حرب المضايق من هرمز إلى باب المندب.. شرايين المنطقة تحت خط النار
السبت، 19 سبتمبر 2026 08:00 م
ضغط على سلاسل الإمداد.. وارتفاع المخاطر يرفع كلفة الشحن والتأمين.. وتهديد الملاحة يضغط على الاقتصاد العالمى
باتت الممرات البحرية في الشرق الأوسط، جزء أساسي من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، بعدما أصبح التحكم في حركة الملاحة أو تهديدها إحدى أدوات الصراع والضغط السياسي والعسكري، متحولة من مجرد طرق لعبور السفن ونقل النفط والغاز والبضائع إلى إحدى أهم شرايين الحياة في المنطقة، والأخطر أنها باتت تستخدم ورقة للابتزاز السياسي ما جعل الأمر يمثل خطرا واسعا على أمن واستقرار الإقليم.
فما يجري في مضيق هرمز، وما يتزامن معه من تطورات في باب المندب والبحر الأحمر، يكشف أن أي اضطراب في هذه الممرات يمكن أن يتجاوز حدود الدول المطلة عليها، لينتقل تأثيره إلى الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة والغذاء، والتطورات الأخيرة تقدم صورة واضحة على ذلك، في هرمز تعرضت ناقلات نفط لهجمات خلال الأيام الأخيرة، فيما أعلنت سلطنة عمان فقدان بحارين وإنقاذ 23 آخرين بعد تعرض ناقلة لهجوم، بينما لا تظهر التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز أي علامات على التراجع، في حين تشير التقارير الصادرة حديثا إلى أن الصراع قد كلف واشنطن عشرات المليارات من الدولارات وألحق أضرارا جسيمة بالمعدات والقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وبعد أن كان الأمر قريبا من الإنفراج، أعلنت إيران تأجيل اجتماع كان مقررا في سلطنة عمان بشأن مضيق هرمز، وقالت إن السعودية طلبت التأجيل بسبب الوضع في اليمن، بينما اعتبرت طهران المبرر السعودي غير مقنع، وفي الوقت نفسه، أعلنت البحرين أنها لن تشارك في اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين هذه التطورات تكشف أن أمن الممرات البحرية، حاضرا في كل الحسابات السياسية والدبلوماسية لدول المنطقة، وبات جزءا من المفاوضات والرسائل المتبادلة بين الدول.
كما أن التأثير الاقتصادي لا يقف عند حدود الخطر الذي تتعرض له السفن وطاقمها، لكنها تضيف عاملا جديدا إلى حسابات شركات النقل والتأمين، التي أصبحت مطالبة بالتعامل مع ممر بحري شديد الحساسية، وسط تصعيد عسكري مستمر وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج التصعيد في هرمز، فالممر البحري لا يحتاج إلى إغلاق كامل حتى تبدأ آثاره الاقتصادية، فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير المسارات، أو رفع تكلفة التأمين، أو البحث عن طرق أطول، وهو ما يعني زيادة تكلفة نقل الطاقة والسلع حتى بالنسبة للسفن التي لا تتعرض لهجوم مباشر.
ولا يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل يمثل عنق زجاجة للطاقة العالمية، إذ تعبره يوميا ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط والمكثفات والمنتجات النفطية، أي ما يقارب 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، كما تمر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في منظومة أمن الطاقة الدولية.
ويظل مضيق هرمز نقطة الضعف الأكثر حساسية، في العالم فقد تراجع متوسط حركة سفن السلع عبر المضيق إلى نحو 10 سفن يوميا خلال الأيام الأخيرة، مقارنة بأكثر من 15 سفينة في بعض الفترات السابقة، وتكشف أسعار الشحن عن جانب من هذه الصورة، إذ تجاوز استئجار ناقلة نفط على أحد المسارات التقليدية في الخليج مليون دولار يوميا وفق تقارير إعلامية، في وقت أصبحت فيه شركات النقل أكثر حذرا في التعامل مع الرحلات التي تمر بالمضيق وهكذا ينتقل أثر الأزمة من البحر إلى السوق، حيث أدى ارتفاع المخاطر إلى رفع تكلفة النقل، وارتفاع تكلفة النقل ما ينعكس على أسعار الطاقة والسلع، ومع استمرار الأزمة يصبح المستهلك في دولة بعيدة عن الخليج أو البحر الأحمر طرفا غير مباشر في أزمة بدأت عند أحد الممرات البحرية.
وإذا كان مضيق هرمز يمثل نقطة شديدة الأهمية في حركة الطاقة القادمة من الخليج، فإن باب المندب يمثل حلقة أساسية في طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، باعتباره المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس ولهذا فإن ما يحدث على الساحل اليمني لا يمكن النظر إليه باعتباره تطورا داخل الحرب اليمنية فقط، فخلال الأيام الأخيرة، سيطر الحوثيون على مدينة المخا وجزيرة بريم، بالتزامن مع تحذيرات من تداعيات هذه التطورات على الملاحة في باب المندب وسلاسل الإمداد العالمية.
وتزداد أهمية هذه التطورات في ظل اضطراب الملاحة في هرمز، لأن الضغط على أحد الممرين يرفع أهمية الممر الآخر، وبمعنى أبسط، عندما تتراجع قدرة السفن على استخدام هرمز بأمان، تصبح طرق التصدير الأخرى أكثر أهمية، وفي مقدمتها المسارات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب ومن هنا يصبح أي تهديد جديد في باب المندب أكثر خطورة، لأنه يأتي في وقت تعاني فيه حركة الطاقة والتجارة من اضطراب في الخليج.
