دينا الحسيني تكتب: أعداء خير أجناد الأرض.. لماذا يمثل جيش مصر عقدة دائمة لجماعة الإخوان؟
الأحد، 13 سبتمبر 2026 09:13 م
لم يبدأ الصدام بين جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسات الدولة المصرية في أعقاب 30 يونيو 2013، ولم يكن الخلاف مع القوات المسلحة وليد اللحظة التي خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع، فالتاريخ يكشف عن علاقة معقدة وممتدة بين الجماعة الإرهابية ومؤسسات الدولة، بدأت مبكرًا مع ظهور ما عُرف داخل الجماعة بـ«الجهاز الخاص»، وهو تنظيم سري امتلك قدرات عسكرية ونُسبت إليه عمليات عنف واغتيالات سياسية في أربعينيات القرن الماضي.
ففي ديسمبر 1948 اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي على يد أحد أعضاء الجهاز الخاص للجماعة، بعدما كانت الحكومة قد قررت حل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها واعتقال عدد من أعضائها، وتحول الصدام بعدها إلى سلسلة من المواجهات المفتوحة بين التنظيم وأجهزة الدولة. وقبل اغتيال النقراشي، كان الجهاز الخاص قد ارتبط كذلك باغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948، ثم جاءت مرحلة جديدة بعد ثورة يوليو 1952، عندما اصطدمت الجماعة بقيادة الثورة، وصولًا إلى محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في حادث المنشية عام 1954، وهي المحاولة التي ترتب عليها حل الجماعة واعتقال أعداد كبيرة من أعضائها.
وبالتالي، فإن قراءة علاقة الإخوان الإرهابية بالمؤسسة العسكرية والدولة المصرية باعتبارها بدأت فقط في 2013 تتجاهل سياقًا تاريخيًا أطول؛ فقد سبق ذلك صدام حول سؤال جوهري: من يملك قرار الدولة، ومن تكون له الكلمة الأخيرة في حماية مؤسساتها وسيادتها؟
2011 .. عندما أصبح الحفاظ على الدولة مهمة قبل أي شيء
جاءت أحداث يناير 2011 في لحظة شديدة التعقيد بالنسبة للدولة المصرية، ومع انسحاب أو تراجع الوجود الشرطي في عدد من المناطق، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من الانفلات الأمني؛ تعرضت أقسام شرطة للاقتحام والحرق، وسُرقت أسلحة، وانتشرت أعمال السلب والنهب، وظهرت مجموعات مسلحة وعمليات اعتداء على منشآت وممتلكات عامة وخاصة، وشهدت تلك الفترة وقائع لإطلاق النار داخل أقسام الشرطة وسرقة الأسلحة النارية منها، ولم يتوقف الأمر عند الأقسام، بل امتد ليشمل الاعتداء على منشىّات ومبانٍ عامة؛ حيث تعرض المجمع العلمي للحريق، وشهدت التحقيقات ضبط متهمين بسرقة كتب ومخطوطات من المبنى بعد احتراقه، وفي الوقت نفسه، ظهرت وقائع سرقة للمحلات التجارية واستغلال حالة الفوضى الأمنية، ومن بينها ضبط عصابات لسرقة المحال والأسواق في مختلف المحافظات.
هنا لم تعد المسألة مجرد مظاهرات أو خلاف سياسي؛ فقد أصبحت الدولة أمام سؤال مختلف تمامًا: كيف تحافظ على حياة المواطنين وممتلكاتهم ومؤسساتها في ظل تراجع قدرة أجهزة الأمن الداخلي على السيطرة الكاملة على الشارع؟ وهنا برز دور القوات المسلحة، حيث انتشرت عناصر الجيش والشرطة العسكرية في الشوارع، وأقيمت نقاط التأمين والكمائن، وشاركت القوات المسلحة في تأمين المنشآت الحيوية والمرافق العامة، في وقت كانت فيه البلاد تمر بواحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، ولم يكن ذلك دورًا سياسيًا بالمعنى المباشر، بقدر ما كان مرتبطًا بمهمة منع انهيار مؤسسات الدولة والحيلولة دون تحول الانفلات الأمني إلى انهيار شامل.
من حماية الشارع إلى حماية مؤسسات الدولة
لم يكن وجود القوات المسلحة في الشارع المصري خلال تلك المرحلة مجرد مشهد عابر، فالمهمة كانت واسعة: تأمين منشآت حيوية، حماية طرق ومحاور، مساعدة الشرطة في استعادة السيطرة الأمنية، وتأمين المواقع التي يمكن أن يؤدي سقوطها إلى آثار تتجاوز حدود المبنى نفسه، وتظهر طبيعة هذا الدور بوضوح في المهام التي واصلت القوات المسلحة تنفيذها، من خلال الكمائن المشتركة والدوريات المتحركة ونقاط التأمين الثابتة وحماية الأهداف الحيوية بالتنسيق مع وزارة الداخلية، ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أدوار القوات المسلحة خلال السنوات العاصفة: منع الفراغ الأمني من التحول إلى فراغ في الدولة نفسها.
2012 .. انتقال الصدام إلى مستوى آخر
مع وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم عام 2012، لم تعد العلاقة مع القوات المسلحة علاقة مؤسسة عسكرية بسلطة سياسية فحسب، وإنما دخلت في اختبار أكثر حساسية، فالقوات المسلحة كانت قد خرجت من المرحلة الانتقالية وهي تحمل خبرة عام كامل من إدارة الدولة، بينما بدأت السلطة الجديدة في إعادة ترتيب العلاقة مع مؤسسات الدولة المختلفة.
وفي سيناء، كانت الصورة أكثر خطورة؛ حيث شهدت تلك الفترة تصاعدًا ملحوظًا في النشاط الإرهابي والهجمات المسلحة التي استهدفت قوات الأمن، وكان الهجوم على نقطة أمنية في رفح في 5 أغسطس 2012 أحد أخطر أحداث تلك المرحلة وأكثرها دموية، وهكذا أصبح الجيش يواجه تهديدًا مزدوجًا: توترًا سياسيًا في الداخل، وتناميًا للتهديد الإرهابي في سيناء.
الجيش لم يدخل لعبة الابتزاز
مع اقتراب 30 يونيو، تصاعدت الضغوط على القوات المسلحة، وفي الأول من يوليو 2013، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانها الشهير الذي منحت فيه الأطراف السياسية مهلة للاستجابة لمطالب الشعب، مؤكدة أن الجيش يتحرك انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية والتاريخية.
ثم جاء بيان 3 يوليو ليحدد بصورة واضحة طبيعة الدور الذي رأت القوات المسلحة أنها تقوم به؛ فلم تستطع تجاهل نداء الجماهير، وتوفير حماية لمطالب الشعب، وطرح خريطة للمستقبل تضمنت انتخابات رئاسية مبكرة وتشكيل حكومة كفاءات ومراجعة الدستور، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القصة: القوات المسلحة لم تتعامل مع التهديدات باعتبارها سببًا للتراجع عن دورها في حماية الدولة.
حرب الإرهاب.. من سيناء إلى تأمين الحدود الغربية
في تلك الفترة أصبحت سيناء واحدة من أخطر ساحات المواجهة، ولم تقف الأمور عند حد التهديدات السياسية، بل تحولت إلى معركة وجود خاضت فيها القوات المسلحة حربًا ضروساً ضد التنظيمات الإرهابية، وتوجت هذه الجهود بإطلاق «العملية الشاملة» سيناء 2018 ، التي استهدفت اقتلاع جذور الإرهاب وتطهير كل بقعة من أرض سيناء الحبيبة، والتي استهدفت القضاء على البؤر والتنظيمات الإرهابية واستعادة السيطرة الأمنية في مناطق المواجهة، في واحدة من أوسع عمليات مكافحة الإرهاب التي شهدتها سيناء.
ولم تقتصر جبهات المواجهة على الشرق وشبه جزيرة سيناء وحدها، بل امتدت التهديدات لتفرض نفسها على الاتجاه الاستراتيجي الغربي؛ حيث واجهت مصر تحديات جسيمة وأعمالاً إرهابية تسللت عبر الحدود المشتعلة مع ليبيا. وهنا أثبتت القوات المسلحة جاهزيتها العالية في حماية وتأمين الحدود الغربية، وإجهاض كافة مخططات التهريب والتسلل التي استهدفت النيل من استقرار الأمن القومي المصري.
ثمن حماية الدولة.. دماء على الكمائن والارتكازات
دفع الجيش المصري ثمنًا باهظًا في الحرب على الإرهاب؛ ففي 22 أكتوبر 2016، استشهد العميد عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة المدرعة، بعد استهدافه أمام منزله في مدينة العبور، ضمن سلسلة العمليات الإرهابية التي استهدفت رموزًا وقوات أمنية. ولم يكن رجائي حالة منفردة؛ فقد كانت الكمائن والارتكازات الأمنية في سيناء هدفًا متكررًا للهجمات المسلحة، مثل الهجوم على كمين تأمين خط الغاز جنوب العريش عام 2016، والهجمات الأخرى المتعاقبة.
وكان من أبرز رموز تلك الحرب العقيد أحمد المنسي، قائد إحدى نقاط التأمين في شمال سيناء، الذي استشهد في هجوم كمين البرث عام 2017، ليصبح اسمه رمزًا لتضحيات القوات المسلحة في مواجهة الإرهاب. وحتى بعد سنوات من المواجهات، ظلت الارتكازات الأمنية هدفًا للهجمات التي تم إحباطها بيقظة رجال القوات المسلحة، مثل الهجمات الانتحارية التي تم التصدي لها على مداخل الارتكازات بمدينة الشيخ زويد. هذه الوقائع تقول شيئًا واحدًا بوضوح: الحرب على الإرهاب لم تكن معركة بيانات، وإنما معركة استنزاف حقيقية دفعت فيها القوات المسلحة من دماء ضباطها وجنودها.
عقدة التسليح وازدواجية الخطاب الإخواني
تعكس المتابعة المستمرة لخطاب جماعة الإخوان الإرهابية حالة واضحة من «العقدة المزمنة» تجاه تسليح وتطوير الجيش المصري؛ فالتنظيم وأبواقه لا يعجبهم أن ترى مصر قوية قادرة على ردع أعدائها. فكلما أعلنت الدولة عن صفقة تسليح جديدة، أو تعاقدت على شراء معدات عسكرية متطورة وأنظمة دفاع جوي وطيران حربي، أو افتتحت قاعدة عسكرية جديدة لحماية الاتجاهات الاستراتيجية، تخرج الجماعة الإرهابية لتمارس هوايتها في التشكيك والتشويه.
تتبنى الجماعة الإرهابية ازدواجية مفضوحة في الخطاب؛ فتارة تهاجم صفقات التسليح متسائلة باستهجان: "أنتم تعملون إيه بالسلاح؟"، وتارة أخرى تتباكى وتتساءل بخبث: "فين الدولة وفين استعداداتها؟"، بل إنها تتعمد إثارة الإسقاطات السياسية المرتبطة بالأزمات الإقليمية، محاولة جر مصر إلى صراعات غير محسوبة، تارة عبر النفخ في التوتر مع إسرائيل، وتارة أخرى باستغلال أزمة سد النهضة والتحديات في أفريقيا لتأليب الرأي العام، وتكشف هذه المواقف أن استهداف قدرات القوات المسلحة لا ينفصل عن استهداف صورة الدولة نفسها؛ فإضعاف الثقة في الجيش وقدرته على الردع يعني، في النهاية، إضعاف إحدى أهم ركائز الدولة المصرية.
لماذا ظل الجيش هدفًا دائمًا؟
القوات المسلحة، في لحظات الأزمات، كانت واحدة من المؤسسات القليلة القادرة على منع تحول الفوضى إلى انهيار شامل، ولهذا لم يكن استهداف المؤسسة العسكرية مجرد خلاف سياسي؛ فإضعاف الجيش يعني إضعاف إحدى ركائز الدولة المصرية، وهنا يمكن تفسير جانب من الحملات التي استهدفت صورة المؤسسة العسكرية، باعتبار أن معركة السيطرة على الدولة لم تكن تدور فقط حول السلاح أو الشارع، وإنما كذلك حول الثقة في مؤسسات الدولة؛ فإذا نجح طرف في إسقاط ثقة المواطنين في الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، يصبح تفكيك الدولة أسهل من إسقاطها بالقوة المباشرة.
من حائط الصد إلى درع الدولة
خلال أكثر من عقد، انتقلت القوات المسلحة المصرية من مهمة تأمين الشوارع والمنشآت خلال الانفلات الأمني الذي أعقب 2011، إلى تأمين الحدود ومواجهة الإرهاب في سيناء وغرب البلاد، ثم إلى المشاركة في حماية المنشآت الحيوية ومواجهة التهديدات المختلفة، وفي كل مرحلة تغير شكل التهديد، لكن بقيت المهمة الأساسية واحدة: الحفاظ على الدولة المصرية ومقدراتها وأمن مواطنيها.
وفي النهاية، فإن قراءة مسار العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسات الدولة المصرية، منذ ظهور «الجهاز الخاص» وما ارتبط به من نشاط سري وعسكري، وصولًا إلى المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، تكشف أن استهداف مؤسسات الدولة لم يكن منفصلًا عن الصراع على بقاء الدولة وقدرتها على فرض الأمن وحماية حدودها ومقدراتها، وفي كل مرحلة، ظل الجيش المصري أحد أهم مؤسسات الدولة التي تحملت مسؤولية حماية البلاد في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية.