«صوت الأمة» تحاور وزير الداخلية الأسبق.. اللواء محمد إبراهيم يوسف: الإخوان الإرهابية تخطط للعودة بنسخة أكثر عنفًا من 2011

السبت، 26 سبتمبر 2026 04:39 م
«صوت الأمة» تحاور وزير الداخلية الأسبق.. اللواء محمد إبراهيم يوسف: الإخوان الإرهابية تخطط للعودة بنسخة أكثر عنفًا من 2011
الزميلة دينا الحسيني مع اللواء محمد إبراهيم يوسف وزير الداخلية الأسبق
حوار/ دينا الحسيني

الشعب المصري أصيل ولن ينسى دماء الشهداء.. وتكامل مؤسسات الدولة هو خط الدفاع الأساسي

«الجماعة ما عرفوش يديروا مصر من أول يوم».. حاولوا السيطرة على مفاصل الأمن بتفكيك الداخلية وأشغلوا «فتنة القضاء»

الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة كابوس أزعج التنظيم.. ودفع قياداته لمحاولات هز الثقة بالشائعات والفيديوهات «الدوارة»

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تسقط الدول دفعة واحدة.. هكذا تقول دروس التاريخ، وهكذا تكشف تجارب المنطقة. تبدأ الفوضى عادةً من شقوق صغيرة: ضرب الثقة في مؤسسات الدولة، تفكيك العلاقة بين المواطن ومؤسساته، استغلال الأزمات، ثم الانتقال تدريجيًا من محاولة التأثير إلى محاولة السيطرة. ومصر، التي وقفت منذ 2011 في قلب واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في المنطقة، لم تكن بعيدة عن هذه المعادلة؛ فمع سقوط أنظمة وصعود أخرى، وانفجار صراعات مسلحة على حدودها ومحيطها الإقليمي، وجدت الدولة المصرية نفسها أمام اختبارات متتالية لم تتوقف عند حدود الخطر الأمني المباشر، وإنما امتدت إلى مؤسسات الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وإلى قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها في لحظة كانت فيها المنطقة كلها تعيد تشكيل خرائطها في ظل توترات إقليمية ودولية بالغة التعقيد.

وفي قلب تلك المرحلة، لم يكن صعود جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم وليد اللحظة التي دخلت فيها قصر الاتحادية؛ فالجماعة، بحسب ما يرويه اللواء محمد إبراهيم يوسف، وزير الداخلية الأسبق لـ «صوت الأمة»، أمضت سنوات طويلة في بناء حضور داخل المجتمع، والتحرك في النقابات والاتحادات والهيئات والعمل البرلماني، قبل أن تنتقل من مرحلة التأثير إلى محاولة إدارة الدولة، ومن هنا يبدأ اللواء إبراهيم في تفسير ما جرى؛ فالوصول إلى السلطة لم يكن، في تقديره، نهاية تحرك الجماعة، وإنما بداية الاختبار الأصعب..

ومع 30 يونيو انتهت تجربة الإخوان في الحكم، لكن انتهاء وجود الجماعة في السلطة لم ينهِ، بحسب اللواء محمد إبراهيم يوسف، محاولات التأثير في الداخل، وإنما أدى إلى تغيير الأدوات والساحات، وانتقل جانب من النشاط إلى الخارج والفضاء الإلكتروني، بينما أصبحت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية حاضرة في الخطاب الموجه إلى الشارع. واليوم، وفي ظل إقليم تحيط بمصر فيه أزمات وحروب وصراعات ممتدة من أكثر من اتجاه، يعود السؤال من جديد: هل يمكن أن يحاول الإخوان إعادة إنتاج مشهد 2011؟، وهنا يؤكد اللواء إبراهيم أن أي محاولة لعودة الجماعة، من وجهة نظره، لن تكون بالطريقة القديمة، ويقول: «آه طبعًا.. هيبقى أخطر.. أعنف طبعًا، وأقوى أكتر»، رابطًا ذلك بتغير الأدوات واتساع مساحة الحركة الإلكترونية، إلى جانب إمكانية استغلال الأزمات والظروف المحيطة في توجيه الخطاب إلى المواطنين.

