الإخوان الإرهابية «لف وارجع تاني».. الموساد يحدد أجندة التنظيم وخطة هجوم المنصات الإخوانية على الدولة المصرية

السبت، 12 سبتمبر 2026 07:14 م
الإخوان الإرهابية «لف وارجع تاني».. الموساد يحدد أجندة التنظيم وخطة هجوم المنصات الإخوانية على الدولة المصرية
محمد الشرقاوي

عبد الرحمن أبو دية "وسيط الأموال" بين الجماعة وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي..

التنظيم الدولى يستعين بخطة بديلة للهروب من العقوبات الأوروبية بواجهات مدنية مستعدة للتحالف بمقابل

«التكنوقراط» و«ميدان» و«حكومة الإنقاذ».. ثلاث واجهات في مسار واحد لإخفاء الارتباط بالتنظيم وإعادة تدوير مشروعه السياسي

 

من تحت ركام التنظيم القديم، تتحرك جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج وسط ضغوط قانونية وأمنية متزايدة، بالتوازي مع محاولات لإعادة توزيع نشاطها بين واجهات مدنية ومنصات إعلامية وتحالفات سياسية وشبكات مالية لا تحمل بالضرورة اسم التنظيم.

ويكشف هذا المسار عن محاولة للالتفاف على القيود، وإعادة تقديم النشاط الإخواني عبر عناوين وكيانات مختلفة، بما يفرض البحث في حقيقة هذه الواجهات، وحدود استقلالها، والجهات التي تقف وراءها، وكيف تتصل هذه التحركات بشبكات التمويل والإعلام والنشاط السياسي في الخارج.

وتبرز في المشهد مؤتمرات وكيانات تقدم نفسها بصفات مدنية أو تكنوقراطية، إلى جانب تحركات تسعى إلى جمع أطراف وشخصيات من خلفيات مختلفة تحت مظلة سياسية واحدة، ولا تتوقف المسألة عند حدود النشاط الخارجي، وإنما تمتد إلى طرح أطر تتحدث عن بديل سياسي من الخارج، بما في ذلك محاولات تشكيل ما يسمى بـ«حكومة إنقاذ»، واستقطاب شخصيات يمكن توظيفها لمنح هذه التحركات غطاءً مدنياً.

ويحتل المال موقعاً أساسياً في تحركات الإخوان بالخارج، من تمويل المنصات والمؤتمرات إلى الشركات والاستثمارات التي توفر موارد مستمرة للنشاط، بينما يعمل الإعلام كذراع للهجوم والتحريض وتوجيه الرسائل واستغلال الأزمات لضرب الدولة المصرية ومهاجمة مواقف عربية لا تنسجم مع خطاب الجماعة، والأخطر ارتباط شبكات تمويل ومنصات إخوانية بأطراف مرتبطة بإسرائيل وجهاز «الموساد»، مع حديث عن تمويل مباشر لهذه المنصات، بما يضع أمامنا سؤالاً أكثر صراحة: هل تحولت بعض أدوات الجماعة إلى قنوات تخدم أجندات إسرائيلية وتعمل ضد المصالح المصرية والعربية؟

وفي المقابل، تفرض الملاحقات والرقابة الأوروبية واقعاً ضاغطاً على الكيانات المرتبطة بالتنظيم، مع استمرار التحركات عبر مسميات وأطر بديلة. وبين الواجهات المدنية، والتمويل، والإعلام، والاتهامات المتعلقة بالارتباطات الإسرائيلية، والتحركات السياسية في الخارج، يفرض المشهد سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام كيانات مستقلة بالفعل، أم محاولة لإعادة تقديم النشاط الإخواني تحت أسماء جديدة، مع الإبقاء على شبكة الأدوار والارتباطات والأهداف؟

 

الواجهات البديلة وإعادة تدوير النشاط

تتحرك جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج عبر واجهات جديدة ومسميات بديلة، في محاولة لإبعاد النشاط عن اسم الجماعة الصريح وإعادة تقديمه داخل أطر تحمل عناوين مدنية وسياسية وتكنوقراطية، ومع تصاعد الضغوط على الكيانات المرتبطة بالتنظيم، تظهر مؤتمرات وتجمعات وكيانات جديدة لا ترفع لافتة الإخوان، لكنها تضم شخصيات وتحركات ترتبط بدوائر الجماعة، بما يجعل تغيير الاسم جزءاً من محاولة الالتفاف على القيود المفروضة على نشاطها.

وتبرز في هذا السياق مسميات مثل «حزب أمل» و«التكنوقراط»، مع التحرك لعقد مؤتمر في هولندا، في وقت شهدت فيه البلاد نقاشات بشأن حظر أنشطة مرتبطة بتنظيم الإخوان، واختيار هذه العناوين لا يأتي بعيداً عن الضغوط المحيطة بالتنظيم، وإنما يعكس محاولة لإخراج النشاط من صورته الإخوانية المباشرة، والدفع به إلى مساحة سياسية ومدنية أقل وضوحاً من الناحية التنظيمية.

ولا تتوقف المسألة عند تبديل اللافتات؛ إذ تتحرك هذه الكيانات داخل دوائر تتقاطع فيها الشخصيات والأدوار، فقد بدأت اجتماعات مجموعة «التكنوقراط» افتراضياً في مارس 2025 برئاسة القيادي الإخواني محمود وهبة، قبل انتقالها إلى اجتماعات على الأرض، ثم دخول قيادات إخوانية إلى المشهد في أغسطس من العام نفسه، من بينهم يحيى موسى ومحمد منتصر ومحمد طلعت، مسؤول حركة «ميدان»، ووجود هذه الأسماء داخل مسار يقدم نفسه في الأساس باعتباره إطاراً سياسياً أو مدنياً، يكشف الفجوة بين الواجهة المعلنة والتركيبة التي تتحرك خلفها.

وتزداد الصورة وضوحاً مع اتجاه الجماعة إلى تأسيس كيان أوروبي جديد لا يحمل أي إشارة مباشرة إلى اسم الإخوان، بالتوازي مع التقارب مع الأحزاب الاشتراكية واليسارية وحركات «الخضر» في فرنسا ودول أوروبية أخرى، والهدف المطروح هنا هو تجاوز القيود والملاحقات من خلال كيان لا يظهر بهوية إخوانية معلنة، مع الاستفادة من العلاقات السياسية والمدنية لتوفير مساحة جديدة للتحرك.

ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة توزيع النشاط بين أكثر من واجهة، بحيث لا تصبح هوية التنظيم هي العنوان الأول لكل تحرك، فالكيان يتغير، والاسم يتبدل، لكن العناصر المرتبطة بالتنظيم يمكن أن تنتقل من إطار إلى آخر، وهو ما يجعل تتبع الأشخاص المشاركين وروابطهم وتحركاتهم أكثر أهمية من الاكتفاء بقراءة الاسم الذي يظهر على المؤتمر أو الكيان.

وتستخدم الجماعة كذلك إعادة صياغة الخطاب كجزء من هذا التحرك. فالمادة تشير إلى اعتماد «التمويه وتغيير الخطاب» عند مخاطبة الشعب المصري أو الدولة، بما يستهدف إخفاء التوجهات الراديكالية وتقديم خطاب مختلف بحسب الجهة التي يجري التعامل معها، وبهذا تتحول الواجهة من مجرد اسم جديد إلى منظومة متكاملة تقوم على تغيير الشكل والخطاب معاً.

وفي السياق نفسه، يصبح التقارب مع تيارات سياسية ومدنية خارج الإطار الإخواني المباشر جزءاً من محاولة فتح مساحات جديدة للحركة، فالاقتراب من أحزاب وتيارات مختلفة يمنح هذه الكيانات قدرة على الظهور داخل مشهد أوسع من البنية التنظيمية التقليدية، ويجعل كشف الروابط الفعلية بينها وبين الإخوان مسألة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المتابع العادي.

