يوسف أيوب يكتب: مصر من إدارة التوازن إلى صناعة النفوذ

السبت، 12 سبتمبر 2026 08:00 م
يوسف أيوب يكتب: مصر من إدارة التوازن إلى صناعة النفوذ

"الاتزان الاستراتيجي" لسياسة مصر الخارجية تأكيد أن القاهرة شريك للجميع وليست تابعاً لأحد

العلاقة مع الصين ليست بديلاً لأحد.. والتعاون الثلاثى مع قبرص واليونان نموذج للتحرك المصرى لترسيخ السلم ودعم الأمن الإقليمي

 

لم تعد السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة مجرد محاولة للموازنة بين القوى الدولية والإقليمية المتنافسة، وإنما باتت تتبلور حول مفهوم أكثر وضوحاً وخصوصية، وهو "الاتزان الاستراتيجي"، وهو مفهوم قدمته القاهرة باعتباره إطاراً حاكماً لتحركها الخارجي، يقوم على تنويع الشراكات، ورفض الاستقطاب، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وربط السياسة الخارجية بأهداف الأمن القومي والتنمية الاقتصادية.

هذا المفهوم ظهر لأول مرة، حينما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية فى شهر إبريل ٢٠٢٤ باعتباره الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، وبعدها بعام ونص تقريباً، وتحديداً في 17 ديسمبر 2025، وضعته وزارة الخارجية إطاراً حاكماً لها، من خلال إصدارها كتاب أبيض حمل عنوان "الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات"، وهو الكتاب الذى قدم المفهوم باعتباره إطاراً لتحليل التحرك المصري في الدوائر العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية والدولية.

والأسبوع الماضى، واستباقاً لزيارة الرئيس الصينى شي جينبينج للقاهرة، نشر الرئيس السيسى مقالاً في الصحف الصينية والمصرية، جاء به أن مصر "تمسكت بسياسة الاتزان الاستراتيجي كوجهة للسياسة الخارجية المصرية في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس".

من هذه الفلسفة، يمكن فهم أبعاد زيارة الرئيس الصينى للقاهرة، وكذلك سلسلة الاتصالات واللقاءات التي تجريها القاهرة. نعم زيارة رئيس الصين، جاءت في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين، وتتقاطع فيها الأزمات في الشرق الأوسط والبحر الأحمر وأفريقيا، لكن الحقيقة أن القاهرة تنظر للعلاقة مع الصين من زاوية أخرى مختلفة، تعتمد في الأساس على فلسفة الاتزان الاستراتيجي، فالقاهرة تريد علاقات قوية مع الصين من دون أن تكون هذه العلاقة موجهة ضد الولايات المتحدة أو أوروبا، كما تريد شراكات استراتيجية مع الغرب من دون أن تتحول إلى جزء من مواجهة غربية مع بكين أو موسكو.

والقاهرة تنظر إلى بكين على أنها شريك اقتصادي وقوة دولية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وصاحبة نفوذ متزايد في أفريقيا والشرق الأوسط والنظام الاقتصادي العالمي، ومن ثم فإن تطوير العلاقة مع بكين يمنح مصر مساحة إضافية للحركة الدولية، لكن في المقابل لا تنظر لها باعتبارها محور في مواجهة محاور أخرى، فالاتزان الاستراتيجي، وفق الرؤية التي عرضتها وزارة الخارجية، يقوم على إقامة شراكات مع القوى الكبرى "دون أن تكون شراكة على حساب شراكة مع دولة أخرى"، وعلى أن الشراكة مع دولة ليست موجهة ضد دولة ثالثة، وبذلك، فإن استقبال الرئيس الصيني في القاهرة لا ينبغي قراءته باعتباره إعلاناً عن "انحياز مصري إلى الصين"، وإنما باعتباره تطبيقاً عملياً لسياسة تنويع الشركاء ومصادر القوة والنفوذ.

ومن منطلق "الاتزان الاستراتيجي، تدير القاهرة علاقاتها الخارجية من واقع المصالح المتبادلة، لذلك فإنها منذ 2014 وهى تتعامل مع كل القوى العالمية بمنطق الندية، وليس التبعية، وظهر ذلك من خلال علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والاتحاد الأوربي، لتحقيق مصالح مشتركة، تعتمد في الأساس على مفهوم طرحته القاهرة أيضاً وهو "دبلوماسية التنمية"، أي استخدام العلاقات الخارجية والشراكات الدولية في جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام المنتجات المصرية، ونقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد الوطني، وهو ما يعنى دمج ما بين السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية، وهو ما انتج عدد من الاتفاقيات والتفاهمات مع الدول الكبرى، تفيد الاقتصاد المصرى.

ومن ضمن محددات الاتزان الاستراتيجي المصرى، آلية التعاون الثلاثي المشترك بين مصر وقبرص واليونان، التي تحولت إلى نموذجا يُحتذى به في التعاون الإقليمي الاستراتيجي والتكامل القائم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، فهذه الآلية منذ إنطلاقها رسمياً في 2014، وهى مستمرة في تحقيق أهداف السلام في منطقة شرق المتوسط.

والثلاثاء الماضى، استضافت مدينة العلمين الجديدة، اجتماع ثلاثى ضم الرئيس السيسى، ورئيس جمهورية قبرص نيكوس كريستودوليدس، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وأعقبه مؤتمر صحفى أكد خلاله الرئيس السيسى "إن مصر تثق في أن الإرادة المشتركة لمصر وقبرص واليونان نحو دعم الاستقرار في الجوار الاقليمي من شأنها أن تسهم في إرساء ركائز السلام في المنطقة"، وهو ما اكد عليه الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني بأن الآلية أصبحت منصة رائدة لترسيخ السلم ودعم الأمن الإقليمي بما يحقق مصالح الدول الثلاث وشعوبها، والتي أنطلقت من خلالها برامج اقتصادية مشتركة، منها تطوير مشروعات الربط الكهربائى، وعلى رأسها مشروع "جريجى" (GREGY) بين مصر واليونان، والذى يمثل نقطة تحول حقيقية، فى تعزيز التكامل الإقليمى فى مجال الطاقة النظيفة بين ضفتى المتوسط، وصولا إلى أوروبا، وكذلك التعاون الإستراتيجى بين مصر وقبرص فى مجال الغاز الطبيعى.

ووفق ما أكد عليه الرئيس السيسى، فإن الشراكة الثلاثية، لا تقتصر على التعاون السياسى والاقتصادى والثقافى، بل تشمل كذلك التنسيق الأمنى والعسكرى لمواجهة التحديات التى تواجه المنطقة، بما فى ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، على نحو يسهم فى تعزيز استقرار المنطقة وحماية المصالح المشتركة.

وبالعودة إلى الكتاب الأبيض لوزارة الخارجية، والذى سبق وأن تناولته في 28 ديسمبر 2025 بمقال، وأشرت خلاله أنه يحفظ المصالح الوطنية بسياسة متوازنة، فهذا الكتاب، يستعرض المحددات الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية وأولوياتها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، ويؤكد إتباع مصر سياسة خارجية متوازنة تقوم على صون المصالح الوطنية، ورفض الاستقطاب، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والتفاعل النشط مع مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين على أسس من الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول.

وما جاء في الكتاب، بنى على سياسة خارجية أنتهجتها مصر لنفسها منذ 2014، تقوم على إقامة علاقات متوازنة وبناء شراكات اقتصادية واستراتيجية مع كافة دول العالم بما فيها القوى الكبرى، دون أن تكون شراكة على حساب شراكة مع دولة أخرى،

ووفق الكتاب الأبيض، يقوم جوهر "الاتزان الاستراتيجي"، على اتباع سياسة خارجية مستقلة ترفض الانخراط في أي شكل من الاستقطاب الدولي، وتمتلك من المرونة الاستراتيجية ما يتيح لها القدرة على التعاون مع كل الأطراف الإقليمية والدولية، انطلاقا من اعتبارات المصلحة الوطنية/ وتحت هذا المبدأ حددت القاهرة توجهاتها، ومبادئها التي يقوم عليها "الاتزان الاستراتيجي" وهى كما جاءت في الكتاب:

أولاً: احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية في النظام الإقليمي والدولي، ويرتبط بذلك احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل في شئونها، والتأكيد على أن إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدي إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فُرص الاضطراب والفوضى، وزيادة دور الكيانات المنظمة من غير الدولة كالتنظيمات والميليشيات العسكرية.

