يوسف أيوب يكتب: مصر في بريكس.. نفوذ سياسي ومكاسب اقتصادية
السبت، 19 سبتمبر 2026 06:00 م
القاهرة تستهدف زيادة التجارة والاستثمارات وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التمويل
الرئيس السيسي يحدد 4 رسائل مصرية قوية من نيودلهي:
لا حل الا بتسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية
البحر الأحمر وحرية الملاحة قضية "أمن قومى"
الحفاظ على سيادة السودان ووحدته خط أحمر
حتمية وقف أي اعتداءات على الدول العربية
لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الـ 18 لتجمع البريكس التي استضافتها الهند السبت والأحد الماضيين، تحت شعار "بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة"، مجرد مشاركة في اجتماع لتجمع اقتصادي يضم قوى صاعدة، وإنما جاءت في إطار رؤية مصرية أوسع للتعامل مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، تقوم على تنويع الشراكات، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، والدفاع عن المصالح المصرية، وتعزيز التعاون مع دول الجنوب، دون الانخراط في سياسة المحاور والاستقطاب الدولي.
وأثبتت مشاركة الرئيس السيسي في قمة "بريكس" بنيودلهي، أن مصر ليست مجرد عضو جديد في التجمع، بل شريك مؤسس في صياغة مستقبله، وصوت فاعل يمثل العرب وإفريقيا ودول الجنوب العالمي بثقل واقتدار، فما بين كلمة رسمت خارطة طريق مصرية للحوكمة العالمية، ولقاءات ثنائية كرّست شبكة تحالفات وشراكات تمتد على العديد من العواصم الفاعلة، خرجت القاهرة من نيودلهي بحصيلة تؤكد أن المكانة التي صنعها الرئيس السيسي لمصر في المحيط الدولي لم تعد شعاراً، بل واقعاً يشهد عليه قادة العالم قبل شعوبه.
مشاركة مصر في قمة نيودلهي، جاءت للعام الثالث على التوالي منذ انضمامها إلى عضوية التجمع في يناير 2024، وتضم مجموعة البريكس في عضويتها 10 دول بالإضافة إلى مصر، وهم الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا، الإمارات، السعودية، إندونيسيا، إيران، وإثيوبيا .
وأهمية هذه القمة، جاءت في ظل ما يعانيه العالم من أزمات عسكرية وسياسية وأقتصادية، لذلك جاءت دعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، إلى أهمية تعزيز التعاون لدعم قوة واستقلال دول تجمع بريكس، لتؤكد التوجه الذى يسعى إليه التجمع، خاصة مع تشديد مودى على أن بريكس ليس موجها ضد أحد. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مشاركة الرئيس السيسي في القمة من خلال مسارين متوازيين: أولهما سياسي واستراتيجي يتعلق بمحددات الموقف المصري من القضايا الإقليمية والدولية، والثاني اقتصادي يستهدف تحويل عضوية بريكس إلى فرص حقيقية للتجارة والاستثمار والتمويل والتنمية.
تثبيت محددات الموقف المصري تجاه القضايا الإقليمية والدولية
حملت مشاركة الرئيس السيسي رسالة واضحة بأن الانفتاح على بريكس لا يعني انضمامها إلى محور دولي في مواجهة محور آخر، وإنما يأتي في إطار سياسة خارجية تقوم على تعدد الشراكات والتوازن والاستقلالية، وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل حالة الاستقطاب الدولي المتزايدة، حيث تسعى مصر إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، والاستفادة من علاقاتها مع دول بريكس دون التخلي عن علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات الدولية، وبالتالي، فإن القاهرة تتعامل مع بريكس باعتباره أداة إضافية لتعزيز هامش الحركة المصرية دوليًا، وليس إطارًا للمواجهة مع الغرب.
وفي صدارة القضايا الإقليمية التي حضرت في تحركات الرئيس السيسي خلال القمة، جاءت القضية الفلسطينية، حيث تم التأكيد على تمسك مصر بثوابتها المعروفة، وفي مقدمتها ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم.
كما يمثل أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية المصرية، في ظل الدور المحوري لقناة السويس في حركة التجارة العالمية، ومن هنا، تؤكد مصر أن استقرار طرق التجارة والطاقة لا ينفصل عن الأمن الإقليمي، وأن اضطراب الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وتسعى القاهرة داخل بريكس إلى الدفع باتجاه مقاربة تقوم على حماية الملاحة الدولية، وخفض التصعيد، ورفض عسكرة الممرات البحرية، بما يتوافق مع المصالح المصرية المباشرة.
وتحضر القارة الأفريقية بقوة في الرؤية المصرية لبريكس، ليس فقط باعتبار مصر دولة أفريقية، وإنما باعتبار أن استقرار محيطها الأفريقي يمثل جزءًا أساسيًا من أمنها القومي، ولهذا شدد الرئيس السيسي في لقاءاته على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية، مؤكدًا أن أمن السودان واستقراره يمثلان خطًا أحمر بالنسبة لمصر.
إصلاح النظام الدولي
الرسالة المصرية لا تتعلق فقط بالأزمات الإقليمية، وإنما تمتد إلى شكل النظام الدولي نفسه، فمصر تؤيد إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، وزيادة تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية، وإعطاء الجنوب العالمي مساحة أكبر في صناعة القرار، وهنا تتقاطع الرؤية المصرية مع توجه بريكس نحو تعزيز العمل متعدد الأطراف وإصلاح المؤسسات الدولية، لكن القاهرة تطرح هذا الإصلاح من منظور تحقيق توازن أكبر وعدالة دولية، وليس استبدال هيمنة دولية بهيمنة أخرى.
ماذا تريد مصر اقتصاديًا من بريكس؟
وإذا كان البعد السياسي يهدف إلى توسيع هامش الحركة المصرية دوليًا، فإن الهدف الاقتصادي الأساسي هو تحويل العضوية إلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وتكشف أرقام التجارة والاستثمار الأخيرة أن هناك بالفعل مساحة واسعة يمكن البناء عليها؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس نحو 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة 25.5%. كما ارتفعت استثمارات دول بريكس في مصر إلى نحو 3.7 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل 2.9 مليار دولار خلال الفترة المناظرة.
لكن الأهم بالنسبة لمصر ليس مجرد زيادة حجم التجارة، وإنما تغيير طبيعة هذه العلاقة، فيبقى أحد الأهداف الرئيسية هو زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى أسواق بريكس، خصوصًا أن دول التجمع تمثل أسواقًا ضخمة من حيث السكان والاستهلاك، وتحتاج مصر إلى الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات من دول بريكس إلى علاقة أكثر توازنًا تقوم على زيادة الصادرات المصرية، خصوصًا المنتجات الزراعية والغذائية، والكيماويات، والأسمدة، والمنتجات الصناعية والدوائية، وهنا تصبح عضوية بريكس فرصة لمصر لتوسيع قاعدة أسواقها وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق الخارجية.
والمكسب الأكبر لمصر من بريكس يمكن أن يأتي من الاستثمار وليس التجارة فقط، فالقاهرة تريد جذب الشركات الصينية والهندية والروسية وغيرها إلى السوق المصرية لإقامة مشروعات إنتاجية، وليس مجرد إنشاء مراكز للتوزيع أو بيع المنتجات، وتبرز في هذا السياق قطاعات السيارات ومكوناتها، والصناعات الدوائية، والطاقة، والإلكترونيات، والآلات والمعدات، والصناعات الغذائية، وهنا تستطيع مصر توظيف موقعها وشبكة اتفاقياتها التجارية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمنصة إنتاج وتصدير إلى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ولا يخفى على أعضاء بريكس أن أحد أهم عناصر القوة المصرية داخل بريكس هو الموقع الجغرافي، فالهدف ليس فقط ضمان استمرار مرور تجارة دول بريكس عبر قناة السويس، وإنما جذب الشركات التابعة لهذه الدول إلى المناطق الصناعية واللوجستية المحيطة بالقناة، وبذلك تتحول مصر من مجرد دولة تمر عبرها التجارة إلى مركز للتصنيع والتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحسابات الاقتصادية المصرية؛ لأن القيمة المضافة الحقيقية لا تأتي من مرور السفن فقط، وإنما من إقامة المصانع ومراكز الخدمات وسلاسل الإمداد المرتبطة بهذه التجارة.
كما تسعى مصر كذلك إلى الاستفادة من مؤسسات بريكس المالية، وعلى رأسها بنك التنمية الجديد، في تمويل مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل والتنمية المستدامة، وتزداد أهمية هذا المسار في ظل الضغوط التمويلية التي تواجهها الدول النامية، حيث أكد الرئيس السيسي أهمية تطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة وتعزيز دور بنك التنمية الجديد.
وبالنسبة لمصر، يمكن أن يعني ذلك توسيع قاعدة مصادر التمويل وعدم الاعتماد على قناة واحدة للحصول على التمويل الخارجي.
ويظل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، وجذب استثمارات في هذا المجال، هو الهدف الأهم، لهذا ركز الرئيس السيسي على التعاون في الذكاء الاصطناعي والابتكار ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التصنيع، وتستطيع مصر الاستفادة من القدرات التكنولوجية والصناعية الكبيرة لدى دول مثل الصين والهند، بحيث يتحول الاستثمار الأجنبي من مجرد تمويل للمشروعات إلى وسيلة لتطوير الصناعة المصرية ورفع إنتاجيتها وقدرتها التصديرية.
كما يمثل الأمن الغذائي هدفًا استراتيجيًا آخر، فوجود مصر داخل تجمع يضم دولًا منتجة ومصدرة للحبوب والطاقة والسلع الأساسية، مثل روسيا والبرازيل، إلى جانب قوى اقتصادية وتجارية كبرى، يفتح مجالًا لبناء شراكات أكثر استقرارًا في مجال تأمين الغذاء، ولهذا طرح الرئيس السيسى، أهمية تطوير مركز للحبوب واللوجستيات في مصر، بما يدعم الأمن الغذائي ويعزز مكانة البلاد كمركز إقليمي للتجارة.
أفكار مصرية لتطوير البريكس
وبالعودة إلى مشاركات الرئيس في القمة، فخلال مشاركته بالجلسة المغلقة لرؤساء وفود الدول الأعضاء، والتي جاءت بعنوان «الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز العمل متعدد الأطراف»، والتى شهدت اعتماد «إعلان نيودلهي الصادر عن قادة تجمع البريكس» كوثيقة ختامية للقمة، أكد الرئيس السيسى أن التطورات الراهنة فى الشرق الأوسط، وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد العالمى، وحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، تؤكد على الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية، وتدرك مصر، بحكم موقعها الإستراتيجى، ودورها المحورى فى حركة التجارة العالمية - أهمية الحفاظ على استقرار وحرية الملاحة الدولية. ومن ثم؛ ينبغى أن نواصل البناء على ما تحقق فى إطار البريكس، وتوظيف إمكانات دولنا، بأن نقيم مشروعات وبرامج محددة، تدعم أهداف التنمية المستدامة، وتنوّع مصادر النمو، وتعزز الإنتاجية، وتقلص الفجوات التنموية والتكنولوجية.
كما أشار الرئيس إلى ما تمثله الديون، وضيق الحيز المالى من تحديات متزايدة، وقال: "تقدر مصر ما شهدته أجندة التعاون الاقتصادى والمالى للبريكس، من جهود لإصلاح الهيكل المالى الدولى، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة، فضلاً عن تقوية دور "بنك التنمية الجديد"، واعتماد إستراتيجيته للفترة من ٢٠٢٧ إلى ٢٠٣١. ونأمل أن تسهم كل هذه الجهود، فى تعزيز الاستجابة للاحتياجات التمويلية للدول الأعضاء".
وتناول الرئيس السيسى، قضية تعزيز الأمن الغذائى والأمن المائى وأمن الطاقة، وقال إنها ملفات تكتسب أهمية خاصة، فى ظل ما تواجهه الدول النامية، من ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد بما يؤكد أهمية تبنى مقاربة متكاملة، تراعى الترابط الوثيق فيما بينها، معرباً عن تقديره لما شهده مسار التعاون بمجالى الزراعة والبيئة، من تقدم مهم فى مجالات الأمن الغذائى، والزراعة المستدامة، والإدارة المستدامة للموارد المائية، مشيراً إلى مواصلة مصر العمل، على تطوير مركز للحبوب واللوجستيات، بما يدعم أمن الغذاء، ويعزز مكانة مصر؛ كمركز إقليمى للتجارة واللوجستيات.