المشكلة أن الواجهة المدنية يمكن أن تخفي خلفها شبكة من العلاقات التنظيمية والسياسية والمالية، ولذلك فإن السؤال لا يتوقف عند اسم الكيان أو طبيعة شعاره، وإنما يمتد إلى الأشخاص الذين يديرونه، والدوائر التي تجمعهم، والجهات التي توفر له الموارد، والدور الذي يؤديه في تحركات الجماعة خارج مصر.

ومن هنا تبدو إعادة تدوير المسميات جزءاً من مشهد أوسع: مؤتمرات جديدة، كيانات بلا اسم الإخوان، شخصيات تنتقل بين أكثر من إطار، وخطاب يعاد صياغته بحسب الجمهور المستهدف، ومع كل واجهة جديدة، تتقدم إلى الواجهة قضية أخرى لا تقل أهمية عن الاسم نفسه: من أين تأتي الأموال التي تمول هذه الكيانات، ومن يدفع تكلفة المؤتمرات والمنصات والتحركات التي يجري تقديمها تحت هذه العناوين؟

من أين تأتي الأموال التي تحرك الإخوان في الخارج؟

إذا كانت الواجهات الجديدة هي ستار النشاط الإخواني في الخارج، فإن المال هو الوقود الذي يقف خلف هذا الستار، فها هي مؤتمرات تُعقد، ومنصات تعمل يومياً، ومذيعون يتقاضون رواتب، وكيانات تتحرك، واستثمارات وشركات تدور في أكثر من دولة؛ كل ذلك يفرض السؤال الأهم في هذا الملف: من أين تأتي الأموال التي تغذي هذه الشبكة، ومن يملك قرار توجيهها، وإلى أي جيوب ومشروعات تنتهي؟

ويأتي الإعلام على رأس دوائر الإنفاق الإخواني، فوفق تقارير تعمل قنوات مثل «مكملين» و«الحوار» وموقع «عربي 21» بميزانيات تتجاوز مليوناً و600 ألف دولار شهرياً، إلى جانب الرواتب وتكاليف التشغيل والبرامج، وهي شبكة يمولها عبد الرحمن أبو دية المالك الفعلي لهذه القنوات.

ولا يرتبط رقم بهذا الحجم بمنصات تؤدي وظيفة إعلامية عادية؛ وإنما يكشف عن ماكينة إنفاق تحتاج إلى موارد ثابتة حتى تظل على الهواء وتنتج المحتوى وتشن الحملات وتدير خطابها السياسي، وهنا تتضح العلاقة بين المال والإعلام: التمويل لا يشتري شاشة فقط، وإنما يشتري قدرة على الحضور، وتكرار الرسالة، وتحريك حملات، واستهداف خصوم محددين في اللحظة التي تخدم فيها الحملة الهدف السياسي المطلوب.

التمويل لا يتوقف عند الإعلام، فهناك شبكة من الاستثمارات والشركات تمتد إلى أمريكا اللاتينية والبرازيل والبوسنة والهرسك، إلى جانب مشروعات زراعية واستثمارية في دول إفريقية من نيجيريا إلى جنوب إفريقيا، وجميعها تعتبر أذرعاً اقتصادية للحفاظ على الموارد وتمويل التحركات والأنشطة المرتبطة بالجماعة خارج مصر.

وتتوزع هذه الأموال بين شركات ومشروعات واستثمارات في دول مختلفة، بما يفتح مسارات متعددة لتحريك الموارد بعيداً عن اسم التنظيم وهياكله المباشرة. وتمثل معرفة أصحاب هذه الشركات والمستفيدين من الأموال ومسارات انتقالها مفتاحاً لكشف الشبكة المالية التي تقف خلف الواجهات السياسية والإعلامية.

وتتهم جماعة الإخوان الإرهابية بالاستيلاء على 75% من أموال التبرعات المخصصة لقطاع غزة، بقيمة تصل إلى مليار و800 مليون دولار، وتحويلها إلى حسابات واستثمارات خاصة بدلاً من توجيهها بالكامل إلى أعمال الإغاثة، وهو ما فجر خلافات حادة بين التنظيم وقيادات حركة حماس.