WhatsApp Image 2026-09-23 at 12.29.19 AM

ولفهم الصدام الذي وقع بين الإخوان الإرهابية ومؤسسات الدولة بعد الوصول إلى السلطة، يرى اللواء محمد إبراهيم يوسف أنه لا بد من العودة إلى السنوات التي سبقت 2011؛ فالجماعة لم تبدأ تحركها من قصر الاتحادية، وإنما بنت على مدى سنوات حضورًا داخل المجتمع، وتحركت في النقابات والاتحادات والهيئات والعمل البرلماني ومؤسسات مختلفة، بما وفر لها قاعدة انتقلت من خلالها إلى المنافسة على السلطة بعد 2011. غير أن الانتقال من التأثير السياسي إلى إدارة الدولة كان، بحسب روايته، نقطة مختلفة؛ فالجماعة بدأت، كما يقول، في محاولة إعادة ترتيب مؤسسات الدولة من الداخل ووضع عناصرها في مواقع مؤثرة، وهو ما لم يعد مجرد مشاركة سياسية، وإنما أصبح متعلقًا بطريقة عمل مؤسسات يفترض أن تؤدي وظائفها وفق القانون والقواعد المهنية، بعيدًا عن الانتماءات السياسية والتنظيمية. ومن هنا بدأت وزارة الداخلية تظهر في مقدمة المؤسسات التي أصبحت محل تجاذب خلال فترة حكم الإخوان.

ويوضح اللواء محمد إبراهيم أن أهمية وزارة الداخلية في هذا السياق لا ترجع فقط إلى طبيعة دورها أمنيًا، وإنما إلى كونها مؤسسة متكاملة تضم قطاعات وتخصصات مختلفة تعمل في إطار واحد. ولذلك لم تكن القضية، بحسب ما يروي، مجرد خلاف على أسماء قيادات أو حركة ترقيات وتنقلات، وإنما كانت مرتبطة بكيفية الحفاظ على تماسك المؤسسة واستقلالها في أداء مهامها. فالداخلية، كما يقول، لا يمكن التعامل مع قطاعاتها باعتبارها وحدات منفصلة، لأن كل قطاع يؤدي دوره داخل منظومة واحدة، وأي محاولة للتأثير في مكون منها يمكن أن تنعكس على أداء المؤسسة ككل. ولهذا كان موقفه واضحًا، ويقول: «الداخلية لا تتجزأ.. وكنت حريصًا على الحفاظ عليها على مستوى ربوع مصر كلها»، رافضًا ما يصفه بتدخلات الرئيس الأسبق محمد مرسي ومكتب الإرشاد في حركة الترقيات والقطاعات الأمنية. فالمسألة، كما يشرح، لم تكن مرتبطة فقط بمن يشغل منصبًا أو يتولى قطاعًا، وإنما بمنطق إدارة المؤسسة نفسها، وهل تظل تعمل ككيان واحد أم تتحول مكوناتها إلى مساحات منفصلة يمكن التأثير في كل منها.

ويربط إبراهيم بين ذلك وبين تكامل مؤسسات الدولة بصورة عامة، فالداخلية ليست مؤسسة قائمة بمعزل عن القضاء والسلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة، وإنما تعمل داخل منظومة لكل مؤسسة فيها اختصاصها ودورها. ولذلك فإن الحفاظ على تماسك الوزارة لا يتعلق بالمؤسسة الأمنية وحدها، وإنما يرتبط كذلك بقدرة مؤسسات الدولة على العمل في إطار اختصاصاتها دون أن تتحول إلى ساحات للصراع السياسي والتنظيمي. ومن هنا يضع إبراهيم محاولات التأثير في الداخلية ضمن صورة أوسع لما جرى بعد وصول الإخوان إلى الحكم، باعتبار أن الخلاف لم يكن فقط على إدارة ملف أمني، وإنما على حدود العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات التي يفترض أن تعمل وفق قواعدها المهنية والقانونية.

WhatsApp Image 2026-09-23 at 12.30.45 AM (3)

وبينما كانت وزارة الداخلية في قلب هذا الصراع، انتقل الخلاف إلى مؤسسة أخرى شديدة الحساسية، هي النيابة العامة، ويضع اللواء محمد إبراهيم أزمة المستشار عبد المجيد محمود في سياق أوسع من الخلاف على شخص النائب العام، موضحًا أن الجماعة كانت تنظر إليه باعتباره «بتاع الدولة»، أي رجلًا لا يدور قراره في فلك مطالبها السياسية والتنظيمية، وهو ما جعل إبعاده، بحسب ما يرويه، هدفًا لها. ويقول إن الجماعة كانت تريد فتح الطريق أمام نائب عام آخر يكون أكثر استجابة لمطالبها، بما يسمح، وفق ما رأه وقتها، بإعادة التعامل مع الملفات التي تطال قيادات التنظيم وأعضاءه، ويمنحها مساحة أوسع لتجنب الملاحقة والحساب، ومن هنا يرى إبراهيم أن أزمة النائب العام كانت جزءًا من صراع أوسع على استقلال القضاء ومؤسسات الدولة، لا مجرد خلاف حول شخص يشغل منصبًا قضائيًا.

