من «الجهاز الخاص» إلى «حسم».. الإرهاب يتحول إلى عقيدة إخوانية

السبت، 19 سبتمبر 2026 11:00 م
من «الجهاز الخاص» إلى «حسم».. الإرهاب يتحول إلى عقيدة إخوانية
محمد الشرقاوي

علاء السماحي.. القاتل المأجور الذى أعاد إحياء الجناح المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية بخلايا عنقودية واتصالات أكثر سرية

يطبق أفكار سيد قطب.. وصنفته الخارجية الأمريكية في 2021 "إرهابياً" لمشاركته في التخطيط للهجمات وتمويل الحركة وتوزيع الأموال

مثّل حلقة الوصل بين قادة الجماعة واللجان النوعية.. وصاغ استراتيجية القتل والأغتيال لحركتي حسم ولواء الثورة

 

من رحم الفكر خرج العنف، ومن دهاليز التنظيم خرج السلاح، ومن خطاب الكراهية تولدت قوائم الأهداف.. من هنا تبدأ حكاية علاء السماحي؛ أحد أبرز وجوه حركة "حسم" الإرهابية، الذراع المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية، وأحد النماذج التي تكشف الطريق الذي سلكته الأفكار المتطرفة حتى وصلت إلى مربع الاغتيال واستهداف مؤسسات الدولة.

في عام 2015 ظهر اسم "حسم" على خريطة العنف المسلح في مصر، وسرعان ما ارتبط بسلسلة من العمليات التي طالت قوات الشرطة ومسؤولين وشخصيات عامة، ثم جاء شهر يناير 2021 ليضع السماحي والحركة تحت "تصنيف الإرهاب" الأمريكي، في خطوة تعكس حجم الدور الذي نسب إلى الرجل داخل البنية القيادية والعملياتية للحركة.

السماحي هنا يمثل أكثر من قيادي في تنظيم مسلح، قصته تفتح ملفاً أكبر: ملف الأفكار التي أعادت تشكيل مفهوم الدولة، ووسعت دائرة الخصومة، ودفعت أصحابها من ساحات الصراع السياسي إلى ساحات الدم، وبين النصوص المتشددة، والخلايا السرية، وخطط الاغتيال، تشكل مسار كامل يربط الفكرة بالتنظيم ثم بالرصاصة.

وتكشف العمليات المنسوبة إلى "حسم" حجم هذا التحول؛ من استهداف رجال الشرطة إلى محاولات اغتيال شخصيات عامة، وصولاً إلى محاولة استهداف المفتي الأسبق علي جمعة، وأمام هذه الوقائع يبرز السؤال الأهم: كيف تحولت أفكار التطرف إلى مشروع عمل مسلح؟ وكيف خرجت من الكتب والمنشورات إلى غرف التخطيط والتنفيذ؟..

وفتح ملف علاء السماحي يعني فتح خزائن الفكر القطبي، وتتبع انتقال أفكاره بين الأجيال والتنظيمات، ورصد البيئة التي صاغت خطاباً يحوّل مؤسسات الدولة إلى ساحات صراع، والعنف إلى أداة للحسم، فهو تمثيل حي لرحلة تبدأ بفكرة، تتشكل داخل تنظيم، وتنتهي عند فوهة السلاح؛ رحلة تكشف كيف تتحول العقيدة إلى مشروع، والمشروع إلى تنظيم، والتنظيم إلى دم.

 

السماحي وعقيدة الصدام

حين تأسست جماعة الإخوان الإرهابية عام 1928، حملت معها منذ سنواتها الأولى تنظيماً سرياً مسلحاً عُرف لاحقاً باسم "الجهاز الخاص"، تحول مع الوقت إلى أحد أبرز الأذرع التي جسدت الوجه المغلق للجماعة، جهاز جمع بين السرية والتدريب العسكري وتخزين السلاح، ودخل في عمليات عنف سياسي خلال أربعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر 1948.

كشفت هذه المرحلة عن حضور مبكر لمنظومة العمل السري واستخدام القوة داخل البيئة الإخوانية، وراكمت خبرات تنظيمية في بناء الخلايا، وإخفاء النشاط، وإدارة المواجهة بعيداً عن الأطر العلنية، ومع تصاعد الصدام مع الدولة ومؤسساتها خلال العقود التالية، انتقلت هذه الخبرة إلى مراحل أكثر تعقيداً، وأخذت المواجهة أبعاداً فكرية وتنظيمية تجاوزت حدود العمل السري التقليدي.

لتأتي فترة الخمسينيات؛ لتفتح فصلاً أكثر دموية في هذا المسار، ففي 26 أكتوبر 1954، تعرض الرئيس جمال عبدالناصر لمحاولة اغتيال أثناء إلقائه خطاباً في الإسكندرية، من قبل الإخواني محمود عبداللطيف، لتعقبها اعتقالات ومحاكمات واسعة، ودخل التنظيم مرحلة جديدة من العمل السري، بينما تركت القضية أثراً عميقاً في علاقة الجماعة بالدولة ومؤسساتها.

وفي ظل هذه البيئة، أخذ الصدام شكلاً فكرياً أكثر وضوحاً داخل كتابات سيد قطب، الذي بلور في مؤلفاته المتأخرة مفاهيم الجاهلية والحاكمية والمفاصلة، وقدم تصوراً أكثر حدة للعلاقة بين الجماعة والمجتمع والدولة.

ومع قضية تنظيم 1965، انتقلت هذه الأفكار إلى مستوى تنظيمي اتسم بالتخطيط السري ومواجهة النظام، في قضية وجهت فيها السلطات اتهامات بالتخطيط لقلب نظام الحكم واغتيال عبدالناصر.

ومع مرور الوقت، خرجت أفكار قطب من إطارها النظري إلى فضاءات تنظيمية أكثر تشدداً، وتلقفتها تيارات وجماعات أعادت تفسيرها وفق رؤيتها للعلاقة مع الدولة ومؤسساتها، وهكذا امتد تأثير الفكر القطبي عبر أجيال متعاقبة، وتداخل مع خبرات العمل السري والتكوين الخلوي، ليظهر لاحقاً في تنظيمات اتخذت من العنف المسلح وسيلة مباشرة في مواجهة مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق ظهرت حركة "حسم" الإرهابية عام 2015، لتقدم نموذجاً أكثر حداثة لهذا المسار؛ تنظيم مسلح، خلايا عنقودية، عمليات نوعية، وخطاب يضع مؤسسات الدولة في قلب المواجهة، وفي وسط هذا الصخب وبرز علاء السماحي كأحد أبرز القيادات المرتبطة بالحركة، لتتخذ القصة شكلاً أكثر وضوحاً: أفكار متشددة، خبرات تنظيمية متراكمة، ثم تنظيم مسلح يستعيد أدوات الصدام في صورة جديدة.

وهنا تكمن دلالة تجربة السماحي داخل هذا السياق؛ فالرجل ظهر في مرحلة متأخرة من مسار طويل تراكمت خلاله خبرات السرية والتنظيم والعمل المسلح، وانتقلت خلاله أفكار الصدام من جيل إلى آخر، وتبدلت خلاله الأسماء والأدوات، بينما ظلت المواجهة مع مؤسسات الدولة حاضرة في خطاب التيارات الأكثر تشدداً.

من «الجهاز الخاص» إلى «حسم» يمتد خيط طويل من العنف السياسي داخل البيئة الإخوانية؛ بدأ بالسلاح والخلايا السرية، ومر بالاغتيال والصدام التنظيمي، وانتهى إلى تنظيمات أكثر تطوراً، ظهر في مقدمتها علاء السماحي؛ لكن السلاح يفسر أداة الصدام، بينما تكشف الأفكار دوافعه؛ فمن يحدد الخصم؟ ومن يمنح المواجهة مشروعيتها؟ وكيف يتحول الصراع مع الدولة من خلاف سياسي إلى معركة عقائدية؟ هنا تفتح الحكاية خزانة الفكر، للبحث في الجذور التي غذّت أكثر مراحل التطرف تشدداً.

 

الفكر القطبي والتخريب الممنهج

إذا كان السلاح قد كشف وجه الصدام، فإن الفكر يكشف كيف جرى بناء هذا الصدام داخل الوعي التنظيمي، وفي هذا السياق تبرز كتابات سيد قطب بوصفها محطة مفصلية في تطور الخطاب الأكثر تشدداً؛ إذ أعادت تعريف مفاهيم المجتمع والدولة والسلطة والشرعية، ودفعت بها من مساحة الإصلاح والتغيير إلى مساحة المواجهة الشاملة.

وعلى مدار عقود ارتبطت أفكار قطب بتشكيل تيارات جهادية عدة، خصوصاً من خلال مفاهيم وردت في أعماله المتأخرة مثل "معالم في الطريق"، وفي هذا التصور، احتلت "الجاهلية" موقعاً مركزياً في قراءة الواقع؛ إذ جرى تقديم المجتمعات التي لا تحكم وفق التصور الذي طرحه قطب باعتبارها واقعة خارج النموذج الإسلامي المنشود.

ومع مفهوم "الحاكمية" برزت السلطة الإلهية باعتبارها المرجعية العليا للحكم، بينما طرحت "المفاصلة" تصوراً للانفصال عن الواقع القائم وبناء جماعة تحمل مشروع التغيير، وهذه المفاهيم اكتسبت لاحقاً تفسيرات أكثر راديكالية لدى جماعات تبنت العنف، وربطت إسقاط النظم القائمة بإقامة نظام بديل وفق تصورها العقائدي.

ومن هنا بدأت أخطر عملية في مسار الفكر المتطرف: "تحويل الخلاف مع الواقع إلى حكم على الواقع"، فبدلاً من التعامل مع الدولة والمجتمع باعتبارهما مجالاً للصراع السياسي والاجتماعي، أعادت القراءة الأكثر تشدداً تصنيفهما داخل ثنائية "جاهلية" و"إسلام"، ثم جعلت التغيير مهمة تتولاها "طليعة" مختارة تحمل التصور الصحيح وتقود عملية التحول، ومع انتقال هذه الرؤية إلى الأطر التنظيمية، أصبح تحديد الخصم جزءًا من البناء العقائدي نفسه.

وتزداد خطورة هذا التحول حين تقترن الفكرة بمنطق "المفاصلة"؛ فالمفاصلة هنا تتجاوز الاختلاف في الرأي إلى بناء هوية تنظيمية مستقلة عن المجتمع المحيط، تتعامل مع نفسها باعتبارها نواة التغيير، وعندما تصل هذه القطيعة إلى مستويات أكثر تطرفاً، يصبح المجتمع ذاته قابلاً للتقسيم وفق معيار الولاء والخصومة، وتصبح مؤسسات الدولة في مرمى خطاب يرى فيها تجسيداً للنظام الذي ينبغي تغييره.

وهنا تظهر "الطليعة" باعتبارها حلقة الوصل بين النظرية والتنظيم، فالفكرة تحتاج إلى حامل بشري، والحامل يحتاج إلى تنظيم، والتنظيم يحتاج إلى آليات للسرية والانضباط والتعبئة.

ففي قضية تنظيم 1965، تورط سيد قطب وأتباعه في التخطيط لقلب نظام الحكم واغتيال جمال عبدالناصر، وهي قضية انتهت بإعدام قطب وآخرين عام 1966، وقد ارتبطت تلك القضية لاحقاً بالنقاش حول كيفية انتقال أفكار قطب من التأمل النظري إلى مشروع تنظيمي سري.

لكن المسار الفكري لم يتوقف عند حدود هذه التجربة، خرجت أفكار قطب إلى أجيال جديدة أعادت قراءتها وفق ظروفها السياسية والتنظيمية، فظهرت تيارات أكثر عنفاً تعاملت مع مفاهيم الجاهلية والحاكمية والمفاصلة باعتبارها مدخلاً لتبرير المواجهة المسلحة.

وهنا تحديداً تحولت المعركة من "السيطرة على الدولة إلى إسقاط شرعيتها في الوعي التنظيمي"، فعندما يجري تصوير النظام القائم باعتباره فاقداً للشرعية وفق المعيار العقائدي للجماعة، يصبح إسقاطه هدفاً سابقاً على أي تسوية سياسية، وحين يضاف إلى ذلك مفهوم "الطليعة"، يتشكل تنظيم يرى نفسه صاحب مهمة تاريخية، ويمنح أعضاءه شعوراً بالاصطفاء والتميز عن المجتمع، وهي بنية تساعد التيارات المتطرفة على إنتاج الالتزام الداخلي وتبرير الصدام.

وفي هذه البيئة، أصبح العنف لدى التيارات الأكثر تشدداً نتيجة لمسار فكري وتنظيمي متكامل؛ "تعريف مختلف للواقع، ثم إعادة تصنيف للخصم، ثم منح الصراع معنى عقائدياً، ثم تحويل العقيدة إلى مهمة تنظيمية"؛ ولذلك لم يعد استخدام القوة مجرد قرار ميداني، وإنما أصبح لدى تلك التيارات جزءاً من تصور أشمل للتغيير.

ومع انتقال هذه الأفكار بين الأجيال، جرى تطوير الأدوات أكثر من تطوير جوهر الفكرة؛ تغيرت الهياكل، ظهرت الخلايا الصغيرة، تطورت وسائل الاتصال، وانتقلت التعبئة إلى الفضاء الرقمي، بينما احتفظت التيارات الأكثر تشدداً بالمفاهيم التي تمنحها تصوراً ثنائياً للعالم وحدوداً صارمة للولاء والخصومة، وفي هذه النقطة تحديداً يلتقي الإرث الفكري مع النموذج التنظيمي الذي ظهر لاحقاً في تنظيمات مسلحة حديثة.

وعند قراءة تجربة علاء السماحي في ضوء هذا المسار، تظهر أهمية الفصل بين الشخص والفكرة؛ فالسماحي يمثل مرحلة متأخرة داخل بيئة سبقتها عملية طويلة لإنتاج خطاب الصدام وإعادة تدويره داخل أجيال وتنظيمات متعاقبة، ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحاً: كيف تحولت هذه الأفكار من إرث فكري إلى أدوات تخريب وتنفيذ، وكيف أعادت تنظيمات حديثة توظيفها لإنتاج نموذج أكثر تطوراً للعنف؟

 

السماحي.. حين خرجت الأفكار من الكتب إلى السلاح

من بين الأسماء التي تصدرت المشهد داخل الجناح المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية، يبرز علاء علي محمد السماحي باعتباره أحد القيادات التي ارتبط اسمها بحركة "حسم" منذ ظهورها، قبل أن تتسع دائرة الاتهامات المحيطة به لتشمل التخطيط للعمليات، واختيار الأهداف، وإدارة جوانب من التمويل، وتوجيه العناصر من خارج مصر.

وفي يناير 2021، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية السماحي قيادياً بارزاً في "حسم"، ووصفت دوره بأنه ذو طبيعة عملياتية، مشيرة إلى مشاركته في التخطيط للهجمات، بما في ذلك اختيار الأهداف، وإدارته جوانب من تمويل الحركة وتوزيع الأموال.

ويكتسب اسم السماحي أهمية أكبر مع ما كشفته التحقيقات والاعترافات التي ظهرت خلال عام 2026؛ ففي مارس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية المصرية القبض على علي محمود محمد عبد الونيس، أحد العناصر المرتبطة بحركة "حسم"، وتضمنت اعترافاته إشارات إلى دور قيادات موجودة خارج البلاد في التخطيط للعمليات وتوزيع الأدوار بين القيادة والخلايا الموجودة في الداخل، وجاء اسم علاء السماحي ضمن القيادات التي تناولتها تلك الاعترافات في سياق التخطيط للعمليات الإرهابية خلال عام 2019.

وتضع هذه المعطيات السماحي في موقع يتجاوز دور العضو المنفذ؛ فالصورة التي ترسمها الإجراءات الأمريكية والاعترافات المنشورة خلال 2026 تشير إلى قيادي ارتبط بمستويات التخطيط والتوجيه، وهي المرحلة التي تتحول فيها الفكرة المتطرفة إلى أهداف محددة، ثم إلى عناصر مكلفة بالتنفيذ.

وتتضح طبيعة الدور المنسوب إليه أكثر عند النظر إلى القضايا المرتبطة بالجناح المسلح، فقد ارتبط التنظيم بسلسلة من العمليات التي استهدفت قوات الأمن وشخصيات عامة، من بينها محاولة اغتيال المفتي الأسبق علي جمعة، واغتيال ضابط الأمن الوطني إبراهيم عزازي، إلى جانب هجمات أخرى أعلنت الحركة مسؤوليتها عنها خلال الفترة بين 2016 و2019، وكذلك تفجير المعهد القومي للأورام في القاهرة عام 2019.

وفي ملف علاء السماحي، تتجاوز خطورة الوقائع حدود الانتماء إلى تنظيم مسلح، لتصل إلى مستوى التخطيط والاستهداف، فقد ارتبط اسمه، بمحاولات استهداف الطائرة الرئاسية، واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، واستهداف موكب مدير أمن الإسكندرية، إلى جانب مخططات طالت شخصيات مهمة، وجميعها وقائع ترسم صورة لقائد يتولى تحديد الأهداف وإدارة العمليات داخل جناح الإخوان المسلح.

ويظهر يحيى موسى إلى جوار السماحي باعتباره أحد أبرز القيادات المرتبطة بـ«حسم». ففي يناير 2021، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية الرجلين باعتبارهما من قيادات الحركة، فيما وصفت السماحي بأنه صاحب دور عملياتي شمل التخطيط للهجمات، واختيار الأهداف، وإدارة جوانب من تمويل التنظيم. وتكشف هذه المعطيات عن قيادة تتولى رسم مسار العمليات، وتحديد أهدافها، وتأمين الموارد اللازمة لتحريك الخلايا.

وتزداد الصورة وضوحاً مع اعترافات عناصر الإخوان والتحقيقات المعلنة معهم خلال 2026، والتي تناولت اتصالات بين قيادات موجودة خارج مصر وعناصر داخلها، إلى جانب توزيع الأدوار بين مستويات التخطيط والتنفيذ، وهنا في هذه البنية، يظهر "السماحي" ضمن الحلقة التي تدير الاتصال بين القيادة والخلايا، وتنقل التوجيهات من دوائر القرار إلى العناصر المكلفة بالتحرك على الأرض.

المؤكد أن "السماحي" يتحرك داخل أكثر من مستوى تنظيمي؛ يتنوع بين التخطيط، وتحديد الأهداف، وإدارة الموارد، والتنسيق مع العناصر، وهي أدوار تمنحه موقعاً يتجاوز حدود التنفيذ المباشر، وتضعه داخل دوائر صناعة القرار في الحركة، حيث تتحول التوجيهات العامة إلى خطط محددة قابلة للتنفيذ.

وتقوم هذه البنية على توزيع دقيق للأدوار؛ قيادة ترسم التصور، وحلقات تنسق الحركة، وخلايا تنفذ المهام، ويقف السماحي عند نقطة التقاء هذه المستويات، حيث تنتقل القرارات إلى مساراتها التنفيذية، وتتحول الأولويات التنظيمية إلى أهداف وعمليات.

 

السماحي وإعادة تشكيل ذراع الإخوان المسلح

مع انتقال جماعة الإخوان الإرهابية إلى العمل السري عقب 2013، بدأت إعادة ترتيب أدواتها التنظيمية، وبرز اتجاه نحو بناء مجموعات أكثر مرونة وقدرة على الحركة بعيداً عن الهياكل التقليدية، وهنا ظهر علاء السماحي داخل واحدة من أكثر التجارب التنظيمية ارتباطاً بالنشاط المسلح، لتتحول "حسم" إلى نموذج يعكس محاولة إعادة بناء الذراع المسلح للجماعة وفق قواعد مختلفة عن البناء التنظيمي المعروف سابقاً، وهو ما عرف بـ "استراتيجية العمل المقاوم".

اعتمد هذا النموذج على تفكيك النشاط إلى مجموعات محدودة، وتوزيع المهام، وتقليص المعرفة المتبادلة بين العناصر، بما يمنح كل مجموعة مساحة للحركة ويحد من كشف بقية الشبكة عند سقوط إحدى حلقاتها، ومع هذا النمط، لم تعد قوة التنظيم مرتبطة باتساع هيكله، وإنما بقدرته على الحفاظ على الروابط الأساسية بين المستويات المختلفة، وإعادة ترتيب الخلايا كلما تعرضت إحدى حلقاته للاختراق.

وفي قلب عملية إعادة التشكيل برز السماحي ضمن القيادات التي تدير هذا البناء، وتشير الوقائع المنشورة حول "حسم" و"لواء الثورة" إلى وجود تصورات لإعادة تنظيم مجموعات العمل النوعي، وتقسيمها إلى مجموعات متخصصة، مع توزيع الأدوار والاختصاصات وفق طبيعة المهمة. وهنا تظهر وظيفة القيادات العليا في بناء الهيكل، ووضع قواعد الحركة، وربط المستويات المختلفة داخل التنظيم.

ولم تقتصر إعادة الهيكلة على الجانب التنظيمي؛ فقد امتدت إلى طريقة الاتصال والحركة والتجنيد، فكلما أصبح التنظيم أكثر تعرضاً للملاحقة، احتاج إلى تقليل المسارات التي تربط عناصره ببعضها، والاعتماد على حلقات اتصال محدودة، وتطوير وسائل التواصل التي تسمح بتمرير التوجيهات مع الحفاظ على قدر أكبر من السرية.

وفي هذا النموذج، اكتسبت الخلية الصغيرة أهمية أكبر من التجمع التنظيمي الواسع، حيث مجموعة محدودة تعرف مهمتها، تتحرك داخل نطاقها، وتحافظ على اتصال محسوب مع المستوى الأعلى؛ وهي صيغة تمنح التنظيم قدرة أكبر على الاستمرار حتى مع تعرض بعض عناصره للملاحقة أو القبض؛ لكن هذه البنية في الوقت نفسه تجعل حلقات الربط بين القيادة والخلايا أكثر حساسية، لأن انكشافها قد يفتح الطريق أمام كشف مساحات أوسع من الشبكة.

وتكشف مسيرة السماحي عن وجود هذا النمط من العمل داخل "حسم"، حيث تداخلت مستويات القيادة والتخطيط والتنسيق مع مجموعات ميدانية تتولى التنفيذ، وهنا تتضح طبيعة التحول الذي حمله التنظيم: "الذراع المسلح لم يعد مجرد مجموعة من العناصر تتحرك بصورة مباشرة، وإنما شبكة موزعة الوظائف، تتطلب إدارة مستمرة للاتصال والموارد والحركة".

كما ارتبطت "حسم" بـ"لواء الثورة" داخل مسار شهد محاولات للتنسيق وإعادة ترتيب النشاط المسلح، مما يعكس توجهاً نحو تجاوز حدود التنظيم الواحد إلى بناء شبكة أوسع من المجموعات والعناصر، وفي هذه البيئة برزت أسماء قيادية مثل علاء السماحي ويحيى موسى داخل مستويات ارتبطت بإدارة هذا النشاط وتحديد مساراته.

وتكمن أهمية السماحي هنا في أنه يظهر داخل مرحلة انتقالية في بنية العمل المسلح؛ مرحلة أصبح فيها التنظيم أكثر اعتماداً على الخلايا المحدودة، وأكثر حرصاً على الفصل بين المستويات، وأكثر استخداماً لوسائل الاتصال الحديثة، وهذا التحول منح النشاط قدرة أكبر على الحركة، لكنه فرض في المقابل تحديات متزايدة أمام القيادة في الحفاظ على الانضباط وتماسك الشبكة.

ومع الوقت، أصبحت المعركة بين هذه التنظيمات والدولة معركة على البنية ذاتها؛ الدولة تبحث عن حلقات القيادة والربط والتمويل، والتنظيم يحاول تقليل نقاط الانكشاف وإعادة توزيع أفراده، وكل ضربة تصيب إحدى الحلقات تدفعه إلى إعادة تشكيل نفسه، وكل محاولة لإعادة البناء تكشف في المقابل نقاطاً جديدة يمكن استهدافها.

وهنا تتكشف دلالة علاء السماحي داخل هذا التحول؛ فقد ارتبط اسمه بمحاولة إعادة بناء ذراع مسلح أكثر مرونة، يقوم على شبكة من الخلايا والمجموعات، ويفصل بين دوائر القيادة ومواقع التنفيذ، بما يسمح باستمرار الحركة تحت ضغط الملاحقة، فالسماحي لم يكن مجرد قيادي داخل "حسم"، بل ارتبط اسمه بإعادة صياغة نموذج العمل المسلح نفسه؛ من بناء الخلايا وتوزيع الأدوار إلى إدارة الاتصالات، بما جعل الذراع المسلح للإخوان أكثر مرونة في الحركة، وأكثر تعقيداً في الكشف والاختراق.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة