غزة تحت وطأة الحرب.. مخاوف من تداعيات التهجير والتغيير الديموغرافي على مستقبل السكان
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 02:14 م
هانم التمساح
لا تتوقف تداعيات الحرب المدمرة في قطاع غزة عند حدود الخراب المادي وسقوط الضحايا بين شهداء وجرحى، بل تمتد لتغتال "المستقبل" وأمل الإنجاب لدى مئات الأزواج، فوسط بيئة يغلب عليها الدمار والتهجير، يتعرض النسيج الحيوي والصحي في غزة لما يمكن وصفه بـ "الحرب على الإنجاب"، حيث تتضافر المخلفات السامة، وانهيار المنظومة الطبية، وقصف مراكز الخصوبة، وظروف الخيام القاسية لتقويض أبسط حقوق الإنسان في تكوين أسرة، وتهدف دولة الاحتلال إلى تقليل نسبة سكان قطاع غزة وعموم فلسطين مقارنة بالاسرائيليين حتى تتغلب نسبة المستوطنيين على نسبة السكان الأصليين " أصحاب الأرض".
وتدفع النساء في غزة ثمناً باهظاً من صحتهن الإنجابية جراء التعرض المستمر للمواد السامة ومخلفات القصف. مع تكرار حالات الإجهاض وتجلطات في الرحم. واصابة النساء بالحوامل بأضرار بالغة جراء استنشاقها دخان الفوسفور الأبيض المحرم دولياً خلال عمليات القصف .
وأكدت مصادر طبية أن غبار الصواريخ وسياسات التجويع ومنع إدخال أدوية الخصوبة، إلى جانب ظروف النزوح والاكتظاظ وانعدام النظافة، خلقت أزمة صحية ونفسية عميقة تهدد الصحة الإنجابية بشكل غير مسبوق.
ولم يتوقف الضرر عند الأجساد، بل امتد ليطال الأماكن التي تحرس آخر ومضات الأمل. وفي ديسمبر 2023، تعرض مركز للإخصاب وأطفال الأنابيب" لضربة إسرائيلية مباشرة تسببت في تلف خزانات النيتروجين السائل، مما أدى إلى فساد أكثر من 3500 عينة من الحيوانات المنوية، والبويضات، والأجنة غير المخصبة.
هذه الخسارة لم تكن مجرد أرقام، بل كانت تمثل قصص كفاح طويلة لأزواج باعوا ما يملكون لتوفير تكاليف العلاج. بعد أن قضت النساء سنوات طويلة في رحلة علاج شاقة وقيام أخريات بتخزين عينات في المختبر خوفاً من عودة العقم، ليأتي القصف ويحرمهم نهائياً من أي فرصة جديدة للإنجاب في ظل عجز مالي يمنعهم من تكرار العلاج.ويتندرج قصف المركز ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تقييد فرص الإنجاب والتمدد السكاني في القطاع.
وعلى الصعيد المعيشي، تفرض حياة النزوح في الخيام واقعاً قاسياً يعطل التفكير في بناء الأسرة. حتى ان بعض النساء حُرمت تماماً من الإنجاب منذ بدء الحرب بسبب الاكتظاظ الشديد، وانعدام أبسط مقومات الخصوصية بين الخيام المتقاربة، فضلاً عن البيئة القاسية المحاطة بالحشرات والبرد والحر الشديدين. حتى باتت كثيرات ترفضن فكرة الإنجاب تماماً في هذه الظروف اللاإنسانية مهما تقدم بها العمر.
وتؤكد هذه الشواهد أن حرب غزة خلفت إرثاً ثقيلاً من المعاناة الخفية؛ فبينما يمكن ترميم المنازل وإعادة بناء المستشفيات، تظل هناك أرواح وأحلام وأجيال كاملة أُجهضت في مهدها، مما يجعل خسارة المستقبل في غزة هي الجرح الأعمق والأصعب التئاماً.