مصر على خريطة كبار التكنولوجيا
السبت، 26 سبتمبر 2026 10:00 م
5 آلاف شركة أجنبية في 6 أشهر و8 مليارات دولار مستهدف الصادرات الرقمية
282 مركز خدمة و177 شركة متعددة الجنسيات و12 مليار دولار صادرات التعهيد المستهدفة في 2029
في الوقت الذي تعيد فيه الشركات العالمية رسم خريطة استثماراتها، بحثًا عن أسواق تجمع بين فرص النمو وتنافسية الإنتاج والقدرة على النفاذ إلى أسواق متعددة من قاعدة واحدة، تبرز مصر كوجهة استثمارية استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تجذب توسعات ومشروعات لشركات كبرى في قطاعات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
ولم يعد حضور الشركات العالمية في مصر قائمًا فقط على الاستفادة من حجم السوق المحلية، وإنما تطور ليأخذ أبعادًا أوسع مع اتجاه شركات دولية إلى استخدام مصر كقاعدة للإنتاج والتصدير وتقديم الخدمات للأسواق الإقليمية والدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا، ومن شبكة البنية الأساسية واللوجستية، إلى جانب قاعدة بشرية واسعة تمتلك مهارات فنية ولغوية متنوعة.
ومع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد والإنتاج والخدمات، أصبحت الدول التي تستطيع تقديم منظومة متكاملة من المقومات أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وهنا تظهر مصر بما تمتلكه من سوق كبيرة وموقع استراتيجي وموانئ ومناطق صناعية وبنية اتصالات متطورة، إلى جانب توجه متزايد نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
مصر.. من السوق إلى قاعدة إقليمية
وتكشف تجارب الشركات العالمية العاملة في مصر أن طبيعة الاستثمار نفسها تشهد تحولًا مهمًا، فالشركات لم تعد تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا نهائية لمنتجاتها، وإنما باعتبارها نقطة انطلاق يمكن من خلالها بناء عمليات إنتاجية وخدمية متكاملة والوصول إلى أسواق أخرى، ففي قطاع الصناعة، تحولت مصانع شركات عالمية إلى منصات للإنتاج والتصدير، بينما أصبح قطاع خدمات التعهيد نموذجًا واضحًا لقدرة مصر على تصدير الخدمات والمهارات إلى الخارج، بالتوازي مع توسع الدولة في البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
ويعني ذلك أن مصر تجمع في الوقت نفسه بين عناصر متعددة يبحث عنها المستثمر العالمي تتمثل في سوق محلية قادرة على استيعاب المنتجات والخدمات، وموقع جغرافي يسمح بالوصول السريع إلى أسواق المنطقة، وكوادر بشرية يمكن تأهيلها للعمل في قطاعات صناعية وتكنولوجية متقدمة، إلى جانب بنية أساسية ولوجستية تدعم حركة الإنتاج والتجارة، وهو ما يتيح للشركات بناء نموذج أعمال أكثر اتساعًا من مجرد البيع داخل السوق المصرية.
وتعكس المؤشرات الحديثة حجم التحول في خريطة الاستثمارات الأجنبية داخل مصر، إذ شهدت البلاد تأسيس 5022 شركة أجنبية خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 33.7% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، بينما ارتفعت قيمة رأس المال المصدر لهذه الشركات بنسبة 20.9% لتصل إلى 21.4 مليار جنيه.
ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند عدد الشركات التي اختارت تأسيس أعمال في مصر، وإنما تكشف أيضًا عن استمرار اهتمام المستثمرين الدوليين بتوسيع نشاطهم في السوق المصرية، في وقت تبحث فيه الشركات العالمية عن مواقع تستطيع من خلالها الجمع بين الإنتاج والخدمات والوصول إلى الأسواق الخارجية.
ويعزز ذلك ما شهده قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وخدمات التعهيد من نمو متسارع، إذ وصلت صادرات خدمات التعهيد المصرية إلى 5.2 مليار دولار خلال عام 2025، مع وجود 252 شركة تعمل عبر 282 مركزًا لتقديم الخدمات، بينها 177 شركة متعددة الجنسيات، ويعمل بالقطاع أكثر من 195 ألف متخصص.
وهذه الأرقام تقدم نموذجًا واضحًا للتحول من استقطاب الاستثمارات بهدف خدمة السوق المحلية فقط إلى بناء صناعة تصدر خدماتها للخارج، وتحول الكفاءات والمهارات المصرية إلى جزء من سلاسل القيمة العالمية.
قاعدة بشرية تخدم العالم
ويكتسب قطاع التعهيد أهمية خاصة في هذا التحول، لأنه يكشف عن واحدة من أبرز المزايا التي أصبحت مصر تقدمها للشركات الدولية، وهي القدرة على توفير أعداد كبيرة من الكوادر المؤهلة للعمل بلغات وأسواق مختلفة.
وتقدم شركة "Vodafone Intelligent Solutions – VOIS" نموذجًا واضحًا لذلك، فعملياتها في مصر تعد ثاني أكبر عملياتها على مستوى العالم، من خلال مركزيها في القاهرة والإسكندرية اللذين يضمان نحو 9500 موظف، وتستهدف الشركة إضافة 1500 وظيفة جديدة، فيما بلغت قيمة الخدمات التي تصدرها من السوق المصرية نحو 200 مليون يورو خلال العام المالي الحالي، وتمثل صادرات الخدمات نحو 95% من إجمالي عوائدها في مصر، وتقدم فرق العمل خدماتها بسبع لغات.
كما أعلنت شركة «كونسنتركس» الأمريكية عن استثمار نحو مليار دولار في مصر، مع استهداف توفير 16 ألف فرصة عمل جديدة والوصول بإجمالي العاملين لديها إلى 35 ألف موظف بحلول عام 2028، بما يعكس قدرة السوق المصرية على التحول إلى مركز إقليمي لتقديم الخدمات التكنولوجية وخدمات الأعمال.
ومع توسع شركات أخرى مثل «إنتلسيا» و«كابجيميني» في مصر، يتأكد أن الاستثمار في العنصر البشري لم يعد مجرد عنصر مساعد للنشاط الاقتصادي، وإنما أصبح في حد ذاته صناعة تصديرية تضع المهارات المصرية في خدمة أسواق وعملاء خارج الحدود.
مصانع عالمية.. وإنتاج من مصر للأسواق الخارجية
ولا يقتصر التحول في دور مصر على قطاع الخدمات والتعهيد، وإنما يمتد بقوة إلى الصناعة، حيث اختارت شركات عالمية كبرى السوق المصرية لتكون قاعدة للإنتاج والتصنيع والتصدير، مستفيدة من موقع البلاد وشبكة الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، إلى جانب اتساع السوق المحلية.
وتقدم استثمارات «سامسونج» الكورية الجنوبية نموذجًا واضحًا لهذا التوجه، بعدما تحولت مصر بالنسبة للشركة إلى قاعدة للإنتاج والتصدير، من خلال مصنع بني سويف الذي ينتج أجهزة إلكترونية متعددة ويوجه جانبًا من إنتاجه إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا.
كما افتتحت «سيمنس» الألمانية مصنعًا جديدًا للكهرباء والأتمتة في مصر، بما يدعم توطين التكنولوجيا وتطوير الخبرات المحلية، بينما اختارت «بوش» الألمانية وذراعها للأجهزة المنزلية «BSH» مصر لإنشاء أول مصنع لها في إفريقيا، في خطوة تعكس تنامي أهمية السوق المصرية كموقع للتصنيع وخدمة الأسواق الإقليمية.
السيارات.. مصر تدخل سلاسل القيمة العالمية
وتبرز صناعة السيارات بصورة خاصة ضمن القطاعات التي تعكس تطور الدور المصري من سوق للمنتجات إلى قاعدة للتصنيع والتجميع وإنتاج المكونات والتصدير، فقد بدأت «نيسان» اليابانية إنتاج أول سيارة «نيسان ماجنيت» في إفريقيا من مصنعها بمدينة السادس من أكتوبر، بعد ضخ استثمارات إضافية بقيمة 45 مليون دولار لتطوير خطوط الإنتاج، ليرتفع إجمالي استثمارات الشركة في مصر إلى أكثر من 276 مليون دولار، فيما تستهدف «نيسان مصر» رفع الطاقة الإنتاجية إلى 50 ألف سيارة سنويًا مقابل نحو 30 ألف سيارة حاليًا، مع وصول نسبة المكون المحلي إلى 55%، وتجاوز صادراتها 25 ألف سيارة خلال السنوات الأخيرة.
ولا تتوقف الصورة عند السيارات كاملة الصنع، وإنما تمتد إلى صناعة المكونات التي تمثل أحد أهم مؤشرات اندماج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة العالمية؛ إذ تنتج «سوميتومو إلكتريك» اليابانية ضفائر وأسلاك السيارات في مصانعها بمصر بإنتاج يصل إلى نحو 1.8 مليون ضفيرة شهريًا، وتتجاوز صادراتها 300 مليون يورو سنويًا، مع أكثر من 12 ألف عامل.
كما تتواصل الاستثمارات والتحركات في القطاع من خلال «ستيلانتس» التي بدأت إنتاج «Citroën C4X» في مصر، و«جنرال موتورز» التي تجاوز إنتاجها مليون سيارة في مصر مع استثمارات تزيد على 530 مليون دولار، إلى جانب استمرار «مرسيدس-بنز» في تعزيز أعمالها بالسوق المصرية، فضلًا عن مشروع «جيتور» الصينية للتصنيع والتجميع المحلي باستثمارات تصل إلى نحو 123 مليون دولار.
اللوجستيات.. ميزة إضافية للصناعة المصرية
ويكتسب الموقع الجغرافي المصري أهمية خاصة في دعم هذه الصناعات، لأنه يمنح الشركات إمكانية الجمع بين الإنتاج والخدمات اللوجستية والتصدير من قاعدة واحدة، وهو ما يظهر في تشغيل «تويوتا تسوشو» لمحطة قناة السويس للسيارات في شرق بورسعيد، التي بدأت العمل في يوليو 2025 بطاقة تخزين أولية تبلغ 2550 سيارة، مع إمكانية زيادتها إلى 10 آلاف سيارة.
وتستفيد هذه المشروعات من الموقع القريب من قناة السويس والموانئ والممرات التجارية الدولية، بما يدعم حركة السيارات ومكونات الإنتاج بين مصر والأسواق الخارجية.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر الشركات العالمية إلى مصر باعتبارها موقعًا للمصانع فقط، وإنما إلى منظومة متكاملة تضم المناطق الصناعية والموانئ والطرق وشبكات الاتصالات والخدمات اللوجستية، وهي عناصر تمنح المنتج المصنوع في مصر قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومع توسع الاستثمارات في قطاعات السيارات والإلكترونيات والأجهزة المنزلية والصناعات الكهربائية، تتعزز فرص تكوين سلاسل توريد محلية تضم شركات ومصانع للمكونات والخدمات، وهو ما يزيد من القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري ويمنح الصناعة المحلية مساحة أكبر للمشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية.
توجيهات رئاسية.. من المصنع إلى التكنولوجيا
ويأخذ هذا التحول الاستثماري بعدًا جديدًا مع انتقال الاقتصاد العالمي بصورة متسارعة نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما دفع مصر إلى توسيع اهتمامها بالبنية التحتية الرقمية باعتبارها جزءًا أساسيًا من قدرتها على جذب الاستثمارات المستقبلية، وخلال الاجتماع الأخير مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتصف سبتمبر الجاري، استعرض وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات جهود توفير البنية التحتية الرقمية المتطورة اللازمة لتطوير تطبيقات وحلول ذكية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دمج هذه التطبيقات في عدد من القطاعات الحيوية.
ووجه الرئيس بضرورة جذب وتنشيط الاستثمارات في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع التوسع في تشييد مراكز البيانات العملاقة باعتبارها الركيزة الأساسية للاقتصاد الرقمي، كما وجه بالتوسع في توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحوسبة السحابية، ومواصلة تطوير قطاع الاتصالات وتعزيز فرص التحول الرقمي، بما يدعم مكانة مصر كمركز إقليمي ودولي لمراكز البيانات.
وتعكس المستهدفات الحكومية حجم الطموح في تحويل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى أحد محركات الاقتصاد المصري، إذ تستهدف مصر الوصول بحجم صادراتها الرقمية إلى 8 مليارات دولار بحلول عام 2028، مع توقع ارتفاع صادرات خدمات التعهيد إلى 12 مليار دولار عام 2029، إلى جانب استهداف زيادة عدد الشركات العاملة في مجال تصميم الإلكترونيات إلى 120 شركة بحلول عام 2030.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تكشف عن انتقال مصر إلى مرحلة تتجاوز تصدير الخدمات التقليدية، لتشمل مجالات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الرقمي المتقدم، مثل تصميم الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
كما أن نمو هذه القطاعات يفتح المجال أمام الشركات العالمية للاستفادة من الكفاءات المصرية ليس فقط في خدمات العملاء أو مراكز الاتصال، وإنما في البرمجيات والتكنولوجيا والحلول الذكية والخدمات الهندسية، بما يرفع من مستوى القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها الاستثمارات الأجنبية داخل مصر.
قاعدة تنطلق منها الشركات إلى العالم
وفي ضوء هذه التطورات، تتبلور صورة جديدة لمكانة مصر على خريطة الاستثمار العالمي، فالشركة التي تأتي إلى مصر تستطيع الاستفادة من السوق المحلية، وفي الوقت نفسه الإنتاج والتصدير إلى أسواق أخرى، كما يمكنها الاستفادة من قطاع الخدمات والتعهيد والكوادر متعددة اللغات، بينما تتوسع أمامها فرص الاستفادة من البنية التكنولوجية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وتؤكد الصورة النهائية أن مصر تمتلك مقومات تجعلها مؤهلة لتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بفضل موقعها الجغرافي وسوقها الكبيرة، وإنما بفضل تنوع الأدوار التي يمكن أن تؤديها في منظومة الاستثمار، من التصنيع وإنتاج المكونات إلى تصدير الخدمات، ومن اللوجستيات إلى التكنولوجيا، ومن الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.