وشدد الرئيس السيسى، إن مصر تنظر إلى البريكس، باعتباره فرصة واعدة، وإطاراً فعالاً لبناء شراكات عملية، وتطوير منظومة اقتصادية دولية، أكثر توازناً وقدرة على تلبية تطلعات دولنا وشعوبنا، مؤكدا استعداد مصر لمواصلة الإسهام بصورة بناءة، من خلال دعم المشروعات المشتركة، وتعزيز الشراكات، والاستفادة من موقع مصر الإستراتيجى، فى دعم التجارة والاستثمار، والربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.
كما أكد الرئيس السيسى، تطلع مصر، إلى تولى رئاسة تجمع البريكس فى المستقبل القريب، والتزامها بالاستمرار فى العمل الوثيق مع الدول الأعضاء، لتطوير التعاون فى كافة المجالات، وترجمة إمكاناتنا وقدراتنا إلى شراكات ملموسة، تدعم التنمية وتحقق المصالح المشتركة، من أجل بناء مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوبنا.
وفى اليوم الثانى للقمة، شارك الرئيس السيسي، في الجلسة المفتوحة وغداء العمل لقادة الدول الأعضاء والدول الشريكة في تجمع البريكس، والتي انعقدت تحت عنوان "الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة: صياغة مستقبل النمو العالمي الشامل"، والقى كلمة أكد خلالها أهمية بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود، من خلال تنويع مصادر النمو، وتعزيز سلاسل الإمداد، والاستثمار فى الإنسان والتكنولوجيا، وتوسيع آفاق التعاون بين دول الجنوب.
وأشار الرئيس إلى الاهتمام الذى توليه مصر لتعزيز التعاون فى مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعى، ونقل التكنولوجيا وتوطينها بما يمكن معه استفادة دولنا بشكل أكبر، من التحولات التكنولوجية، وتعزيز دور الشباب فى اقتصاد المستقبل، وقال إن الاستدامة تكتسب أهمية خاصة، فى ظل التحديات المرتبطة بأمن الطاقة والغذاء، والمياه وتغير المناخ. ومن هذا المنطلق؛ تؤمن مصر بأهمية توسيع التعاون، فى مجالات الطاقة النظيفة والمتجددة، وتطوير كفاءة استخدام الموارد، وتيسير نفاذ الدول النامية إلى التمويل والتكنولوجيا، اللازمين للتحول نحو اقتصادات أكثر استدامة، مع مراعاة اختلاف الظروف والأولويات الوطنية.
كما أكد الرئيس اهتمام مصر باستدامة البنية التحتية وشبكات النقل واللوجستيات، مشيراً إلى ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من توسع كبير فى تطوير الموانئ ومحاور الربط وشبكات النقل، بما يعزز كفاءة حركة التجارة، ويدعم التحول الأخضر فى النقل البحرى، ويقوى الترابط الإقليمى، موضحاً ان قناة السويس تأتى فى قلب هذه المنظومة، باعتبارها أحد أهم الممرات لحركة التجارة الدولية بما يضع على عاتق مصر؛ دورا فى دعم استقرار سلاسل الإمداد، وتعزيز كفاءة واستدامة حركة التجارة العالمية.
وشدد الرئيس السيسى، على أن "المرونة الاقتصادية؛ لا تنفصل عن قدرتنا على ضمان أمن الغذاء والطاقة، والحفاظ على سلاسة حركة التجارة والاستثمار، والتعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد، ومن ثم؛ نرى أهمية مواصلة العمل، على زيادة التجارة والاستثمار بين دول البريكس وشركائها، وتشجيع المشروعات المشتركة، بما يعزز الترابط الاقتصادى، ويقلل من أثر الصدمات الخارجية".
وشدد الرئيس السيسى على "أن نجاح شراكتنا؛ لا يتوقف على الاتفاق على الأولويات، وإنما يتطلب ترجمتها إلى مشروعات واستثمارات وشراكات ملموسة. وتؤكد مصر استعدادها، لمواصلة العمل مع الدول أعضاء وشركاء البريكس، والاستفادة من إمكاناتها وموقعها الإستراتيجى، لتعزيز التعاون فى مجالات الطاقة والغذاء، والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا والاستثمار بما يسهم فى بناء شراكة؛ أكثر ترابطا وقدرة على الصمود".
تنويع الشراكات
وعلى هامش القمة، عقد الرئيس السيسى عدد من اللقاءات المهمة مع القادة والزعماء المشاركين، وشكّل اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مساء الجمعه الماضية، أبرز محطات المشاركة المصرية؛ حيث أكد الرئيس الروسي أهمية الموقف المصري تجاه التطورات والأحداث التي يشهدها العالم، وقال "إن موقف مصر بالنسبة لنا مهم للغاية"، وشدد على حرص بلاده على استمرار التواصل والتنسيق مع القاهرة بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
ووجه حديثه إلى الرئيس السيسي بقوله: "أنت صديق مقرب جداً بالنسبة لنا".واستذكر بوتين محطات التعاون المشترك بين البلدين، ومنها إطلاق منصة قمة روسيا-أفريقيا خلال فترة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، موضحاً أن ذلك حدث خلال لقاء جمعهما في مدينة سوتشي، وأن البلدين سيشهدان فعالية جديدة في إطار هذه القمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، كشف الرئيس السيسي خلال اللقاء أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، فيما أكد بوتين أنه يتابع شخصياً تنفيذ المشروعات الكبرى المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية التي يجري تنفيذها بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، والمقرر دخول وحداتها تباعاً على خط الإنتاج بحلول عام 2028.
وتناولت المباحثات كذلك ملف إمدادات الحبوب؛ حيث وجه الرئيس السيسي الشكر لنظيره الروسي على الدعم المقدم لمشروع الضبعة النووي، وبحث الجانبان التعاون في تأمين إمدادات القمح والحبوب، وهو ملف يحظى بأولوية قصوى للأمن الغذائي المصري.
وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، إن الرئيسين أكدا حرصهما على مواصلة العمل لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والتعاون المشترك في مختلف المجالات، تحقيقاً لصالح البلدين والشعبين الصديقين، حيث أشار الرئيس السيسى، إلى المشروعات المحورية الجاري تنفيذها بمصر في إطار الشراكة المصرية الروسية، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلًا عن التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة، مشدداً على حرص مصر على تذليل أي تحديات قد تواجه تنفيذ المشروعات المشتركة، مرحبًا باعتماد السلطات الروسية المعنية مطاري الإسكندرية والعلمين الدوليين، بما يسهم في تعزيز حركة السياحة الروسية إلى مقاصد جديدة داخل مصر.
من جانبه، أكد الرئيس الروسي التزام بلاده بمواصلة توثيق أواصر التعاون مع مصر، والإسهام في دعم جهود الدولة المصرية الهادفة لتحقيق التنمية الشاملة، وتنفيذ المشروعات الكبرى وفقًا للبرامج الزمنية والمواصفات المتفق عليها.
وتبادل الزعيمين الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكدا وجوب التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة، استنادًا إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية. وفي هذا الإطار، استعرض الرئيس السيسى، جهود مصر للدفع بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، مشددًا على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية اللازمة بشكل كافٍ ومستدام، للتخفيف من معاناة سكان القطاع.
كما تطرق اللقاء إلى الأزمة الإيرانية، حيث أكد الرئيسان أولوية خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ينهي الأزمة بالوسائل السلمية. وفيما يتعلق بالوضع في السودان، بحث الزعيمان التطورات الراهنة، وشددا على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية. وشدد الرئيس السيسى، على أن المساس بأمن السودان الشقيق ووحدته وسيادته يمثل خطًا أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.
كما التقى الرئيس السيسي، بناريندرا مودي رئيس وزراء الهند، في لقاء تناول سبل تطوير العلاقات المصرية الهندية والبناء على ما تشهده من زخم متنامٍ منذ الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2023، حيث أكد الرئيس أهمية مواصلة اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز هذه الشراكة، بما في ذلك رفع حجم التبادل التجاري إلى 12 مليار دولار، وزيادة الاستثمارات الهندية في مصر، خاصة في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة وصناعة السيارات، كما أشار إلى المزايا التنافسية التي تتمتع بها مصر، وفي مقدمتها موقعها الاستراتيجي، وطاقاتها البشرية المؤهلة، وشبكة واسعة من اتفاقات التجارة الحرة، فضلًا عن الحوافز التي توفرها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وغيرها من المناطق الصناعية.
وأكد رئيس وزراء الهند، حرص بلاده على مواصلة تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، مشيدًا بالدور المحوري لمصر في محيطها الإقليمي، وبما تمتلكه من إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة، كما شدد على تشجيع حكومته للشركات الهندية على زيادة استثماراتها في مصر واستكشاف الفرص المتاحة، وعلى أهمية تعظيم دور مجتمعَي الأعمال في البلدين وتوثيق الروابط بينهما، بما يدعم المشروعات المشتركة ونقل الخبرات والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تم بحث فرص التعاون في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام القطاع الخاص في البلدين.
وأيضاً التقى الرئيس السيسي، بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث شدد الرئيس على موقف مصر الثابت والراسخ في دعم جهود استعادة الاستقرار في المنطقة، مؤكداً تطلع مصر إلى قيام ايران بكافة الجهود الممكنة لوقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة للأزمة، بما يكفل صون سيادة دول المنطقة وحماية مقدرات شعوبها. كما شدد الرئيس على حتمية وقف أي اعتداءات على الدول العربية، حفاظاً على مبادئ حسن الجوار وتعزيزا للروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة.
وكذلك التقى الرئيس السيسى، بالرئيس سيريل رامافوزا، رئيس جنوب أفريقيا، في لقاء تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث أشاد الرئيس بما تشهده العلاقات من تطور مستمر، معرباً عن التطلع للارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، منوهاً بأهمية العمل الجاري لترفيع اللجنة المشتركة إلى مستوى اللجنة العليا، لتصبح إطاراً تنظيمياً جامعاً لتطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز التجارة والاستثمارات المشتركة، بما يتناسب مع قدرات البلدين ودورهما الرائد على المستويين الأفريقي والدولي. كما أكد الرئيس اهتمام مصر بتعزيز التعاون مع جنوب أفريقيا في مشروعات الربط القاري وإنشاء ممرات تجارية أكثر كفاءة بين شمال وجنوب القارة، بما يسهم في دعم التكامل الاقتصادي بين الدول الأفريقية وتحقيق مصالح شعوبها الشقيقة.
كما التقى الرئيس السيسى، مع أنطونيو جوتيريش، سكرتير عام الأمم المتحدة، الذى شكر الرئيس، على الدعم المصري الذي حظي به خلال ولايتيه منذ عام ٢٠١٧، مشيداً بالدور الرائد الذي تضطلع به مصر، بقيادة الرئيس، في تعزيز قيم الحوار والسلام والتعايش، ودعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلاً عن جهودها الإنسانية والتعاون المثمر مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
وتناول اللقاء تطورات عدد من القضايا الإقليمية الراهنة، حيث أكد الرئيس أن تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط يستوجب التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقاً لمقررات الشرعية الدولية، بما يضمن السلام الدائم والاستقرار الإقليمي. واستعرض جهود مصر، بالتنسيق مع الوسطاء، لتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، مشدداً على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته لضمان إدخال المساعدات الإنسانية الكافية واللازمة إلى سكان القطاع.
وفي ذات السياق، تم التطرق إلى الأزمة السودانية، حيث شدد الرئيس على أن المساس بأمن ووحدة وسيادة السودان الشقيق يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.
كما التقى الرئيس السيسي، بالرئيس برابوو سوبيانتو، رئيس إندونيسيا، في لقاء تناول مجمل العلاقات المصرية الإندونيسية، خاصة عقب توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في أبريل ٢٠٢٥.