وتصاعدت الأزمة خلال حكم المعزول محمد مرسي، وصولًا إلى القرار الجمهوري بتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبًا عامًا في نوفمبر 2012، بعد الإعلان الدستوري الذي صدر في الشهر نفسه، وهو القرار الذي واجه اعتراضات قضائية واسعة، وانتهت إحدى الدعاوى إلى الحكم بإلغاء قرار تعيين طلعت عبد الله وعودة المستشار عبد المجيد محمود إلى منصبه، ويرى وزير الداخلية الأسبق أن أهمية هذه الواقعة لا تتوقف عند أسماء من شغلوا المنصب، وإنما فيما تكشفه، بحسب ما يرويه، عن طبيعة العلاقة التي كانت تتشكل في ذلك الوقت بين السلطة السياسية ومؤسسات القضاء. ولذلك يضع أزمة النائب العام ضمن محاولات أوسع لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، باعتبار أن النيابة العامة تتعامل مع التحقيقات والاتهامات والإحالات والملفات القانونية، وأن استقلالها كان بالنسبة إليه جزءًا من استقلال المؤسسة القضائية والحفاظ على هيبة القضاء.

ومن أزمة النائب العام إلى تجربة الحكم نفسها، يعود اللواء محمد إبراهيم إلى ما يعتبره جوهر المشكلة، وهو عدم قدرة الجماعة على الانتقال من عقلية التنظيم إلى عقلية الدولة. فالجماعة، بحسب وصفه، اعتادت العمل من خلال هيكل تنظيمي وتسلسل داخلي وقواعد محددة لاتخاذ القرار، بينما الدولة تضم مؤسسات متعددة واختصاصات مختلفة وقواعد قانونية ومهنية وتوازنات لا يمكن إدارتها بالطريقة نفسها، ولذلك يختصر إبراهيم تقييمه للتجربة في عبارة مباشرة: «ما عرفوش يديروا مصر ولا عرفوا يديروا نفسهم». وبحسب ما يقوله، فإن التعامل مع الدولة بمنطق التنظيم أدى إلى صدامات مع مؤسساتها، وظل هذا الفارق حاضرًا طوال فترة الحكم، إلى أن جاءت 30 يونيو وانتهت معها تجربة الإخوان في السلطة.

WhatsApp Image 2026-09-23 at 12.29.19 AM (1)

وبعد خروج الجماعة من الحكم، انقلبت الأمور رأسًا على عقب؛ فأصبحت الجماعة، بحسب ما يصفه اللواء محمد إبراهيم يوسف، تواجه تراجعًا كبيرًا في وجودها وقبولها على المستوى الدولي، وتعرضت عناصر وواجهات تابعة لها للطرد أو التضييق في عدد من الدول، كما اتخذت دول كبرى إجراءات وصلت إلى تصنيف الجماعة أو كيانات مرتبطة بها على قوائم الإرهاب، وعلى الصعيد التنظيمي الداخلي، تتسع الخلافات بين جبهاتها المختلفة حول الزعامة والسيطرة على مصادر التمويل وتوزيع الأموال والأدوار، في وقت أصبحت فيه الأجهزة المعلوماتية المصرية تمثل، بحسب تعبيره، «عقدة» حقيقية أمام تحركاتهم، لقدرتها على الرصد والمتابعة والاستباق.

ولمواجهة هذا السقوط المريع، تحولت معركة الجماعة بالكامل إلى الفضاء الإلكتروني وحرب الشائعات؛ فالنجاح الكبير الذي حققته وزارة الداخلية الآن، والتفاف الشارع حولها، وثقة المواطن المتصاعدة في أداء جهازه الأمني، أربكت حسابات قيادات التنظيم، بحسب ما يقوله اللواء محمد إبراهيم يوسف، بعدما أصبحت العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية واحدة من النقاط التي تستهدفها الجماعة في محاولاتها لاستعادة التأثير في الداخل. ومن هنا لجأت، بحسب روايته، إلى حيل قائمة على التضليل، شملت إعادة تدوير ونشر مقاطع فيديو قديمة لوقائع شرطية، وأخرى مجتزأة أو مفبركة، من دون تواريخ أو سياق واضح، لإيهام المتلقي بأنها أحداث جارية، بهدف ضرب الثقة المتينة بين المواطن ووزارة الداخلية وصناعة غضب مصطنع، بالتزامن مع استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وتضخيمها عبر المنصات الإلكترونية.

ولا ينفصل استغلال هذه الأزمات، بحسب وزير الداخلية الأسبق، عن محاولة التأثير في وعي المواطن؛ فالمشكلات التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية تظل موجودة وملموسة، لكن الخطورة تكمن، كما يقول، في تحويلها إلى مادة للتأليب السياسي، وربطها بصورة مباشرة بالدولة ومؤسساتها، ثم إعادة تقديمها عبر محتوى إلكتروني متكرر بهدف دفع المواطن إلى فقدان الثقة في مؤسساته. ومن هنا تصبح معركة الشائعة والمقطع القديم جزءًا من معركة أوسع على الوعي، لأن المواطن، كلما كان قادرًا على التمييز بين الخبر الحقيقي والمحتوى المضلل، أصبح من الصعب دفعه إلى تبني رواية واحدة لمجرد تكرارها عبر أكثر من منصة.

WhatsApp Image 2026-09-23 at 12.30.45 AM (2)

وعند الحديث عن إمكانية إعادة إنتاج مشهد 2011، يؤكد اللواء محمد إبراهيم يوسف بصراحة: «آه طبعًا.. هيبقى أخطر.. أعنف طبعًا، وأقوى أكتر»، مشيرًا إلى أن الأدوات تغيرت، وأن سرعة الفضاء الإلكتروني تتيح إنتاج المحتوى ونشره في وقت قصير، كما تتيح استغلال الأزمات والظروف الإقليمية في توجيه الخطاب إلى المواطنين، وفي المقابل، يشير إلى أن الدولة المصرية اليوم أصبحت أكثر خبرة في التعامل مع هذه الأدوات، وأن المجتمع نفسه مر بتجربة جعلته أكثر إدراكًا لتكلفة الفوضى والاضطراب.

ولهذا يشدد وزير الداخلية الأسبق على أن مواجهة هذه المحاولات لا تقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما تمتد إلى حماية الوعي الجمعي، وهنا يبرز، بحسب ما يؤكد، الدور الذي يمكن أن يؤديه الأزهر الشريف والكنيسة المصرية في ترسيخ المواطنة ومواجهة الأفكار المتطرفة ورفض استخدام الدين لتبرير العنف. فالأجهزة الأمنية تتعامل مع الجريمة ومظاهر العنف، لكن مواجهة الأفكار التي تقف وراء التطرف تحتاج كذلك إلى دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والأسرة والمجتمع، حتى لا يترك المجال أمام خطاب التنظيمات المتطرفة لتقديم نفسه باعتباره بديلًا عن الدولة أو مصدرًا وحيدًا للحقيقة.

وفي هذا السياق، يضع اللواء محمد إبراهيم يوسف المواطن نفسه في قلب معادلة المواجهة، مؤكدًا أن «الشعب المصري أصيل وبيرد الجميل»، وأن المصريين لا ينسون تضحيات رجال القوات المسلحة والشرطة والمدنيين الذين سقطوا خلال سنوات مواجهة الإرهاب والعنف، ويرى أن المجتمع الذي عايش فترات الاضطراب وأدرك كلفة غياب الأمن والاستقرار أصبح أكثر وعيًا بما يمكن أن تسببه محاولات زعزعة الدولة، وأن هذا الوعي، إلى جانب تكامل مؤسسات الدولة وقدراتها الأمنية والمعلوماتية، يمثل أحد أهم عناصر التعامل مع أي محاولات جديدة للتأثير.

وفي النهاية، فإن المشهد الذي يرسمه وزير الداخلية الأسبق يقوم على أن المعركة لم تعد تدور بالطريقة نفسها التي كانت عليها في 2011؛ فالأدوات تغيرت، والفضاء الإلكتروني أصبح أكثر اتساعًا، والمعلومات تنتقل بصورة أسرع، والأزمات يمكن أن تتحول خلال وقت قصير إلى مادة للتداول والتوظيف، لكن الدولة والمجتمع اكتسبا أيضًا خبرات من السنوات الماضية. وبينما تستمر الجماعة، بحسب ما يقوله إبراهيم، في البحث عن مساحات جديدة للحركة والتأثير، تبقى قدرة مؤسسات الدولة على العمل بصورة متكاملة، ودور المؤسسات الدينية والمجتمعية في حماية الوعي، وثقة المواطن في مؤسسات بلاده، عوامل مترابطة في مواجهة أي محاولات جديدة لزعزعة الاستقرار.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة