العلمين منصة دولية للصناعات الجوية
السبت، 12 سبتمبر 2026 09:00 م
«EIAS 2026» يفرض نفسه بقوة على خريطة صناعة وتكنولوجيا الطيران والفضاء
ظهور خاص للمسيرة الانتحارية «FL750» والاعتراضية «R&D».. ومنظومة اكتشاف ومجابهة الطائرات المسيرة «حارس 2»
250 جهة عارضة من 50 دولة و130 طائرة وصفقات وشراكات في التدريب والفضاء والاستدامة
رسخت النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء «EIAS 2026» حضور مصر على خريطة صناعة الطيران والفضاء العالمية، بعدما جمعت فعالياته التي أقيمت خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر بمطار العلمين الدولي، أكثر من 250 جهة عارضة من نحو 50 دولة، إلى جانب وفود رسمية واسعة ومشاركة جوية ضخمة ضمت نحو 130 طائرة، فضلًا عن عروض جوية ومؤتمرات وندوات متخصصة ولقاءات بين كبرى الشركات والمؤسسات العاملة في قطاعات الطيران والدفاع والفضاء، ولم يقتصر الحدث على الطائرات التي ملأت سماء العلمين، وإنما تحول إلى منصة متكاملة للصناعة والتكنولوجيا والاستثمار، جمعت بين القدرات العسكرية والطيران المدني وتكنولوجيا الفضاء والتدريب والاستدامة.
وقدمت مصر من خلال المعرض نموذجًا لحدث دولي تجاوز فكرة استعراض أحدث الطائرات والمقاتلات، إلى مناقشة مستقبل الصناعة نفسها، بما شمل التصنيع ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير والتدريب والتحول الرقمي والبيئة، وجاءت النسخة الثانية بحضور رئاسي ودولي بارز، ومشاركة مؤسسات وشركات من مختلف أنحاء العالم، لتؤكد أن العلمين لم تعد مجرد مدينة تستضيف حدثًا دوليًا، وإنما أصبحت نقطة التقاء بين صناع القرار والمصنعين والمشغلين والخبراء في قطاعين يرتبط مستقبلهما بصورة مباشرة بالتكنولوجيا المتقدمة.
والثلاثاء الماضى، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، فعاليات النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء بمطار العلمين الدولي، بحضور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، في مشهد عكس المكانة المتنامية للحدث على خريطة المعارض الدولية المتخصصة، وكان في استقبال الرئيس السيسي والرئيس القبرصي، الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق أول أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، والفريق طيار عمرو صقر، قائد القوات الجوية.
وشهدت مراسم الافتتاح التقاط صورة تذكارية مع كبار الحضور، أعقبها عرض فيلم تسجيلي حول المعرض وأهدافه ومشاركاته، ثم جولة داخل أجنحته، تضمنت الاطلاع على منتجات ومشروعات المؤسسات والشركات المشاركة، والاستماع إلى شرح حول إمكانات الهيئة العربية للتصنيع وما قدمته من منتجات وحلول صناعية وتكنولوجية.
وانتقل الرئيسان إلى منطقة العرض المكشوف لمتابعة العروض الجوية التي قدمتها القوات الجوية المصرية وعدد من فرق الاستعراض الدولية، في مشهد جمع مدارس مختلفة في فنون الطيران والاستعراض الجوي، واختتمت القوات الجوية المصرية فعاليات العرض بمناورة جوية عكست مستوى التدريب والانضباط والاحترافية في تنفيذ المهام الجوية.
القوات المسلحة.. ركيزة رئيسية في تنظيم الحدث
برزت القوات المسلحة باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية في تنظيم واستضافة المعرض، بالتنسيق مع وزارة الطيران المدني ووكالة الفضاء المصرية ومصر للطيران والجهات الوطنية والشركات المشاركة. وأكدت الجهات المنظمة منذ التحضير للنسخة الثانية أن وزارة الدفاع والقوات الجوية المصرية كانتا ضمن الجهات المصرية الرئيسية القائمة على تنظيم الحدث، إلى جانب الجهات المدنية المعنية بالطيران والفضاء.
وامتد هذا الدور إلى الإعداد للفعاليات وإدارة الجانب الجوي والمشاركة الفاعلة للقوات الجوية، فضلًا عن إتاحة مساحة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية لعرض إمكاناتها أمام الوفود والخبراء والشركات الدولية. كما ارتبط تنظيم المعرض برؤية أوسع هدفت إلى فتح مجالات جديدة للتعاون مع مختلف دول العالم في صناعة الطائرات العسكرية والتجارية والخاصة ومعداتها، إلى جانب تكنولوجيا الفضاء.
وبذلك ظهر المعرض كنتاج لتكامل واضح بين القدرات العسكرية والمدنية، وليس كفعالية منفصلة لعرض الطائرات، حيث التقت القوة الجوية المصرية مع صناعة الطيران المدني والفضاء والتكنولوجيا في حدث واحد، بما منح النسخة الثانية وزنًا استراتيجيًا يتجاوز الجانب الاستعراضي.
الصناعات الدفاعية.. مسيّرات مصرية ومنظومات لمواجهة التهديدات الجديدة
وكشف المعرض عن جانب متقدم من تطور الصناعات الجوية والدفاعية المصرية، من خلال مجموعة من المنتجات التي عرضتها الهيئة العربية للتصنيع، والتي عكست توسع قاعدة التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا في مجالات الطائرات من دون طيار ومنظومات اكتشافها ومجابهتها، إلى جانب الذخائر والمقذوفات والمكونات المرتبطة بالصناعات الجوية.
وضمت المعروضات المسيرة الانتحارية «FL750»، والمسيّرة الاعتراضية «R&D»، والطائرتين المسيرتين «حمزة 1 و2»، فضلًا عن منظومة اكتشاف ومجابهة الطائرات المسيرة «حارس 2»، ومنصة إطلاق لمجابهة المسيرات، إلى جانب مجموعة من القنابل والمقذوفات الجوية، بينها عائلة «حافظ»، ومقذوفات مخصصة لتسليح الطائرات المسيّرة.
وأبرزت هذه المشاركة انتقال التصنيع الدفاعي المصري إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالتطورات الحديثة في الحروب والعمليات الجوية، خاصة الأنظمة غير المأهولة والوسائل المخصصة للتعامل معها، بما عكس توجهًا نحو بناء قدرات وطنية تجمع بين التصنيع والتطوير والتكامل بين الطائرة والمنظومات المساندة لها.
وشملت المشاركة المصرية كذلك الطائرة المسيرة التكتيكية «ASN-209» المخصصة للاستطلاع، إلى جانب نماذج من الصواريخ والمقذوفات الجوية والأرضية، بما قدم صورة أوسع عن تنوع المنتجات الدفاعية المعروضة، وظهرت هذه القدرات من خلال عدد من الكيانات التابعة للهيئة العربية للتصنيع، بينها مصنع الطائرات، ومصنع المحركات، ومصنع حلوان للصناعات المتطورة، ومصنع صقر للصناعات المتطورة، والشركة العربية البريطانية للصناعات الديناميكية.
وامتد حضور صناعة الطائرات غير المأهولة إلى شركات مصرية أخرى، بعدما ظهرت طائرة «جبار 50» التي كشفت عنها شركة «تورنيكس» قبل انطلاق المعرض، إلى جانب عائلة «جبار» التي ضمت نماذج مختلفة سبق عرضها في معرض الصناعات الدفاعية «إيدكس 2025»، بما أظهر اتساع دائرة الشركات المصرية العاملة في مجال الأنظمة غير المأهولة وتنوع المنتجات المطورة محليًا.
قفزة كبيرة في حجم المشاركة
وكشفت النسخة الثانية عن توسع واضح مقارنة بالنسخة الأولى، سواء من حيث عدد الشركات والوفود أو مساحة العرض وأماكن الطائرات والرعاة، بما عكس سرعة نمو المعرض خلال فترة زمنية قصيرة.
وارتفع عدد الشركات العارضة من نحو 220 شركة في النسخة الأولى إلى أكثر من 300 شركة وفق بيانات المشاركة، فيما ارتفع عدد الوفود الرسمية من 65 إلى 95 وفدًا، واتسعت مساحة المعرض من 9600 متر مربع إلى 16 ألفًا و500 متر مربع، وزاد عدد الرعاة من 12 إلى 18، كما ارتفع عدد أماكن العرض الثابتة من 14 إلى 33 موقعًا، بينما قفز عدد الطائرات المشاركة من نحو 60 طائرة في النسخة الأولى إلى نحو 130 طائرة في النسخة الثانية.
وتزامن ذلك مع مشاركة دولية واسعة شملت الحكومات والقوات المسلحة وسلطات الطيران المدني ووكالات الفضاء والمؤسسات الصناعية، وهو ما جعل المعرض مساحة للقاءات المهنية وتبادل الخبرات إلى جانب كونه منصة للعرض.
وشكلت الطائرات المشاركة أحد أبرز عناصر المشهد، بعدما ضمت سماء العلمين نماذج متنوعة من المقاتلات وطائرات النقل والمروحيات وطائرات التدريب والطائرات المتخصصة، إلى جانب فرق الاستعراض الجوي الدولية.
وشاركت الهند بفريق «سارانج» للاستعراض الجوي باستخدام المروحية الهندية الصنع «ALH Dhruv»، وقدم الفريق عروضًا تعتمد على المناورات المتزامنة والتشكيلات الدقيقة، بما عكس في الوقت نفسه مهارة الطيارين وقدرات الصناعة الجوية الهندية.
كما حضرت فرق الاستعراض السعودية والإماراتية وعدد من الفرق الدولية، فيما جمعت منطقة العرض نماذج من مدارس تصنيع وتطوير مختلفة، لتتحول سماء العلمين إلى مساحة مفتوحة للتعريف بأحدث اتجاهات الطيران العسكري والمدني.
من أمريكا إلى آسيا.. أحدث منصات الطيران
وشهد المعرض مشاركة واسعة من الطائرات والمنظومات الجوية المتقدمة، من بينها طائرات أمريكية مثل «A-10 Thunderbolt II» و«F-15 Eagle» و«KC-46 Pegasus»، إلى جانب طائرات ومنظومات «لوكهيد مارتن» التي شملت «F-16» و«C-130J» ومحاكيًا تفاعليًا لطائرة «F-16 Block 70/72» وطائرة «UH-60 Black Hawk».
وشاركت إسبانيا بطائرتي «EF-18 Hornet» و«A400M Atlas»، فيما قدم فريق «Black Eagles» الكوري الجنوبي عروضه باستخدام طائرات «T-50B». كما شهد الحدث مشاركة صينية بطائرات مقاتلة ومنظومات للإنذار المبكر والسيطرة الجوية والتزود بالوقود في الجو ومروحيات.
وعرضت «بوينج» كذلك عددًا من منظوماتها، بينها «AH-64 Apache» و«CH-47 Chinook» و«KC-46A Pegasus»، في إطار علاقة ممتدة مع مصر في مجال الطيران والدفاع.
وتجاوزت فعاليات المعرض فكرة المشاهدة إلى بناء جسور مباشرة بين الشركات والمشغلين وصناع القرار، من خلال أجنحة ضمت مؤسسات عاملة في التصنيع والصيانة والتدريب والتكنولوجيا والخدمات الجوية والفضائية.
وعكست المشاركة الإماراتية هذا الجانب بصورة واضحة، إذ شاركت شركات إماراتية متخصصة في الطيران والفضاء والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، ضمن جناح وطني هدف إلى تعزيز الشراكات مع المؤسسات والشركات العالمية وفتح مجالات جديدة للتعاون.
وهكذا أصبح المعرض مساحة لبحث فرص الاستثمار والتعاون ونقل التكنولوجيا، إلى جانب عرض المنتجات، بما جعل القيمة الاقتصادية والصناعية للحدث امتدادًا طبيعيًا لقيمته الجوية والاستراتيجية.
إير كايرو وإيرباص.. صفقة تدعم تحديث الأسطول
وشهدت فعاليات المعرض توقيع اتفاقية مهمة بين شركة إير كايرو وشركة إيرباص، أعلنت بموجبها إيرباص عن طلب مباشر مؤكد من إير كايرو لشراء 15 طائرة من طراز «A320neo»، في خطوة ارتبطت بخطط الشركة لتوسيع أسطولها وزيادة قدراتها التشغيلية والاستفادة من نمو الطلب على النقل الجوي والسياحة.
وجاءت الصفقة في سياق أوسع لتحديث أسطول الطيران المصري، والاستفادة من طائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود والانبعاثات، حيث حققت عائلة «A320neo» وفرًا في الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالأجيال السابقة من الطائرات.
أكرون.. التكنولوجيا دخلت إلى غرفة تدريب الطيار
وامتد التطوير إلى العنصر البشري، بعدما شهد الدكتور سامح الحفني توقيع اتفاقية بين أكاديمية مصر للطيران للتدريب وشركة «أكرون للطيران» لتوريد جهاز محاكاة طيران كامل الحركة من طراز «Reality 7e» لطائرات «A320neo».
ومثل الجهاز الجديد ثاني جهاز كامل الحركة لهذا الطراز داخل الأكاديمية، بما عزز القدرة الاستيعابية لبرامج تدريب الطيارين على عائلة «A320»، ودعم برامج التدريب الدوري والتأهيل للترقية إلى رتبة قائد طائرة، ضمن خطة توسيع خدمات الأكاديمية من مقرها بمطار القاهرة الدولي.
وأكدت الاتفاقية أن تطوير صناعة الطيران لم يعد مرتبطًا بالطائرة وحدها، وإنما امتد إلى تدريب الطيارين والكوادر المتخصصة باستخدام أحدث أدوات المحاكاة، كما عكست شراكة ممتدة بين مصر للطيران وأكرون لأكثر من عقدين، بعدما كانت مصر للطيران من أوائل شركات الطيران في الشرق الأوسط وأفريقيا التي حصلت على جهاز «Reality 7e» لتدريب الطيارين في القاهرة منذ عام 2020.
وفي الإطار نفسه، زار وفد من مصر للطيران مركز أكرون للتدريب في لندن، واطلع على إمكانات الشركة في تصميم وتصنيع ودعم حلول تدريب الطيارين المتقدمة، بما عزز مسار التعاون في التدريب ونقل الخبرات.
منتدى القوات الجوية.. من استعراض القوة إلى صناعة المستقبل
وأضيف إلى المعرض بعد فكري واستراتيجي من خلال المنتدى العالمي للقوات الجوية، الذي جمع قادة وخبراء وممثلي شركات الطيران والتسليح لمناقشة التهديدات والتحديات الناشئة ومستقبل التعامل معها، إلى جانب التطورات المتسارعة في صناعات الطيران والفضاء والدفاع.
كما ناقشت الفعاليات المصاحبة مستقبل القوة الجوية والذكاء الاصطناعي والتقنيات ذاتية التشغيل والعمليات متعددة المجالات والمهارات الجديدة المطلوبة في صناعة الطيران، بما جعل الحدث مساحة للحوار حول مستقبل الصناعة وليس فقط استعراض ما وصلت إليه في الحاضر.
العلمين.. مدينة سياحية تحولت إلى منصة دولية
وعززت استضافة المعرض في مطار العلمين الدولي مكانة المدينة باعتبارها واحدة من أبرز مراكز السياحة والأعمال والاستثمار الجديدة في مصر، كما أظهرت قدرة البنية التحتية على استضافة فعاليات دولية ذات طبيعة متخصصة وحضور عالمي.
وسبق استضافة المعرض تطوير جاهزية مطار العلمين ورفع كفاءته، مع نمو حركة الركاب والرحلات، بما دعم دوره كبوابة جوية للمدينة والساحل الشمالي. وأكدت وزارة الطيران المدني أن تطوير المطار ارتبط برؤية أوسع لتعزيز دوره في دعم السياحة والاستثمار واستقبال الفعاليات الدولية الكبرى.
ومع الموقع الجغرافي لمصر، منح المعرض فرصة لتعزيز الربط بين أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وفتح مساحات للتعاون في النقل الجوي والصناعة والتدريب والصيانة والفضاء والخدمات الفنية.
ثلاثة أيام.. والرهان على ما بعد المعرض
وانتهت فعاليات النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء بعد ثلاثة أيام جمعت خلالها مصر العالم تحت سماء العلمين، لكن القيمة الحقيقية للحدث تجاوزت لحظة الافتتاح والعروض الجوية، إلى ما أنتجته اللقاءات من فرص للتعاون، وما فتحته الاتفاقيات من مسارات للتدريب والاستثمار والتكنولوجيا والاستدامة والفضاء.