وتجعل هذه الاتهامات، بحجمها وخطورتها، ملف التبرعات أحد أهم المسارات التي يجب تفكيكها: من جمع الأموال؟ من تسلمها؟ أين ذهبت؟ ومن استفاد منها؟ فحين تتحول التبرعات التي تُجمع تحت لافتة إنسانية إلى محور اتهامات بالاستثمار والتحويل إلى شركات وحسابات، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف مالي، وإنما تصبح اختباراً حقيقياً لشفافية الشبكات التي تتحدث باسم العمل الإنساني.

ويمتد المال كذلك إلى التحركات السياسية، فاجتماعات المعارضة التي بدأت عبر تطبيق «زووم» انتقلت إلى اجتماعات على الأرض بفضل وجود تمويل مالي ضخم، وذلك ضمن محاولات إخوانية لتوحيد مجموعات متعددة وبناء أطر سياسية في الخارج، وهذا يعني أن التمويل لا يقف عند حدود تشغيل المنصات، وإنما يدخل مباشرة في صناعة النشاط السياسي نفسه: من تنظيم الاجتماعات إلى المؤتمرات، ومن استقطاب الشخصيات إلى بناء الكيانات والواجهات.

فالمال هنا لا يتحرك بعيداً عن السياسة، بل يفتح لها الطريق: يمول الواجهة، ويشغل المنصة، ويدفع نحو المؤتمر، ويساعد على إنشاء الكيان وتحريك الشخصيات والرسائل، ولذلك فإن تتبع الحسابات والشركات والاستثمارات والجهات الممولة لا يقل أهمية عن تتبع أسماء المؤتمرات والكيانات، لأن الخيط المالي هو أحد أكثر المسارات قدرة على كشف ما تحاول اللافتات الجديدة إخفاءه.

وحين تتوافر الأموال، يصبح الانتقال من التمويل إلى التأثير مسألة أدوات. هنا يدخل الإعلام الإخواني إلى المشهد باعتباره الذراع التي تتولى تحويل الأموال إلى محتوى ورسائل وحملات، وتوجيهها إلى الجمهور والخصوم، واستثمار الأزمات في معارك سياسية وإعلامية مفتوحة، ومن خلف المنصات والشاشات تبدأ حلقة أخرى من النشاط: صناعة الرواية الإخوانية ومحاولة فرضها على الرأي العام.

ماكينة تحريض وتضليل تعمل من الخارج

من وراء الشاشات، تتحول المنصات الإخوانية إلى ساحة مفتوحة لتشويه الدولة المصرية، وتزييف الوقائع، وإعادة تدوير الشائعات، وصناعة حملات تستهدف ضرب الثقة في مؤسسات الدولة وإرباك الرأي العام، فالمعركة الإعلامية التي تخوضها الجماعة من الخارج لا تقوم على نقل الوقائع بقدر ما تقوم على انتقاء ما يخدم خطابها، وتضخيمه، وإعادة إنتاجه على مدار الساعة حتى يطغى على الحقيقة.

وتظهر إحدى أبرز أدوات هذه المنظومة في ما يسمى بـ«التسريبات» والصور التي يجري تقديمها باعتبارها أدلة على تحركات أو علاقات سرية، وهو ما كشفت عنه وقائع عدة حيث تم نشر صور مفبركة وأخرى جرى إخراجها من سياقها، ثم تقديمها للجمهور باعتبارها مستندات تكشف ما وراء المشهد السياسي.

والصورة هنا لا تحتاج إلى حقيقة كاملة بقدر ما تحتاج إلى قصة مثيرة، بقدر ما تحتاج إلى لقطة عادية يمكن تحويلها إلى «دليل»، وصورة مفبركة يمكن تقديمها باعتبارها «تسريباً»، وادعاء بلا مصدر يمكن دفعه إلى مقدمة النقاش بمجرد تكراره عبر أكثر من منصة، وبهذه الطريقة يجري استغلال سرعة انتشار المحتوى الرقمي لإرباك الجمهور قبل أن يبدأ التحقق من أصل المادة أو مضمونها.

ولا تتوقف ماكينة التضليل عند اختلاق الصور، وإنما تعتمد كذلك على اجتزاء الوقائع وإعادة تركيبها بما يخدم الرسالة المطلوبة، فالمشاهد الاجتماعية العادية لشخصيات عامة يجري تقديمها باعتبارها لقاءات سياسية، ومعلومات مبتورة يعاد ترتيبها لإنتاج رواية اتهام، ثم تتحول الرواية إلى مادة للهجوم والتشهير، وتصبح كثافة النشر وتكرار الرسالة بديلاً عن الدليل.

وتتحول هذه الأدوات إلى أكثر خطورة عندما تدخل الأزمات الإقليمية على خط الدعاية،  وتأتي حرب غزة في مقدمة هذه الملفات، بعدما استُخدمت معاناة المدنيين في حملات إعلامية تستهدف الدولة المصرية وتضغط عليها سياسياً، حيث تبنت المنصات الإخوانية شعار «افتحوا المعبر» خلال الحرب، ضمن حملة ضغط على مصر وربطت ذلك بمحاولات دفع القاهرة إلى ترتيبات تخدم مخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

وبهذه الطريقة يجري توظيف الغضب الشعبي الناتج عن مشاهد الحرب والدمار لصناعة خصم سياسي محدد، وتحويل المشهد الإنساني إلى أداة صدام مع الدولة المصرية، فالقضية الفلسطينية تُستخدم كمدخل للهجوم، والمأساة الإنسانية تتحول إلى مادة تعبئة، ثم يُدفع الجمهور إلى التعامل مع الرواية التي تصنعها المنصات باعتبارها التفسير الوحيد لما يجري.

ولا تتوقف الحملات عند الدولة المصرية، إذ تمتد إلى قيادات عربية تتخذ مواقف لا تتوافق مع خطاب الجماعة، فمنها حملات استهدفت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، ومحاولة ضرب العلاقات العربية، وهنا يتحول الإعلام إلى أداة لمعاقبة المواقف السياسية المخالفة وتشويه أصحابها، بدلاً من مناقشة مواقفهم وأسبابها.

واللافت أن تعدد المنصات لا يعني تعدد الروايات؛ فالمحتوى ذاته يعاد تدويره بطرق مختلفة، والرسالة نفسها تنتقل من قناة إلى أخرى ومن منصة إلى أخرى، حتى يتحول التكرار إلى وسيلة لتثبيت الانطباع، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات الادعاء بقدر ما يحتاج إلى إغراق الجمهور به، ودفعه إلى سماعه مرة بعد أخرى حتى يصبح مألوفاً، ثم بناء مواقف عليه.

وتعد هذه واحدة من أخطر وظائف الإعلام الإخواني: "تحويل الشائعة إلى قضية، والقضية إلى حملة، والحملة إلى ضغط سياسي"، حيث تبدأ العملية بمعلومة غير موثقة أو صورة مجتزأة، ثم تتوسع عبر المنصات، وتدخل إلى مواقع التواصل، وتتحول إلى مادة للنقاش العام، قبل أن تستخدم في الهجوم على الدولة أو الشخصيات المستهدفة.

ويضاف إلى ذلك استخدام لغة التحريض ورفع منسوب الغضب بصورة مستمرة، بما يجعل الجمهور أمام حالة تعبئة دائمة، فكل أزمة تصبح فرصة للهجوم، وكل خلاف سياسي يتحول إلى معركة، وكل موقف رسمي يمكن إعادة تقديمه على أنه مؤامرة أو خيانة أو تواطؤ، وبهذه الآلية لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، وإنما يصبح طرفاً في صناعة الحدث نفسه.

وعندما يجري جمع الفبركة والاجتزاء والتكرار واستغلال الأزمات في منظومة واحدة، يصبح الهدف أبعد من نشر رواية بديلة؛ إنه "إرباك مساحة الحقيقة نفسها"، بحيث يصبح الجمهور أمام سيل من الادعاءات والصور والتفسيرات المتضاربة، ويصبح الحسم لصالح الرواية الأكثر انتشاراً لا الرواية الأكثر صدقاً.

ومن هنا تنتقل وظيفة هذه المنصات من صناعة المحتوى إلى خدمة تحركات أوسع في الخارج؛ فالإعلام يهيئ المناخ، يصنع الخصم، يحشد الجمهور، ويمنح الواجهات السياسية مساحة للظهور، بينما تتحول الرسائل التي تنتجها الشاشات إلى أدوات ضغط تستخدم خارجها. ومع اتساع دائرة التعبئة، ينتقل النشاط من "المعركة الإعلامية إلى محاولة ترجمة هذا الخطاب في تحركات سياسية ومؤتمرات وأطر تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها بديلاً من الخارج".

الإخوان والموساد.. التقاء في الأهداف

في واحدة من أخطر الروايات الواردة حول نشاط جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج، تتحدث اتهامات عن صلات بين شبكات مالية وإعلامية مرتبطة بالجماعة وأطراف على صلة بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد»، بما يفتح ملفاً شديد الحساسية حول طبيعة العلاقات التي تحيط ببعض المنصات والجهات الممولة للنشاط الإخواني خارج مصر.

ويلعب رجل الأعمال عبد الرحمن أبو دية دوراً محورياً في تمويل عدد من المنصات الإخوانية، في إطار من التنسيق والتعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، فوفق تقارير هناك مجموعة لقاءات عقدها في لندن والولايات المتحدة مع رجال أعمال إيرانيين ويهود مرتبطين بـ«الموساد»، بدأت معها مرحلة جديدة من التمويل المباشر لتلك المنصات بهدف استهداف استقرار دول المنطقة.

وتزداد خطورة هذه الاتهامات عندما تتقاطع مع مضمون الخطاب الذي تقدمه المنصات الإخوانية خلال الأزمات الإقليمية، خصوصاً حرب غزة، فمنصات عبدالرحمن أبو دية تبنت خطابًا يدفع القاهرة نحو القبول بمخطط التهجير للفلسطينيين، وتبنت حملة "افتحوا المعبر" للضغط على القاهرة، وهو خطاب تشابه مع مواقف إسرائيلية بشأن مستقبل قطاع غزة والمنطقة.

ولا تتوقف المسألة عند مصر، فالحملات التي تطلقها المنصات الإخوانية تنال من قيادات عربية أعلنت رفضها للتطبيع مع إسرائيل قبل إقامة الدولة الفلسطينية، وجميعها مخططات تنقل العلاقة من مجرد تقاطع في الخطاب إلى مستوى أخطر يتعلق بالتمويل والتوجيه وتوظيف المنصات في خدمة أهداف الموساد الإسرائيلي، بما يطرح تساؤلات في حاجة إلى إجابة: هل يقف الموساد وراء تمويل المنصات الإخوانية؟ وهل يحدد رسائلها؟ وهل هناك مصالح وأطراف تدفع باتجاه توجيه خطاب الجماعة لخدمة الأجندات الإسرائيلية؟

حكومة الإنقاذ وصناعة بديل سياسي من الخارج

لم تتوقف تحركات جماعة الإخوان الإرهابية عند الواجهات والكيانات البديلة، وإنما امتدت إلى محاولة تشكيل ما يسمى بـ«حكومة إنقاذ» في الخارج، عبر تجميع مجموعات وشخصيات مختلفة داخل إطار سياسي واحد، وطرحها باعتبارها بديلاً يمكن تقديمه من خارج مصر.

وبدأت التحركات في 5 مارس 2025 بسلسلة اجتماعات عبر تطبيق «زووم» برئاسة محمود وهبة ممثل مجموعة «التكنوقراط»، واستمرت لنحو عشرة اجتماعات حتى يوليو، قبل انتقالها إلى اجتماعات على الأرض، وتخلل هذه الاجتماعات تدخل إحدى الدول العربية في محاولة لتوجيه وتوظيف هذه المجموعات، ثم انضمت إليها في 27 أغسطس 2025 قيادات إخوانية، من بينها يحيى موسى ومحمد منتصر ومحمد طلعت مسؤول حركة «ميدان»

ومع انتقال التحرك إلى هذه المرحلة، ظهر مشروع «حكومة الإنقاذ»، ليأخذ النشاط من مجرد اجتماعات واتصالات إلى محاولة تشكيل كيان سياسي، ولإبعاد الإخوان عن رأس المشروع، جرى البحث عن شخصية من خارج الجماعة، فتواصل محمود وهبة مع أيمن نور وعرض عليه رئاسة الحكومة المزمع تشكيلها، ورفض أيمن نور العرض وسخر من الفكرة، مؤكداً أنه سيعمل في إعداد القهوة والشاي إذا تمكنت هذه المجموعات من تأسيس حكومتها والوصول إلى الحكم، رافضاً بذلك لعب دور الواجهة المدنية للمشروع.

وتكشف محاولة استقطاب شخصية من خارج الجماعة عن سعي لوضع اسم مدني في مقدمة مشروع تقف خلفه مجموعات مرتبطة بالإخوان، بما يمنحه غطاءً سياسياً بعيداً عن الاسم التنظيمي المباشر.

وفي الوقت نفسه، كانت ترتيبات أخرى تجري داخل التنظيم، ففي مارس 2025، أبرم يحيى موسى اتفاقاً مع القائم بأعمال مرشد الإخوان صلاح عبد الحق للتحرك في مسار يبدو منفصلاً ظاهرياً عن الجماعة لإبعاد الشبهات، وتضمن الاتفاق تدريب كوادر شابة على ترسيخ مفهوم «الجهاد كفريضة»، إلى جانب استخدام «التمويه وتغيير الخطاب» عند مخاطبة الشعب المصري أو الدولة لإخفاء التوجهات الراديكالية للجماعة.

وامتد هذا الإعداد إلى إقامة سبعة معسكرات تدريبية مكثفة في ضواحي إسطنبول بين مارس وأواخر يونيو 2025، بمشاركة شباب من دول مختلفة.

 

وفي أوروبا، وضعت الاستخبارات الفرنسية 22 اسماً من قيادات الجماعة على قوائم التتبع والبحث المالي، في مقدمتهم عبد الله منصور، بالتزامن مع قرارات حظر أنشطة كيانات مرتبطة بالإخوان في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية.

ومع تصاعد الملاحقات، اتجه التنظيم إلى تأسيس كيان أوروبي جديد لا يحمل اسم الإخوان، بالتوازي مع التقارب مع الأحزاب الاشتراكية واليسارية وحركات «الخضر» في فرنسا ودول أوروبية أخرى، في محاولة لتجاوز القيود والاستفادة من العلاقات السياسية والمدنية في توفير غطاء للتحرك.

وتضع الاستراتيجية الممتدة لعشرين عاماً هذه التحركات داخل تصور واحد؛ خمس سنوات تحت عنوان «التوافق»، تليها عشر سنوات من التعاون مع القوى المدنية والذوبان داخلها، ثم مرحلة الانخراط السياسي الكامل ومحاولة الولوج إلى الداخل المصري.

وبهذا التصور، يصبح تغيير الخطاب، والعمل عبر كيانات لا تحمل اسم الجماعة، وإعداد الكوادر، والتحرك السياسي من الخارج، أجزاء مترابطة في مسار واحد يستهدف الحفاظ على النشاط التنظيمي وإعادة طرحه سياسياً على مراحل.

وتتضح خطورة هذا المسار في أن الجماعة لا تعتمد فقط على الظهور باسمها المباشر، وإنما تتحرك عبر أشخاص وكيانات وخطابات مختلفة، بينما يبقى الهدف هو الحفاظ على شبكة التنظيم وإعادة تقديمها داخل مساحات سياسية ومدنية جديدة، ومن هنا تصبح مواجهة هذا النشاط مرتبطة بكشف ما وراء الواجهات، وتتبع العلاقات والتمويل، ومراقبة الكيانات التي تتحرك بعيداً عن اسم الإخوان، وعدم السماح بتحويل هذه المسميات إلى غطاء يعيد الجماعة إلى المشهد من الباب الخلفي.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة