المركز المصري للفكر والدراسات ينظم ورشة عمل بعنوان: المشروع الإقليمي الإثيوبي.. حسابات الداخل والخارج

الخميس، 17 سبتمبر 2026 12:26 م
 المركز المصري للفكر والدراسات ينظم ورشة عمل بعنوان: المشروع الإقليمي الإثيوبي.. حسابات الداخل والخارج

بعد مرور ثمان سنوات على تولي أبي أحمد منصب رئيس الوزراء في إثيوبيا، ومع استعداده لتولي المنصب لخمس سنوات تالية بعد فوز حزب الازدهار في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي عقدت في مطلع يونيو 2026، تتأكد مفارقة لافتة في إثيوبيا منذ عام 2018، بين الأوضاع الداخلية شديدة الاضطراب، وبين التحركات النشطة في دوائر إقليمية متعددة. إذ تواجه الدولة الإثيوبية تحديات سياسية وأمنية مرتبطة بإدارة التعدد الإثني، وإعادة بناء احتكارها للقوة المسلحة في ظل انتشار بؤر الصراع الداخلي، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى توظيف ثقلها السكاني والجغرافي لتعزيز مكانتها في دائرتي حوض النيل والبحر الأحمر، بحيث أمكن تفسير محاولات التمدد الإقليمي، والنشاط الخارجي المفرط كمحاولة للهروب للأمام، واكتساب أصول جديدة للقوة ترجو توظيفها في تحسين الوضع الداخلي المتدهور.

ونتيجة لتشابك النشاط الخارجي الإثيوبي مع العديد من الملفات ذات الأولوية للسياسة الخارجية المصرية، كتأمين موارد مصر المائية من نهر النيل، وضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر، واستقرار الأوضاع الداخلية في السودان، تبدو أهمية تقييم الوضع الداخلي الإثيوبي القائم، واستكشاف ارتباطاته بالملفات الإقليمية ذات الأولوية، فضلاً عن قراءة خريطة القوى الدولية والإقليمية المرتبطة بالمشروع الإقليمي الإثيوبي، والوقوف على حجم الدعم الذي تقدمه كل منها لتحقيقه.

ومن هذا المنطلق، عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في يوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 ورشة عمل لتقييم الاتجاهات المختلفة للوضع الداخلي الإثيوبي من الناحيتين السياسية والأمنية، قبل رصد مظاهر الانخراط الإثيوبي في محيطها الإقليمي في دائرتي حوض النيل والبحر الأحمر، وانتهاءً برسم ملامح شبكة العلاقات الخارجية الدولية والإقليمية التي تستند إليها إثيوبيا في دعم سياستها الخارجية.

وقد قسمت فعاليات ورشة العمل إلى ثلاث جلسات متعاقبة، شهدت مشاركة واسعة من جانب مستشاري المركز وخبرائه وباحثيه، بالإضافة إلى عدد من المشاركات المتميزة من خارج المركز، والتي قدمها الدكتور/ أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والسفير دكتور/ صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، واللواء دكتور/ أحمد النحاس، خبير سياسات الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية، والأستاذ/ أحمد إمبابي، رئيس تحرير مجلة وبوابة روز اليوسف، والأستاذ/ مصطفى أحمدي، المستشار الإعلامي السابق في السفارة المصرية في أديس أبابا، والسفير/ حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية وسفير مصر بدولة السودان الأسبق، والسفير دكتور/ محمد بدرالدين زايد، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات الأسبق ومساعد وزير الخارجية الأسبق لدول الجوار.

وقد خلصت الورشة إلى عدد من الخلاصات المهمة:

على صعيد الداخل الإثيوبي: تم التأكيد على استمرار أبي أحمد في توظيف نموذج الفيدرالية الإثنية، عبر التغيير المطرد لتحالفاته كأداة للاستمرار في السلطة، بعيداً عن أي نجاح في تقديم وجه إصلاحي لنظام حكمه، بعدما شهدته انتخابات 2026 والحوار الوطني الذي أعقبها من مقاطعة واسعة وتعثر بسبب الاضطرابات الأمنية. كذلك جاء تحول مواقف مجتمعات الشتات الإثيوبي في الخارج، وخصوصاً في الولايات المتحدة، من دعم أبي أحمد لمعارضته ليكشف عن حجم الأزمة العميقة الناجمة عن سياساته الداخلية. كما عكس الرأي العام الإثيوبي استقطاباً سياسياً حاداً، وسخطاً عاماً من الأوضاع الاقتصادية نتيجة ارتفاع معدلات الفقر والتضخم والبطالة وسوء الخدمات الأساسية مثل الوصول إلى المياه والكهرباء، والتي تبدو بدون حل واقعي في المدى المنظور.

على مستوى الأدوار الإقليمية الإثيوبية: شكل السعي الإثيوبي للنفاذ البحري أحد أهم مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو الأمر الذي يثير رفضاً واسعاً من المجتمع الدولي، ويهدد سيادة دول الجوار الشرقي لإثيوبيا: إريتريا، وجيبوتي، والصومال. كذلك فقد واصلت إثيوبيا انخراطها في صراعات القرن الأفريقي، مع تغير الأدوات والآليات والأهداف، على نحو ما ظهر في الانخراط الإثيوبي في الصراعات الدائرة في الصومال والسودان، حيث وظفت إثيوبيا انخراطها كأداة لتعزيز مكانتها الإقليمية عبر مداخل متكاملة شملت التدخل العسكري المباشر، والوساطة، والعمل عبر المؤسسات الإقليمية. وفيما يخص دول حوض النيل، يتمثل التحول الأهم في السياسة الإثيوبية في توظيف المياه والطاقة والدبلوماسية والاقتصاد والأمن ضمن شبكة تعيد تشكيل موازين القوة. ومع ذلك، تظل علاقة إثيوبيا بدول حوض النيل تعتمد على شبكة مصالح سريعة التغير، لم تستطع بعد أن تشكل تحالفاً متماسكاً ومستقراً.

فيما يتصل بالشراكات الخارجية: تتعدد المؤشرات الدالة على اعتماد إثيوبيا المكثف على علاقاتها الدولية والإقليمية في تعزيز مصالحها الاستراتيجية، وهو الأمر الذي انعكس في صورة سعيها لبناء علاقات على قدر من التوازن بين العديد من القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما وفر لها حداً أدنى من الدعم الخارجي، لكنه في الوقت نفسه حمل قدراً من التناقض حال دون التمتع بمزايا تحالف مستقر ومستدام مع أي من هذه القوى الدولية، ووضع سقفاً للدعم الدولي كماً ونوعاً. وقد عوضت إثيوبيا ما لم تقدر على الحصول عليه من الشركاء الدوليين بتكثيف علاقاتها بعدد من القوى الشرق أوسطية، كإسرائيل وعدد من الدول العربية، وذلك في إطار التداخل المتنامي للملفات الاستراتيجية بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وقد شكل دور القوى الشرق أوسطية ركيزة أساسية اعتمدت عليها إثيوبيا في مواجهة أزماتها الأمنية والاقتصادية الحادة على المستوى الداخلي.

وإجمالاً، فقد فصلت الأوراق البحثية المتنوعة التي قدمت في ورشة العمل، بالإضافة إلى النقاش الثري والمتخصص الذي أعقب جلساتها، في عرض ما يشكله نشاط إثيوبيا في محيطها الإقليمي من مصدر لزعزعة الاستقرار، وتصدير مشكلاتها الداخلية العميقة إلى دول الجوار، وإعاقة تشكل نظام فاعل للأمن الإقليمي، فضلاً عن تحويل قضايا التكامل والاستفادة من الموارد المشتركة إلى مجالات الصراع. ويضاف إلى كل هذه المظاهر الدور الإثيوبي السلبي في استدعاء أدوار خارجية -دولية وإقليمية- للانخراط المكثف في تفاعلات القرن الأفريقي، بما له من تداعيات استراتيجية تنتقص من سيادة دول الإقليم وسلامتها الإقليمية.
 

 
 

 

62b5e9be-f7a2-4246-a965-58f8f0d30133
 
 

 

64fbf167-1bdc-4050-8174-caac02855a84
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة