من الجولان إلى القنيطرة ودرعا.. توغلات إسرائيلية تتسع في الجنوب السوري وقلق أممي من تحولها إلى احتلال دائم
السبت، 12 سبتمبر 2026 02:36 م
هانم التمساح
تدخل سوريا مرحلة جديدة شديدة التعقيد بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، فيما تواجه السلطة الانتقالية في دمشق تحديات داخلية وأمنية متشابكة، بالتزامن مع استمرار التوغلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، خصوصًا في محافظتي القنيطرة ودرعا، وسط تحذيرات أممية من أن الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب لم يعد مجرد عمليات أمنية عابرة، وإنما بات يحمل ملامح وجود عسكري متجذر.
وفي أحدث تطور بالغ الدلالة، حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا من أن بعض العمليات الإسرائيلية في جنوب البلاد قد ترقى إلى جرائم حرب، مشيرة إلى عمليات توغل بري ومداهمات وإنشاء بنية عسكرية واحتجاز أشخاص ونقل بعضهم إلى إسرائيل. ووصفت اللجنة الوجود العسكري الإسرائيلي المتزايد بأنه يدخل في إطار "احتلال عدواني"، مطالبة بوقف الانتهاكات.
ويمثل احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية منذ عام 1967 الخلفية التاريخية الأساسية لفهم التطورات الحالية. ورغم إعلان إسرائيل ضم الجولان عام 1981، فإن هذا الضم لا يحظى باعتراف دولي واسع.
لكن التطور الأخطر جاء بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، إذ استغلت إسرائيل حالة الفراغ الأمني والسياسي لتوسيع عملياتها العسكرية في الجنوب السوري، وتوغلت قواتها في مناطق جديدة خارج نطاق الجولان المحتل، مع إقامة مواقع وحواجز عسكرية وتنفيذ عمليات تفتيش واعتقال.
وتشير تقارير بحثية إلى أن نمط التوغلات أصبح متكررًا، لا سيما في القنيطرة ودرعا، فيما وثقت مصادر إعلامية وحقوقية عمليات دخول للقوات الإسرائيلية إلى قرى ومناطق مأهولة بالسكان. كما تحدثت تقارير عن عشرات التوغلات البرية خلال عام 2026.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها العسكرية في جنوب سوريا مرتبطة بأمنها القومي، وبمنع تهديدات محتملة من الأراضي السورية، إضافة إلى حماية الطائفة الدرزية، خصوصًا في ظل الصراع الذي شهدته محافظة السويداء.وتؤكد تل أبيب أنها لا تسعى إلى احتلال دائم للأراضي السورية.
وفي المقابل، تعتبر دمشق أن العمليات الإسرائيلية تمثل اعتداءً على سيادة سوريا وانتهاكًا للقانون الدولي، وتطالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالضغط على إسرائيل لوقف التوغلات والضربات الجوية.وتزداد حساسية الملف بسبب استمرار العمل باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، والذي أنشأ منطقة عازلة تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف".
ولا يمكن فصل التوسع الإسرائيلي في الجنوب عن الوضع المتوتر في السويداء.فالمحافظة ذات الغالبية الدرزية شهدت صدامات مسلحة بين قوى محلية درزية وقوات مرتبطة بالسلطة المركزية، ما خلق بيئة أمنية شديدة التعقيد.واستخدمت إسرائيل حماية الدروز وتطورات السويداء مبررًا أساسيًا لتدخلاتها العسكرية، فيما تخشى دمشق من أن يتحول هذا التدخل إلى ذريعة لإنشاء منطقة نفوذ إسرائيلية ممتدة داخل الجنوب السوري.
وتكشف بيانات نقلتها تقارير دولية عن حجم النشاط الإسرائيلي المتزايد؛ إذ أفادت منظمة "أكليد" بأن القوات الإسرائيلية نفذت 84 توغلًا بريًا في جنوب سوريا خلال مايو 2026 وحده، خصوصًا في درعا والقنيطرة.ويشير ذلك إلى تحول نوعي من عمليات عسكرية محدودة إلى نمط مستمر من الانتشار والتحرك الميداني.كما شهدت الأشهر الأخيرة توغلات جديدة في قرى جنوبية، وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة، وتنفيذ عمليات تفتيش واعتقال.
ولا يقتصر النشاط الإسرائيلي على التوغلات البرية.ففي أغسطس 2026، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، في ضربة أثارت توترًا إضافيًا، خصوصًا أنها جاءت بعد زيارة وفد عسكري تركي للقاعدة.وبررت إسرائيل الضربة بمخاوف أمنية مرتبطة بإمكانية وجود عسكري تركي في القاعدة، بينما وصفت دمشق العملية بأنها تصعيد غير مبرر. كما أثارت الضربة مخاوف أمريكية من احتمال تحول التنافس الإسرائيلي–التركي داخل الساحة السورية إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.
لماذا تخشى إسرائيل من إعادة بناء الجيش السوري؟
وبعد سقوط الأسد، بدأت السلطة الجديدة في دمشق محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة والقوات المسلحة.وتنظر إسرائيل بحذر شديد إلى أي عملية لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، خصوصًا إذا تمت بمساعدة تركيا.ولهذا فإن الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور وفق تصريحات إسرائيلية وتقارير دولية، تعد رسالة إلى دمشق وأنقرة معًا بأن إسرائيل لن تسمح بسهولة بإعادة بناء بنية عسكرية سورية قوية بالقرب من حدودها.لكن هذه السياسة تفتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا للصراع
التطور الأكثر أهمية حاليًا هو دخول الأمم المتحدة بصورة أكثر صراحة على خط الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل.فوفق لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، فإن النشاط الإسرائيلي في الجنوب يشمل توغلات وعمليات اعتقال وإنشاء بنية عسكرية، وهو ما يثير مخاوف بشأن تحول الوجود العسكري المؤقت إلى واقع طويل الأمد.
وفي هذا السياق، حققت دمشق خلال أغسطس 2026 تطورًا مهمًا بإعلان قوات سوريا الديمقراطية إنهاء وجودها المستقل والاندماج في الجيش السوري، وهو ما يمثل خطوة باتجاه إعادة توحيد المؤسسة العسكرية السورية.لكن الجنوب ما زال يمثل واحدة من أصعب المناطق بالنسبة إلى دمشق، بسبب التركيبة المحلية المعقدة، والتوترات الدرزية، والوجود الإسرائيلي المتزايد.