ويمر عبر باب المندب ما بين 10 و12% من التجارة البحرية العالمية، ويمثل أي تعطيل له ضغط واسع على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا ويرفع تكاليف الطاقة والسلع، وبالتالي فإن أي شركة أمام خيار المرور في منطقة عالية المخاطر أو اتخاذ طريق أطول ستضع في حساباتها تكلفة الوقود والوقت والتأمين، وفي النهاية من يدفع فاتورة هذه الاضطرابات هو السوق العالمي.
وتزداد التحذيرات الدولية من أن تصاعد التوتر في باب المندب سيؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن أكثر من الوقت الراهن، بعدما سجلت تكلفة نقل النفط من الخليج إلى آسيا مستويات مرتفعة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار شحن الحاويات، وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بإمكانية توقف السفن عن العبور، وإنما بارتفاع تكلفة العبور حتى عندما يستمر تدفق السفن بصورة أقل من الطبيعي.
المشهد في هرمز وباب المندب يكشف تحولا مهما في طبيعة الصراعات بالمنطقة، فالجغرافيا البحرية التي كانت في السابق مجرد عامل ثابت في حركة التجارة، أصبحت اليوم جزءا من الحسابات العسكرية والسياسية ففي هرمز، تمتلك إيران موقعا جغرافيا يمنحها قدرة على التأثير في واحد من أهم ممرات الطاقة العالمية، وفي باب المندب، يمنح وجود الحوثيين على الساحل اليمني وقدرتهم على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، الصراع اليمني قدرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية، وهذا ما يجعل البحر جزءا من المعركة حتى عندما تكون أسباب الصراع الأساسية هي توسيع النفوذ السياسي والعسكري على الأرض.
وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد حذر من التعامل مع أي تغيير عسكري قرب باب المندب باعتباره شأنا يمنيا فقط، مؤكدا أن حماية الساحل اليمني وأمن باب المندب مصلحة يمنية ومصرية وعربية ودولية، لأن أي تهديد للمضيق يمتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.
وتزداد خطورة المشهد عندما ننظر إلى هرمز وباب المندب باعتبارهما جزءا من طريق واحد يصل الخليج بالأسواق الآسيوية والأوروبية، فالطاقة التي تغادر الخليج تحتاج إلى المرور عبر شبكة من الممرات البحرية، والتجارة القادمة من آسيا إلى أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على البحر الأحمر وقناة السويس وبالتالي، فإن اضطراب الممرين في الوقت نفسه لا يعني فقط وجود أزمتين منفصلتين، وإنما يعني تعرض طريق تجاري متكامل لضغوط في أكثر من نقطة، وهذا ما يفسر ارتفاع أهمية التطورات الأخيرة في باب المندب، بالتزامن مع استمرار المخاطر في هرمز.
اللافت أن التعامل مع هرمز وباب المندب باعتبارهما مجرد ممرين للنفط والغاز أو لحركة السفن، قد لا يعكس كامل حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه اضطرابات الملاحة، فالمشكلة لا تتوقف عند تأخر شحنة أو تغيير مسار سفينة، وإنما تمتد عبر سلاسل إمداد مترابطة، من الطاقة والنقل إلى الأسمدة والإنتاج الزراعي والغذاء.
وتحذر تقارير أممية حديثة من هذا الترابط، إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن اضطرابات هرمز ونقص الأسمدة قد ينعكسان على المحاصيل والإمدادات الغذائية خلال النصف الثاني من 2026 وحتى 2027، خصوصا أن الأسمدة تحتاج إلى الوصول في توقيتات محددة خلال الموسم الزراعي، وأي تأخير قد يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها، بما يؤثر في الإنتاجية.
وتوضح منظمة الأونكتاد أن نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرا عالميا يمر عبر مضيق هرمز، بينما ترتبط الأسمدة نفسها بالطاقة، مؤكدة أن الغاز الطبيعي عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة، ما يعني أن اضطراب الطاقة والنقل يمكن أن ينتقل سريعا إلى تكلفة الإنتاج الزراعي ثم إلى أسعار الغذاء.
ولا تبدو الدعوة المصرية إلى حماية الملاحة منفصلة عن التطورات الأخيرة فخلال لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، أكدت مصر والسعودية ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، كما جدد الرئيس السيسي دعم مصر للإجراءات السعودية لحماية أمن المملكة واستقرارها، وللتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
والموقف نفسه ظهر في تحركات مصرية أخرى، فوزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي أكد على ضرورة ضمان أمن وسلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بما يضمن انسياب حركة التجارة وامدادات الطاقة الدولية، وهنا تتضح الرسالة المصرية أن الممرات البحرية يجب أن تظل مفتوحة وآمنة، وألا تتحول إلى ورقة في الصراعات الدولية، لذلك فإن حماية الممرات البحرية تحتاج إلى معالجة مصادر التهديد على الأرض، ودعم مؤسسات الدول المطلة على الممرات، وتقليل فرص استخدام السواحل والجزر كنقاط انطلاق للهجمات.
الخطر الأكبر أن تصبح الأزمة دائمة، وهنا ربما تكمن المشكلة الأهم، فالتهديد المؤقت للملاحة يمكن احتواؤه، لكن استمرار حالة عدم اليقين لفترة طويلة قد يغير سلوك الشركات نفسها ومن ثم ستكون محاولة البحث عن بدائل أمر ضروري، ومن هنا تكتسب الدعوة المصرية إلى ضمان حرية وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر أهمية خاصة، لأنها تتعامل مع القضية باعتبارها جزءا من أمن المنطقة واستقرارها، وليس مجرد أزمة ملاحة عابرة.