشف عن شبكة واسعة من المصالح، تسعى القاهرة إلى تحويلها من تفاهمات سياسية إلى منظومة نفوذ ومصالح ممتدة، بين شرق المتوسط وأوروبا والشرق الأوسط.
أهمية القمة لا تكمن فقط في الدول المشاركة، لكن في طبيعة الملفات التي وضعت على الطاولة، في توقيت شديد الحساسية، فقضايا غزة ولبنان وليبيا، وأمن الطاقة والغاز والربط الكهربائي، والحدود البحرية والأمن المائي والهجرة، والتجارة والاستثمار والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، كلها ظهرت داخل إطار واحد، بما يكشف أن القاهرة لا تتعامل مع هذه القضايا باعتبارها ملفات منفصلة، لكن كأجزاء من مشهد واحد تتداخل فيه الجغرافيا بالأمن، والطاقة بالسياسة، والاقتصاد بالاستقرار، والعلاقة مع أوروبا بموقع مصر في قلب الإقليم.
لم يعد شرق المتوسط، مجرد مساحة بحرية بين دول متجاورة، بل أصبح من أكثر المناطق حساسية في حسابات القوى الدولية، بعد أن أعادت اكتشافات الغاز رسم أهميته، ودفع الصراع الروسي الأوكراني أوروبا، إلى البحث عن مصادر ومسارات جديدة للطاقة، بينما جعلت أزمات غزة ولبنان وليبيا، أمن المتوسط مرتبطا بصورة مباشرة، باستقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن هنا وفي وسط هذه الحسابات، تظهر مصر، باعتبارها الدولة التي تجمع بين الموقع والموارد والبنية الأساسية، والقدرة السياسية على التواصل مع أطراف مختلفة في الوقت نفسه، فقناة السويس تمنحها موقعا استثنائيا في حركة التجارة العالمية، وبنيتها الأساسية للطاقة، تفتح أمامها دورا في نقل ومعالجة وتصدير موارد المنطقة، بينما تجعلها علاقاتها مع قبرص واليونان، نقطة اتصال بين شرق المتوسط والأسواق الأوروبية.
ومنذ إطلاق آلية التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان عام 2014، تطورت العلاقات من مجرد جوار جغرافي إلى إطار أكثر تنظيما، شمل الطاقة والاستثمار والأمن والنقل والهجرة، أما قمة العلمين فتدفع هذا المسار خطوة إضافية، من خلال تفعيل أمانة دائمة للآلية في نيقوسيا، بما يعني أن التعاون يتجه إلى بناء هيكل مستمر، يتابع تنفيذ الاتفاقات، وليس مجرد قمم وبيانات سياسية.
وتبقى الطاقة الاختبار الأوضح لهذه المعادلة، فامتلاك الغاز وحده لا يصنع النفوذ، لأن الموارد تحتاج إلى بنية أساسية، وأسواق وطرق نقل ومعالجة، وتصدير وبيئة سياسية وقانونية مستقرة، وهنا يظهر الدور المصري بقوة، خاصة مع طرح ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية الأساسية المصرية، بما يمكن أن يمنح غاز شرق المتوسط طريقا إلى الأسواق، ويضع مصر في موقع أكثر أهمية داخل منظومة أمن الطاقة الأوروبية.
ولدى قبرص، موارد بحرية واعدة، واليونان تمثل بوابة مهمة داخل منظومة الطاقة الأوروبية، بينما تمتلك مصر الموقع والبنية الأساسية، والقدرة على التعامل مع الأسواق الإقليمية والدولية، وإذا اكتملت هذه الحلقة، فلن تكون المسألة مجرد تعاون اقتصادي بين ثلاث دول، بل يمكن أن تتحول إلى مسار طويل الأجل، يجعل مصر جزء من منظومة أمن الطاقة الأوروبية، ويضمن استقرار المنطقة كمصلحة مشتركة لا تخص دولها وحدها.
الأمر نفسه ينطبق على الربط الكهربائي بين مصر واليونان، الذي يمكن أن ينقل مصر من مجرد منتج ومستهلك للطاقة، إلى طرف قادر على تصدير الكهرباء، وربط مصادر الطاقة في الجنوب بالأسواق الأوروبية في الشمال، وكلما توسعت هذه المشروعات، أصبحت أوروبا أكثر ارتباطا باستقرار المنطقة، وهنا تنتقل القاهرة من موقع الدولة التي تطالب الآخرين بالاهتمام بأمن الإقليم، إلى موقع دولة تجعل مصالح الآخرين مرتبطة باستقرار الإقليم.
أما الحدود البحرية، فهي ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل ترتبط بحقوق التنقيب والموارد والمناطق الاقتصادية، ومصالح الشركات الدولية، لذلك فإن التأكيد على ترسيم الحدود وفقا للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يحمل أهمية سياسية واقتصادية، لأن وضوح القواعد يمثل شرطا أساسيا للاستثمارات والمشروعات طويلة الأجل، ويحد من احتمالات تحول الخلافات على الحدود إلى صراعات على الغاز والنفوذ.
لكن رؤية القاهرة لشرق المتوسط، لا تتوقف عند الطاقة، فالقضية الفلسطينية جاءت على رأس الإعلان المشترك، مع التأكيد على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على خطوط 4 يونيو ،1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض التهجير القسري، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وترابط الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يعكس حقيقة أن مصر تتعامل مع ما يحدث في غزة، باعتباره قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة، وليس ملفا منفصلا عن رؤيتها للمتوسط، فلا يمكن بناء خطوط كهرباء أو تطوير حقول غاز، أو جذب استثمارات كبرى في منطقة تظل الأزمات السياسية والعسكرية مفتوحة فيها، ولذلك فإن وضع القضية الفلسطينية إلى جانب الطاقة والاقتصاد والأمن الأوروبي، يكشف عن رؤية مصرية تعتبر الاستقرار السياسي شرطا للاستقرار الاقتصادي.
والمنطق نفسه يظهر في التعامل مع لبنان وليبيا، فالتأكيد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، يعكس إدراكا بأن اتساع الصراع سيهدد أمن المتوسط، بينما يمثل استقرار ليبيا بالنسبة إلى مصر، قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي وحدودها الغربية، وهو ما يفسر دعم العملية السياسية، ورفض التدخلات الخارجية، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، والدفع نحو الانتخابات.
إن إدراج فلسطين ولبنان وليبيا، إلى جانب الطاقة والهجرة، يكشف أن القاهرة تنظر إلى أمن المتوسط باعتباره دائرة مترابطة، فما يحدث في شمال أفريقيا يمكن أن يؤثر على أوروبا، وما يجري في المشرق ينعكس على التجارة والطاقة، وما يحدث في ليبيا يمس أمن مصر والبحر المتوسط في الوقت نفسه.
ويظهر المنطق ذاته في ملف الأمن المائي، فدعم الأمن المائي المصري، والتأكيد على مبادئ القانون الدولي في إدارة الموارد العابرة للحدود، بما يرتبط بسد النهضة الإثيوبي، يمنح القاهرة مساحة سياسية وقانونية أوسع، لطرح رؤيتها أمام شريكين عضوين في الاتحاد الأوروبي، وهنا لا تصبح قبرص واليونان، مجرد شريكين إقليميين، لكن بوابتين يمكن من خلالهما الوصول إلى دوائر أوروبية أوسع.
أما في ملف الهجرة، تمتلك مصر ورقة أخرى، فأوروبا تحتاج إلى شريك قادر على التعامل مع الهجرة غير الشرعية، بينما تستطيع القاهرة تحويل الملف من علاقة تقوم فقط على منع التدفقات، إلى تعاون قائم على المصالح، من خلال فتح مسارات قانونية للهجرة والعمل، بما يوفر فرصا منظمة للمصريين، ويمنح أوروبا مسارات أكثر استقرارا.
ويبقى الاقتصاد هو الاختبار الحقيقي لاستمرار هذه الشراكة، فالحكومات تستطيع توقيع الاتفاقات، لكن القطاع الخاص هو القادر على تحويلها إلى استثمارات، ووظائف وإنتاج وتصدير، وإذا نجحت الدول الثلاث في ذلك، ستنتقل العلاقات من شراكة سياسية، إلى شبكة مصالح اقتصادية يصعب تفكيكها، وتصبح تكلفة التراجع عنها أعلى على جميع الأطراف، لهذا فإن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، تمثل بعدا أساسيا في الحسابات المصرية، فمصر تحتاج إلى استثمارات وتمويل وتكنولوجيا وأسواق، وأوروبا في حاجة إلى شركاء جنوب المتوسط، لأمن الطاقة والهجرة والاستقرار، بينما تسعى قبرص واليونان، إلى توسيع دورهما في شرق المتوسط، لذا هي معادلة مصالح متبادلة، تمنح الشراكة فرصة حقيقية للاستمرار، إذا تحولت الاتفاقات إلى مشروعات ملموسة، لكن هذا الدور لا يعني أن الطريق أصبح سهلا، فشرق المتوسط منطقة مزدحمة بالتنافسات، وملفات الطاقة والحدود البحرية، مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية، وأي تصعيد إقليمي يمكن أن ينعكس سريعا على المشروعات الاقتصادية، لذلك ستكون قدرة الشراكة المصرية القبرصية اليونانية، على الاستمرار وسط تغيرات الإقليم هي الاختبار الحقيقي لها.
ومن هنا تأتي أهمية وجود آلية مؤسسية دائمة، تضمن متابعة ما يتم الاتفاق عليه، وقمة العلمين يمكن أن تمثل نقطة انتقال في هذا المسار، إذا نجحت الدول الثلاث في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، كما أنه من هنا، تتحول الجغرافيا المصرية إلى قوة تفاوضية، فمصر لا تقف على هامش شرق المتوسط، بل تقع عند نقطة تلتقي فيها الدوائر العربية والأفريقية، والمتوسطية والأوروبية والممرات البحرية العالمية، وكلما نجحت القاهرة في ربط هذه الدوائر بمصالح مشتركة، لم تعد مجرد دولة ذات موقع استراتيجي، بل أصبحت رقما يصعب تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل شرق المتوسط.