ثانياً: الالتزام برفض الانخراط في مختلف مظاهر الاستقطاب الدولي، وعدم الدخول في أحلاف مع أحد الأطراف ضد أخرى.

ثالثاً: تحقيق السلام في العلاقات الدولية، وفقاً لأحكام القانون الدولي ومبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتحدة، ويشمل هذا الهدف التمسك بمبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

رابعاً: الالتزام بالحفاظ على النظام الدولي متعدد الأطراف، وفى قلبه الأمم المتحدة وأجهزتها، باعتباره الركيزة الأساسية للحفاظ على مكتسبات السلام والاستقرار والتنمية، والضمانة القوية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير وتحديث هذا النظام.

خامساً: الالتزام بمبدأ مكافحة الإرهاب في كل صوره وأشكاله، كونه يمثل تهديداً للدولة الوطنية ومؤسساتها وأمنها، ومصدراً لإثارة مشاعر الخوف وانعدام الأمن في المُجتمع، وزعزعة العلاقات الودية بين الدول، وهنا دعت مصر إلى ضرورة تبني المجتمع الدولي مقاربة شاملة لمواجهة الإرهاب في كافة صوره ومظاهره وأشكاله، وتقويض قدراته وتجفيف منابع تمويله. ويرتبط بذلك، السياسات الصارمة التي اتبعتها مصر لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والإتجار بالبشر، وإيجاد أطر شرعية لتنظيم الهجرة، وقد أشار الرئيس السيسى أكثر من مرة إلى أن "مواجهة خطر الإرهاب واستئصاله من جذوره تتطلب إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية مقاربة شاملة تتضمن الأبعاد السياسية والأيديولوجية والتنموية"، مؤكداً أيضاً "أن المواجهة الشاملة مع الإرهاب تعني بالضرورة مواجهة كافة أبعاد ظاهرة الإرهاب فيما يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي، فالإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح وإنما أيضاً من يدربه ويموله ويسلحه ويوفر له الغطاء السياسي والأيديولوجي".

سادساً: إدارة العلاقات الاقتصادية بين الدول بهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في العالم، من خلال إدارة علاقات اقتصادية قائمة على توازن المصالح وتحقيق الفائدة للجميع.

سابعاً: الاهتمام بالمصريين في الخارج ورعاية مصالحهم.

هذه هي المبادئ الرئيسية الحكامة لسياسة مصر الخارجية، ومنها نستطيع التأكيد على أن الاتزان الاستراتيجي لا يعني الحياد، وهذا معناه أن الدولة قد تكون متوازنة في علاقاتها، لكنها ليست محايدة تجاه مصالحها الوطنية، بل تحاول الدفاع عنها من خلال شبكة واسعة من العلاقات والشراكات بدلاً من الاعتماد على تحالف واحد، لذلك نجد القاهرة حاضرة في كل النقاشات، وممثلة في تجمعات دولية فاعلة مثل البريكس على سبيل المثال، ومدعوة اكثر من مرة لحضور اجتماعات قمة العشرين، وقمة السبع الكبار، وهو ما يؤكد أن الدولة المصرية أصبح لديها قدرة على التواصل مع أطراف دولية متنافسة، وبالتالي يمكن أن أن تقدم نفسها كـدولة وصل بين دوائر دولية وإقليمية متعددة.

في المجمل فإن "الاتزان الاستراتيجي" الذى تسير عليه الدولة المصرية، معناه بوضوح شديد أن مصر هي شريك للجميع لكن ليست تابعاً لأحد، أو بمعنى أوضح، فهىى ليست في طريقها للاختيار بين هذا الحلف أو ذلك، أو بين الشرق والغرب، وإنما تسعى إلى أن تجعل الشرق والغرب معاً جزءاً من شبكة مصالح مصرية أوسع.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة