«صوت الأمة» تحاور الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير.. ويروي كواليس انبهار الرئيس الصيني بكنوز الفراعنة
السبت، 12 سبتمبر 2026 04:45 م
الدكتور أحمد غنيم: الرئيس الصيني «شي جين بينغ» وقرينته أبديا إعجابهما بالحضارة المصرية وكنوز توت عنخ آمون
كلمات السيدة انتصار السيسي «تشاهد فيه المجد وتشعر بعظمة التاريخ» تختصر فلسفة الصرح
المتحف مشروع ثقافي وحضاري متكامل ويقدم الحضارة المصرية للعالم بلغة العصر
نتبنى خطة للتوسع في استخدام الطاقة النظيفة وتكون مساهمتها 25% من إجمالي الاستهلاك.. ونعمل على استكمال المتطلبات اللازمة لإعلانه متحفًا أخضر وصديقًا للبيئة
متحف الخلود أسهم في تطوير مفهوم السياحة الثقافية بتقديم نموذج يتجاوز الزيارة التقليدية
الأجانب يمثلون 60% من إجمالي الزائرين.. والصينيين أصبحوا شريحة مهمة من الزوار
المتحف يمتلك مقومات تؤهله ليكون منصة إقليمية ودولية لبناء القدرات في الترميم والحفظ وإدارة المتاحف والبحث العلمي
من قلب الحضارة المصرية، وفي مواجهة أهرامات الجيزة، يقف المتحف المصري الكبير كأحد أبرز المشروعات الثقافية التي تعيد تقديم تاريخ مصر للعالم بلغة العصر؛ صرح لا يكتفي باحتضان كنوز آلاف السنين، وإنما يوظف التكنولوجيا والابتكار والعلم ليحول التراث إلى تجربة حية، ومنصة للحوار الثقافي والتواصل بين الشعوب.
ومع توافد قادة وزعماء العالم على المتحف، تتأكد مكانته كأحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية، وكان من أحدث الزيارات اللافتة زيارة الرئيس الصيني «شي جينبينج» وقرينته، برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة انتصار السيسي، حيث أبدى الضيوف إعجابهم بما يقدمه المتحف من تجربة تجمع بين عظمة الحضارة المصرية وأحدث أساليب العرض المتحفي.
وفي حوار خاص مع «صوت الأمة»، يكشف الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير، فلسفة هذا الصرح العالمي، وكواليس زيارة الرئيس الصيني وانطباعاته عن كنوز الحضارة المصرية، وكيفية توظيف أحدث التقنيات في حفظ وترميم مقتنيات الملك توت عنخ آمون، إلى جانب خطط الاستدامة وإدارة الأعداد المتزايدة من الزوار، كما يتحدث عن دور المتحف في تطوير السياحة الثقافية، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة لمصر، وشراكاته مع المؤسسات الدولية، ودوره المرتقب في تدريب الكوادر المصرية والعربية والأفريقية، فضلًا عن رؤيته للسنوات المقبلة وتحويل المتحف إلى مؤسسة ثقافية عالمية تتجاوز مهمة عرض الآثار إلى المعرفة والحوار والابتكار والتفاعل مع المجتمع.
وإلى نص الحوار..
المتحف المصري الكبير لا يقتصر دوره على عرض الآثار، بل يقدم تجربة ثقافية وحضارية متكاملة.. كيف تصفون فلسفة المتحف ورسالته إلى العالم؟ وما الذي يجعله نموذجًا مختلفًا عن المتاحف العالمية؟
في رؤيتي، المتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان لعرض الآثار، وإنما مشروع ثقافي وحضاري متكامل يجمع بين حفظ الآثار والتراث المصري، والبحث العلمي، والتعليم، والابتكار، ويقدم الحضارة المصرية للعالم بلغة العصر.
بدأت فكرة إنشاء المتحف في التسعينيات، بهدف إقامة صرح عالمي يليق بعظمة الحضارة المصرية ويستوعب آلاف القطع الأثرية التي لم تكن معروضة من قبل في المتحف المصري بالتحرير أو كانت محفوظة في مخازن الآثار، مع تقديمها في إطار متحفي حديث يجمع بين الأصالة والتكنولوجيا.
وتبلورت المسابقة المعمارية للمشروع عام 2002، وفي عام 2003 اختير تصميم شركة هينيغان بينغ الأيرلندية، الذي استلهم فكرته من أهرامات الجيزة؛ إذ يعكس المتحف من منظور رأسي هيئة الهرم الرابع، بما يخلق حوارًا معماريًا وحضاريًا بين المتحف والأهرامات.
ومن هنا، تتجاوز فلسفة المتحف مجرد حفظ الآثار وعرضها، ليصبح امتدادًا للحضارة المصرية ورمزًا لاستمراريتها عبر الزمن؛ فهو يحفظ ذاكرة الحضارة ويقدمها للأجيال الحالية والقادمة، ولذلك يمكن وصفه بأنه "متحف الخلود".
وما يميزه أيضًا أنه أكبر متحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، ويقدم تجربة متكاملة تجمع بين الآثار والعمارة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة، مستفيدًا من موقعه الفريد بجوار أهرامات الجيزة.
والأهم أن المتحف لا يخاطب المصريين وحدهم، وإنما ينظر إلى نفسه كمنصة عالمية للحوار الثقافي والتبادل المعرفي، ورسالة مصر الحضارية إلى العالم، بما يسهم في استعادة دور مصر الريادي في علم المصريات والآثار والثقافة، وترسيخ مكانة المتحف كمنارة ثقافية عالمية.
يضم المتحف المصري الكبير المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون إلى جانب آلاف القطع الأثرية النادرة.. كيف توظف إدارة المتحف أحدث التقنيات في حفظ وترميم هذه الكنوز وضمان استدامتها للأجيال القادمة؟
نتبنى في المتحف المصري الكبير منهجًا علميًا متكاملًا لحفظ وصيانة مقتنياته، يجمع بين الخبرات المصرية المتخصصة وأحدث التقنيات والمعايير الدولية في الترميم والحفظ الوقائي. ويضم المتحف مركزًا متكاملًا للترميم والبحث العلمي، مزودًا بمعامل متخصصة لفحص وتحليل القطع الأثرية باستخدام تقنيات متقدمة تساعد على تحديد طبيعة المواد وحالتها واختيار أنسب أساليب الحفاظ عليها، مع الحد من التدخل في الأثر إلى أدنى درجة ممكنة.
وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة في التعامل مع المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بما تضمه من آلاف القطع المتنوعة، والتي تتطلب أعلى درجات الدقة في الفحص والترميم والحفظ والعرض.
أما ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها، فلا يتحقق بمجرد مشاهدة الآثار، وإنما بفهمها واكتشاف قصصها والتفاعل معها. لذلك نسعى إلى أن يكون المتحف مساحة للتعلم والمعرفة والاكتشاف، تقدم الحضارة المصرية بأساليب تواكب العصر دون المساس بأصالتها وقيمتها التاريخية والعلمية.
فالحفاظ على التراث لا يعني فقط ضمان بقاء الأثر، وإنما أيضًا ضمان استمرار المعرفة به، وترسيخ ارتباط الأجيال القادمة به باعتباره جزءًا أصيلًا من هويتها وحضارتها.
في ظل ضخامة المجموعات الأثرية بالمتحف المصري الكبير، ما أبرز التحديات التي تواجهكم في إدارة ملف الحفظ والترميم؟
التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بالعدد الضخم من القطع الأثرية، وإنما أيضًا بتنوعها واختلاف طبيعة المواد المصنوعة منها وحالتها، وهو ما يتطلب منظومة متكاملة للفحص العلمي والتوثيق والترميم والصيانة الوقائية، مع وضع سياسات دقيقة للتعامل مع كل قطعة وفقًا لطبيعتها وحالتها.
وفي الوقت نفسه، نحرص على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الآثار وإتاحتها للجمهور؛ فدور المتحف لا يقتصر على حفظ التراث، وإنما يمتد إلى تقديمه وتعريف الأجيال المختلفة به، ولذلك تُصمم بيئة العرض وفق معايير دقيقة للتحكم في الإضاءة ودرجات الحرارة والرطوبة وجودة الهواء، إلى جانب الصيانة الوقائية والمتابعة المستمرة لحالة القطع.
كما تمثل إدارة حركة الزوار وتوزيعهم داخل قاعات العرض جزءًا أساسيًا من منظومة الحفاظ على المقتنيات، خاصة مع الأعداد الكبيرة من الزوار، ونعتمد في ذلك على التخطيط والتنظيم والتكنولوجيا لتقديم تجربة متميزة، مع الحد من أي تأثير محتمل على الآثار.
وفي النهاية، لا نرى تعارضًا بين الحفظ والإتاحة؛ فالمعادلة التي نسعى إلى تحقيقها هي إتاحة الآثار للجمهور في بيئة تضمن الحفاظ عليها واستدامتها، بما يتيح لملايين الزوار التعرف على الحضارة المصرية والتفاعل معها، مع ضمان بقائها للأجيال القادمة.
بعد تشغيل محطة الطاقة الشمسية بالمتحف، إلى أي مدى تسهم في خفض البصمة الكربونية وتقليل استهلاك الطاقة؟
بعد تشغيل محطة الطاقة الشمسية بقدرة 206 كيلووات كمرحلة أولى، يتبنى المتحف خطة للتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، ويستهدف أن تصل مساهمتها إلى نحو 25% من إجمالي استهلاكه للطاقة.
وتتضمن خطة الاستدامة أيضًا عددًا من المشروعات والممارسات الهادفة إلى خفض البصمة الكربونية ومواجهة آثار التغيرات المناخية، من بينها زيادة المساحات الخضراء والتشجير، والاعتماد على وسائل تشغيل صديقة للبيئة، والحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، إلى جانب رفع كفاءة استهلاك المياه.
كما نعمل على استكمال المتطلبات اللازمة لإعلان المتحف متحفًا أخضر وصديقًا للبيئة خلال المرحلة التشغيلية، والسعي للحصول على الشهادات والمعايير الدولية المعتمدة في مجال المباني الخضراء والاستدامة.
منذ افتتاحه، شهد المتحف المصري الكبير إقبالًا لافتًا من المصريين والسائحين.. كيف نجحتم في إدارة الأعداد المتزايدة بما يضمن الحفاظ على الآثار؟
شهد المتحف المصري الكبير منذ افتتاحه إقبالًا لافتًا من المصريين والزائرين من مختلف دول العالم، وهو ما يعكس حجم الاهتمام العالمي بالحضارة المصرية. وننظر إلى زيادة أعداد الزائرين باعتبارها نجاحًا مهمًا، لكنها في الوقت نفسه تتطلب إدارة دقيقة تضمن الحفاظ على الآثار وتقديم تجربة زيارة متميزة.
واعتمدنا في التعامل مع هذا الإقبال على منظومة متكاملة لإدارة حركة الزائرين، تبدأ بتنظيم الحجز وتحديد مواعيد الزيارة، مرورًا بإدارة التدفقات داخل مناطق المتحف المختلفة، وصولًا إلى توزيع الزائرين بما يحد من التكدس داخل قاعات العرض. كما يساعد تصميم المتحف واتساع مسارات الحركة وتعدد الخدمات والمرافق على استيعاب أعداد كبيرة مع الحفاظ على انسيابية الحركة.
وتظل حماية الآثار في مقدمة أولوياتنا؛ لذلك نتابع الظروف البيئية داخل قاعات العرض، وننظم حركة الزائرين بالقرب من القطع، ونطبق إجراءات الصيانة الوقائية، بما يضمن إتاحتها للجمهور وفق أعلى معايير الحفاظ عليها.
أما الطاقة الاستيعابية، فننظر إليها باعتبارها عنصرًا ديناميكيًا لا يرتبط بالعدد الإجمالي للزائرين فقط، وإنما أيضًا بتوزيعهم على مدار اليوم ومختلف مناطق المتحف. ولهذا نعمل بصورة مستمرة على تحليل أعداد الزائرين وحركتهم، وتطوير آليات الحجز والدخول وإدارة التدفقات، بما يسمح بالتعامل مع الإقبال، خاصة خلال مواسم الذروة، دون التأثير على جودة التجربة أو سلامة المقتنيات.
وفي النهاية، نسعى إلى تحقيق التوازن بين إتاحة المتحف لأكبر عدد ممكن من الزائرين، والحفاظ على الآثار وفق أعلى المعايير، وتقديم تجربة ثقافية وإنسانية تليق بمكانة المتحف المصري الكبير كصرح ثقافي عالمي.
كيف نجح المتحف المصري الكبير في توظيف التكنولوجيا وأحدث أساليب العرض مع الحفاظ على أصالة الحضارة المصرية وعظمتها؟
نجح المتحف المصري الكبير في الجمع بين عظمة الحضارة المصرية وروح العصر، من خلال تقديم الآثار في إطار متحفي حديث يوظف التكنولوجيا بما يخدم قصة الأثر ويعمق فهم الزائر له، دون أن تطغى على القطعة الأصلية أو تنتقص من قيمتها.
وحرصنا منذ البداية على أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتعزيز التجربة المتحفية وليست غاية في حد ذاتها، من خلال أساليب العرض الحديثة والوسائط الرقمية والتفاعلية، وتقديم المعلومات بصورة أكثر وضوحًا وجاذبية لمختلف فئات الجمهور. فالمتحف لا يعرض الآثار كقطع منفصلة، وإنما يضعها في سياقها التاريخي والحضاري ويربط كل قطعة بالقصة التي تقف وراءها.
وانعكس ذلك على تجربة الزائر، التي لم تعد تقتصر على مشاهدة الآثار، وإنما أصبحت تجربة متكاملة تجمع بين التعلم والاكتشاف والتفاعل، وتخاطب أجيالًا مختلفة، خاصة الأجيال الجديدة التي أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من أساليب تعلمها وتفاعلها مع المعرفة.
وفي الوقت نفسه، تظل القطعة الأثرية الأصلية هي محور التجربة وقيمتها الأساسية؛ فالتكنولوجيا دورها أن تساعد الزائر على فهم الأثر بصورة أعمق، وأن تجعل الحضارة المصرية أكثر قربًا وتفاعلًا مع جمهور عالمي متنوع.
وبذلك تقوم تجربة المتحف على معادلة تجمع بين الأصالة والابتكار: نحافظ على عظمة الحضارة المصرية، ونستخدم أدوات العصر لتقديمها بصورة أكثر حضورًا وتأثيرًا في وجدان الزائر.
أصبح المتحف المصري الكبير مقصدًا رئيسيًا على خريطة السياحة في مصر.. إلى أي مدى أسهم في تطوير مفهوم السياحة الثقافية، وجذب شرائح وأسواق سياحية جديدة إلى القاهرة؟
أسهم المتحف في تطوير مفهوم السياحة الثقافية في مصر، من خلال تقديم نموذج يتجاوز الزيارة التقليدية للمتحف، ليجمع بين مشاهدة الآثار والتعرف على الحضارة المصرية والتفاعل مع التكنولوجيا والخدمات والبرامج الثقافية.
فالمتحف لا يعرض الآثار باعتبارها مقتنيات منفصلة، وإنما يقدمها في سياقها التاريخي والحضاري، ضمن تجربة تبدأ من عمارة المتحف وموقعه الفريد أمام أهرامات الجيزة، وتمتد إلى قاعات العرض وما تقدمه من محتوى وخدمات وبرامج ثقافية.
كما أسهم موقع المتحف بجوار الأهرامات في تعزيز تكامل المسار السياحي بالقاهرة، بحيث أصبح المتحف والأهرامات جزءًا من تجربة واحدة تجمع بين التراث والمعرفة والترفيه الثقافي، وساعد هذا النموذج على توسيع قاعدة الجمهور، فالمتحف لا يستهدف المتخصصين في الآثار فقط، وإنما يقدم تجربة تلائم العائلات والأطفال والشباب والباحثين والمهتمين بالتاريخ والفنون والثقافة، إلى جانب الزائر المصري.
وعلى المستوى الدولي، فإن حجم مقتنيات المتحف، وما تمثله الحضارة المصرية من اهتمام عالمي، إلى جانب طبيعة التجربة المتحفية الحديثة، يعزز قدرته على جذب شرائح وجنسيات متنوعة من الزائرين. وبذلك أصبح المتحف المصري الكبير عنصرًا رئيسيًا في منظومة السياحة الثقافية المصرية وواجهة حضارية لمصر أمام العالم.
ما نسبة الزائرين الأجانب إلى المصريين منذ افتتاح المتحف المصري الكبير؟ وما أبرز هذه الجنسيات؟
يشهد المتحف إقبالًا متنوعًا من المصريين والزائرين من مختلف دول العالم، بما يعكس المكانة العالمية التي اكتسبها منذ افتتاحه. ووفقًا لأحدث المؤشرات، يمثل الزائرون الأجانب نحو 60% من إجمالي الزائرين، مقابل 40% للمصريين، مع اختلاف هذه النسب من موسم إلى آخر وفقًا لحركة السياحة والإجازات والمناسبات المحلية.
وعلى مستوى الجنسيات، نلاحظ تنوعًا كبيرًا في خريطة الزائرين الدوليين، وهو ما نعتبره مؤشرًا مهمًا على قدرة المتحف على جذب أسواق سياحية مختلفة. ومن اللافت خلال الفترة الأخيرة تزايد إقبال الزائرين الصينيين، الذين أصبحوا شريحة مهمة من زوار المتحف الدوليين، بالتوازي مع تنامي العلاقات والتبادل الثقافي والسياحي بين مصر والصين.
ولا ننظر إلى تنوع الجنسيات باعتباره مجرد مؤشر على حجم الإقبال، وإنما فرصة لتوسيع الحضور العالمي للمتحف والتعريف بالحضارة المصرية لدى جمهور أوسع. لذلك نعمل باستمرار على تطوير تجربة الزائر والمحتوى والخدمات بما يتناسب مع تنوع الجمهور، مع الحفاظ على الطابع المصري الأصيل للمتحف.
وهدفنا في النهاية أن يظل المتحف المصري الكبير وجهة ثقافية عالمية تجمع شعوبًا وثقافات مختلفة حول الحضارة المصرية، وتقدمها للعالم بصورة معاصرة تليق بمكانتها.
يقع المتحف المصري الكبير في قلب أحد أهم المواقع الأثرية في العالم، وعلى مقربة من أهرامات الجيزة.. إلى أين وصلت جهود تطوير المنطقة وتعزيز الربط بين المتحف والأهرامات؟ ومتى تكتمل منظومة الزيارة بما يتيح للسائح تجربة سياحية وثقافية متكاملة تجمع بين المتحف والمنطقة الأثرية؟
يمثل موقع المتحف المصري الكبير بجوار أهرامات الجيزة عنصرًا أساسيًا في فلسفة المشروع، إذ يتيح تقديم الحضارة المصرية في إطار متكامل يجمع بين المتحف والموقع الأثري، وتعمل الدولة على تطوير المنطقة المحيطة بالمتحف والأهرامات، ورفع كفاءة الطرق والمحاور ووسائل الوصول والخدمات، بما يعزز الربط بين مكونات المنطقة ويحسن تجربة الزائر. كما يرتبط المتحف بصريًا بالأهرامات من خلال موقعه وتصميمه المعماري، بما يجعل الانتقال من تجربة المتحف إلى الموقع الأثري امتدادًا طبيعيًا للزيارة.
وهدفنا ألا يتعامل السائح مع المتحف والأهرامات كوجهتين منفصلتين، وإنما أن يعيش تجربة ثقافية متكاملة تجمع بينهما. ومع استكمال أعمال تطوير المنطقة وتحسين منظومة الحركة والخدمات والربط بين عناصرها، ستصبح الزيارة أكثر سهولة وسلاسة وتكاملًا.
ويمثل هذا التكامل خطوة مهمة في تطوير نموذج السياحة الثقافية في مصر، من خلال الجمع بين المتحف والموقع الأثري في مسار زيارة واحد، يعكس استمرارية الحضارة المصرية من آثارها الخالدة إلى المتحف الذي يقدمها للعالم.
استقبل المتحف المصري الكبير خلال الفترة الماضية عددًا من قادة وزعماء العالم والملوك والمشاهير.. ما أبرز ردود أفعالهم وانطباعاتهم أمام كنوز الحضارة المصرية؟
يمثل استقبال قادة وزعماء العالم والملوك والشخصيات العامة في المتحف المصري الكبير لحظات مهمة، ليس للمتحف فقط، وإنما لمصر كلها؛ لأن هؤلاء الضيوف عندما يشاهدون الآثار المصرية لا يتعاملون معها باعتبارها مجرد مقتنيات متحفية، وإنما يرون أمامهم جزءًا من تاريخ الإنسانية وحضارتها.
والانطباع الذي نلمسه بشكل متكرر هو الدهشة من براعة الفن المصري القديم، إلى جانب الإعجاب بأسلوب العرض المتحفي الذي نجح في تقديم الحضارة المصرية بصورة تجمع بين الأصالة والحداثة.
ومن أكثر ما يترك أثرًا لدى الزائرين أيضًا مشاهدة المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، التي تتيح لهم رؤية هذا العدد الكبير والمتنوع من مقتنيات الملك في مكان واحد، والتعرف بصورة أكثر شمولًا على اكتشاف مقبرته وحياته وشخصيته، وما ارتبط بها من أسرار وأسئلة تاريخية.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن نلمسه في ردود فعل هؤلاء الضيوف هو إدراكهم أن الحضارة المصرية القديمة ليست مجرد فصل في كتب التاريخ، وإنما حضارة ما زالت، بعد آلاف السنين، قادرة على إثارة الدهشة والتأثير في الإنسان المعاصر، وهذا بالنسبة لنا أحد أهم أدوار المتحف المصري الكبير: أن يجعل العالم يرى عظمة الحضارة المصرية القديمة، ليس باعتبارها جزءًا من الماضي فحسب، وإنما من خلال تجربة حية تتواصل مع الحاضر وتفتح آفاقًا جديدة للتعرف على هذه الحضارة وفهمها.
كانت من أبرز الزيارات التي استقبلها المتحف المصري الكبير مؤخرًا زيارة الرئيس الصيني وقرينته.. كيف كانت انطباعاتهما خلال الجولة؟
كانت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج وقرينته للمتحف المصري الكبير لحظة مهمة ومميزة، ليس فقط على المستوى الرسمي، وإنما على المستويين الثقافي والحضاري أيضًا. وقد لمسنا خلال الجولة اهتمامًا واضحًا بالحضارة المصرية القديمة، وبالتجربة التي يقدمها المتحف، والتي تجمع بين عظمة الآثار وروعة العرض المتحفي الحديث.
وشملت الجولة عددًا من أبرز مناطق المتحف، بدءًا من البهو العظيم، حيث التمثال الضخم للملك رمسيس الثاني، مرورًا بالدرج العظيم وإطلالة الأهرامات، وصولًا إلى قاعات كنوز الملك توت عنخ آمون، حيث شاهدا عددًا من أهم مقتنياته، وفي مقدمتها القناع الذهبي وكرسي العرش والعجلات الحربية. وكان واضحًا اهتمامهما بالتفاصيل الفنية ودقة الصناعة، التي تعكس ما بلغته الحضارة المصرية القديمة من تقدم وإبداع.
وقد عبّر الرئيس شي جينبينج عن إعجابه العميق بالحضارة المصرية وإسهامها في تاريخ الإنسانية، كما أشاد بالمتحف باعتباره صرحًا ثقافيًا عالميًا يليق بعظمة الحضارة المصرية. والأهم بالنسبة لنا أن الزيارة حملت رسالة أوسع تتعلق بالعلاقات بين الحضارتين المصرية والصينية، في ظل ما يجمع البلدين من إرث حضاري عريق وتاريخ طويل من التواصل والتفاعل بين الحضارات.
وأعتقد أن هذه الرؤية تفتح بالفعل آفاقًا واسعة للتعاون المصري الصيني في مجالات الثقافة والتراث والسياحة، سواء من خلال تعزيز التبادل الثقافي، أو تنظيم المعارض والفعاليات المشتركة، أو تبادل الخبرات في مجالات المتاحف والحفاظ على التراث، إلى جانب دعم السياحة الثقافية والتعريف بالحضارتين المصرية والصينية لدى شعبي البلدين.
والأهم أن التعاون بين مصر والصين يمكن ألا يقتصر على تبادل الخبرات، وإنما يقوم على فكرة أعمق، وهي أن الحضارات القديمة تستطيع أن تكون جسرًا للتواصل بين الشعوب. والمتحف المصري الكبير، بما يمثله من منصة عالمية للحضارة المصرية، يمكن أن يكون أحد أهم هذه الجسور، ليس فقط بين مصر والصين، وإنما بين الحضارات والثقافات المختلفة حول العالم.
عقب الزيارة نشرت السيدة انتصار السيسي، قرينة رئيس الجمهورية مجموعة من الصور من داخل المتحف ووصفت المتحف بأنه المكان الذي «تشاهد فيه المجد وتشعر بعظمة التاريخ».. كيف استقبلتم هذه الكلمات؟
استقبلنا كلمات السيدة انتصار السيسي بكل تقدير واعتزاز، لأنها تعبر بصورة صادقة عن المشاعر التي نريد أن ينقلها المتحف إلى كل من يزوره؛ وهي أن الحضارة المصرية ليست مجرد تاريخ نعرضه، وإنما مجد ممتد نعتز به، وحضارة ما زالت آثارها حاضرة ومؤثرة في وجداننا.
وعندما تصف المتحف بأنه المكان الذي «تشاهد فيه المجد وتشعر بعظمة التاريخ»، فإن هذه الكلمات تحمل بالنسبة لنا معنى كبيرًا، لأنها تلخص أحد الأهداف الأساسية للمتحف: أن يتيح للزائر تجربة تتجاوز مجرد مشاهدة القطع الأثرية، إلى الشعور بقيمة الحضارة المصرية وفهم إسهامها في تاريخ الإنسانية.
كما أن هذه الرسالة من قرينة رئيس الجمهورية تعكس حجم الاهتمام الذي يحظى به المتحف على المستوى الوطني، وتؤكد أنه أصبح جزءًا من صورة مصر الحديثة ورسالتها الثقافية أمام العالم. وهذا الاهتمام يمثل لنا دافعًا ومسؤولية في الوقت نفسه؛ فكلما زاد الاهتمام بالمتحف، زادت مسؤوليتنا في الحفاظ على مقتنياته، وتطوير تجربته، وضمان أن يظل دائمًا على المستوى الذي يليق بعظمة الحضارة المصرية.
مع توافد رؤساء الدول والشخصيات الدولية على المتحف المصري الكبير، هل أصبح المتحف أحد أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية لمصر؟
بالتأكيد، أصبح المتحف المصري الكبير أحد أهم أدوات القوة الناعمة لمصر، ليس فقط لما يضمه من آثار استثنائية، وإنما لقدرته على تقديم الحضارة المصرية إلى العالم بصورة معاصرة تليق بمكانتها التاريخية والحضارية. فعندما يستقبل المتحف رؤساء الدول والملوك والشخصيات الدولية، فإنهم لا يزورون مجرد مؤسسة ثقافية، وإنما يلتقون بجزء أساسي من هوية مصر ورسالتها الحضارية.
وأعتقد أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارات تتجاوز الجانب البروتوكولي، فهي تتيح للحضارة أن تكون نقطة التقاء وحوار بين الشعوب. وما شهدناه مؤخرًا خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج وقرينته للمتحف يمثل نموذجًا واضحًا لذلك، حيث ارتبطت الزيارة بالحديث عن عمق العلاقات بين حضارتين عريقتين، المصرية والصينية، وأهمية تعزيز التواصل والتبادل بين الشعوب.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمتحف أن يؤدي دورًا مهمًا في الدبلوماسية الثقافية، من خلال استضافة الفعاليات والمؤتمرات الدولية، وتطوير الشراكات مع المتاحف والمؤسسات الثقافية العالمية، وتشجيع المعارض والتبادلات الثقافية والعلمية، بما يفتح مجالات جديدة للتعاون تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات بين الدول. وقد شهد المتحف بالفعل تعاونًا مع مؤسسات دولية في مجالات التراث والابتكار، بما يعزز دوره كمنصة للحوار الثقافي العالمي.
أما على مستوى الترويج للسياحة المصرية، فإن حضور الشخصيات العالمية داخل المتحف يمثل فرصة كبيرة لنقل صورة حقيقية ومباشرة عن مصر إلى جمهور عالمي واسع. فالصور والتغطيات الإعلامية والرسائل التي يشاركها هؤلاء الضيوف يمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص حول العالم، وتلفت الانتباه إلى المتحف وإلى مصر باعتبارها وجهة ثقافية وسياحية عالمية.
وفي النهاية، تكمن القوة الناعمة الحقيقية للمتحف في قدرته على تحويل التراث إلى وسيلة للتواصل وبناء الجسور بين الشعوب. فالحضارة المصرية التي أبهرت العالم منذ آلاف السنين تستطيع اليوم أن تؤدي دورًا جديدًا في تعزيز الحوار بين الثقافات، وترسيخ مكانة مصر عالميًا، ودعم السياحة والثقافة في آن واحد.
إلى أي مدى يمكن أن يتحول المتحف المصري الكبير إلى منصة للحوار الثقافي بين مصر ودول العالم، وليس مجرد مقصد سياحي وأثري؟
بالتأكيد، وهذا أحد الأدوار الأساسية التي نطمح إلى أن يضطلع بها المتحف المصري الكبير، فالمتحف لا نريده أن يكون مجرد مقصد سياحي أو مؤسسة لحفظ وعرض الآثار، وإنما منصة ثقافية ومعرفية تسهم في بناء جسور الحوار والتواصل بين مصر والعالم.
الحضارة المصرية القديمة تمثل جزءًا من التراث الإنساني المشترك، وتقديمها للعالم يفتح المجال للحوار حول التاريخ والثقافة والقيم الإنسانية المشتركة. ومن هنا نسعى إلى أن يكون المتحف مساحة تلتقي فيها الحضارات والثقافات، من خلال المعارض والمؤتمرات والندوات والبرامج التعليمية والبحثية، إلى جانب الشراكات مع المتاحف والجامعات والمؤسسات الثقافية في مختلف دول العالم.
وقد بدأنا بالفعل في ترسيخ هذا الدور من خلال استضافة فعاليات دولية تجمع خبراء ومتخصصين من مصر وخارجها، بما يتيح تبادل الخبرات ومناقشة قضايا التراث والمتاحف والتنمية والاستدامة.
وأعتقد أن قوة المتحف في هذا المجال تنبع من قدرته على الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، فنحن لا نعرض حضارة انتهت، وإنما نقدم تراثًا ما زال قادرًا على إنتاج المعرفة وإثارة الحوار وإلهام الأجيال الجديدة. كما أن الشراكات الدولية التي نعمل على تطويرها، مع المؤسسات والمتاحف والجامعات في دول مختلفة، تتيح للمتحف أن يكون مساحة حقيقية لتبادل الخبرات وبناء علاقات طويلة المدى بين المؤسسات والشعوب.
هناك تعاون متنامٍ بين المتحف المصري الكبير ومؤسسات دولية في مجالات التراث والتعليم والابتكار.. ما أهمية هذا التعاون للمتحف؟
يمثل التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في بناء مؤسسة متحفية عالمية، فحجم المتحف المصري الكبير ومكانته يفرضان علينا العمل وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، وفي الوقت نفسه مشاركة الخبرة المصرية مع المؤسسات المتحفية والثقافية حول العالم.
ولا يقتصر التعاون على الدعم الفني، وإنما يشمل مجالات الحفاظ على التراث والترميم والبحث العلمي والتعليم، وتطوير تجربة الزائر، واستخدام التكنولوجيا والابتكار وبناء قدرات العاملين. ويأتي التعاون المصري الياباني مع «جايكا» (JICA) نموذجًا مهمًا للشراكات طويلة المدى، خاصة في مجالات الترميم والنقل والتوثيق وتطوير قدرات العاملين.
وفي المقابل، نؤكد أن التعاون الدولي ليس في اتجاه واحد؛ فلدينا خبرة مصرية ثرية يمكن مشاركتها، خاصة في علم المصريات وإدارة التراث والحفظ والترميم وإدارة المجموعات الأثرية. ولذلك نطمح إلى أن يصبح المتحف مركزًا إقليميًا ودوليًا لتبادل المعرفة وبناء القدرات، وأن يكون له دور مؤثر في مستقبل العمل المتحفي والثقافي عالميًا.
ما المجالات التي تحتاج فيها مصر إلى مزيد من التعاون الدولي في مجال حفظ وصيانة التراث وتطوير العمل المتحفي؟
تمتلك مصر خبرات وكفاءات وطنية كبيرة في مجالات الآثار والترميم وإدارة التراث، ولذلك فالتعاون الدولي بالنسبة لنا لا يعني البحث عن بديل لهذه الخبرات، وإنما تعزيزها وتطويرها، وإتاحة الفرصة أمامها للتواصل المستمر مع أحدث التجارب والممارسات العالمية.
ومن أبرز المجالات التي نحرص على مواصلة التعاون الدولي فيها تطوير تقنيات الحفظ والترميم، خاصة مع التنوع الكبير في طبيعة المواد الأثرية، إلى جانب التحاليل العلمية والتشخيص غير المتلف، والصيانة الوقائية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في متابعة حالة القطع الأثرية. كما يمثل البحث العلمي مجالًا مهمًا للتعاون، من خلال تبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات بحثية مشتركة بين المتخصصين المصريين ونظرائهم في المؤسسات الدولية.
ونولي كذلك أهمية لتعزيز التعاون في مجالات التحول الرقمي، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب العرض المتحفي وتجربة الزائر، وإتاحة المحتوى بصورة أكثر تفاعلية وملاءمة لمختلف فئات الجمهور.
إلى أي مدى يمكن أن يسهم المتحف المصري الكبير في تدريب وتأهيل كوادر مصرية وعربية وأفريقية، ونقل الخبرات المصرية في مجالات الترميم وإدارة المتاحف والحفاظ على التراث؟
بالتأكيد، وهذا أحد الأدوار التي نطمح إلى تعزيزها خلال المرحلة المقبلة. فالمتحف يمتلك مقومات تؤهله ليكون منصة إقليمية ودولية لبناء القدرات في مجالات الترميم والحفظ وإدارة المتاحف والبحث العلمي، وليس مجرد مؤسسة تخدم مجموعاتها الأثرية.
ويمتلك مركز الترميم خبرات متخصصة ومعامل وإمكانات علمية متقدمة تغطي مجالات متعددة، إلى جانب خبرات تراكمية اكتسبناها من سنوات التعاون والتدريب مع المؤسسات الدولية. ويأتي التعاون مع الجانب الياباني نموذجًا مهمًا، من خلال برامج التدريب في مجالات الحفظ والترميم والتوثيق والنقل والتحليل، والتي أسهمت في بناء قدرات المتخصصين المصريين.
ونتطلع في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من الاستفادة من الخبرات الدولية إلى مشاركة الخبرة المصرية أيضًا، من خلال تدريب المتخصصين والكوادر الشابة من الدول العربية والأفريقية، خاصة في مجالات الحفاظ على التراث وإدارة المجموعات والتوثيق والتحول الرقمي وإدارة المتاحف.
وقد بدأنا بالفعل في هذا الاتجاه من خلال برامج تدريبية تستقبل متخصصين من خارج مصر، ونسعى إلى تطويرها وتوسيع نطاقها، مستفيدين من إمكانات مركز الترميم وخبرات المتحف في التعلم المتحفي، بما يعزز دوره كمركز إقليمي لتبادل المعرفة وبناء القدرات.
إدارة متحف بهذا الحجم والمكانة تمثل تحديًا كبيرًا.. ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال مرحلة التشغيل؟ وما أولوياتكم خلال السنوات الخمس المقبلة؟
إدارة متحف بحجم ورمزية المتحف المصري الكبير تمثل مسؤولية استثنائية، خاصة أن التحدي لم يكن في إنشائه فقط، وإنما في الانتقال إلى التشغيل الكامل وتقديم تجربة تليق بمكانته العالمية.
ومن أبرز التحديات إدارة الأعداد الكبيرة من الزوار وتنظيم حركة التدفقات، مع الحفاظ على سلامة القطع وجودة الزيارة. وقد دفعنا الإقبال الكبير منذ الأسابيع الأولى إلى تطوير الحجز المسبق والتوقيتات المحددة، ومتابعة الكثافات بصورة مستمرة، لتحقيق التوازن بين إتاحة المتحف لأكبر عدد من الزوار والحفاظ على المقتنيات. كما يمثل تشغيل هذا الصرح وفق المعايير الدولية تحديًا متكاملًا يشمل الخدمات والتكنولوجيا والاستدامة والحفظ والترميم والأمن والسلامة والتسويق.
وخلال السنوات الخمس المقبلة، نركز على ترسيخ مكانة المتحف بين أهم المؤسسات الثقافية العالمية، واستعادة مصر لدورها الريادي في علم المصريات والآثار، من خلال تطوير تجربة الزائر، وتوظيف التكنولوجيا والبيانات، وتعزيز الحفظ والترميم والبحث العلمي والتدريب وبناء القدرات، إلى جانب التوسع في الاستدامة والحوكمة.
كما سنواصل تعزيز التعاون مع المتاحف والمؤسسات الدولية، واستضافة الفعاليات العلمية والثقافية، بما يدعم تحول المتحف إلى منصة عالمية للمعرفة والحوار الثقافي.
وهدفنا في النهاية أن يصبح المتحف مؤسسة ثقافية مستدامة ذات تأثير عالمي، تحافظ على التراث المصري وتقدمه للأجيال الجديدة بلغة معاصرة، وتدعم البحث العلمي والسياحة الثقافية، وتعزز مكانة مصر عالميًا.
المتحف المصري الكبير لا يقتصر دوره على عرض الآثار، وإنما يقدم مجموعة متنوعة من الفعاليات والبرامج الثقافية والفنية والتعليمية.. كيف تعملون على تحويل المتحف إلى مساحة مفتوحة للحوار والإبداع والتفاعل مع المجتمع؟
المتحف المصري الكبير لا يقتصر دوره على عرض الآثار، وإنما يعمل كمنصة للحوار والثقافة والتفاعل مع المجتمع، من خلال فعاليات وبرامج تخاطب مختلف فئات الجمهور، وتتجاوز الزيارة التقليدية.
وتأتي سلسلة «GEM Talks» في مقدمة هذه الفعاليات، حيث يستضيف المتحف شخصيات من مجالات الثقافة والفن والتصميم لمناقشة موضوعات تربط بين التراث والإبداع والحاضر والمستقبل. كما يستضيف معارض فنية وثقافية، من بينها «Artoday»، إلى جانب «GEM Family Weekend» الذي يقدم أنشطة وتجارب للعائلات والأطفال، بما يعزز ارتباطهم بالمتحف ومحتواه الثقافي.
ويمتد هذا الدور إلى الابتكار من خلال «GEM Hackathon»، الذي يتيح لطلاب الجامعات والشباب تقديم حلول وأفكار تكنولوجية لتحديات واقعية داخل المتحف، خاصة في مجالات تجربة الزائر والتفاعل مع التراث والمحتوى الثقافي، ويفتح المجال للتعاون بين المتحف والجامعات والخبراء.
كما يستضيف المتحف حفلات وفعاليات موسيقية، من بينها الحفلات الكلاسيكية، بما يضيف بُعدًا فنيًا إلى تجربة الزائر ويؤكد قدرة المتحف على الجمع بين التراث والفنون.
وتتكامل هذه الفعاليات ضمن رؤية واحدة تهدف إلى تقديم مساحة يلتقي فيها الجمهور بالتراث والفن والثقافة والمعرفة والابتكار. فنحن نريد أن تتجاوز تجربة المتحف مجرد مشاهدة القطع الأثرية، لتشمل الحوار والتعلم والفن والابتكار والتفاعل مع المجتمع، بما يعزز ارتباط الجمهور بالمتحف ويشجعهم على العودة والمشاركة.