معركة «السن المستعار».. كيف تواجه مصر تحايل الأطفال على قيود السوشيال ميديا؟

السبت، 26 سبتمبر 2026 10:30 م
معركة «السن المستعار».. كيف تواجه مصر تحايل الأطفال على قيود السوشيال ميديا؟
أحمد سامي

 

من «تاريخ الميلاد» إلى المستخدم الفعلى.. الدولة تضع المنصات أمام اختبار كشف الطفل خلف الشاشة

دخلت مصر مرحلة جديدة فى تنظيم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعى، مع قواعد تستهدف تعزيز حماية الأطفال والنشء من مخاطر البيئة الرقمية، ووضع ضوابط واضحة للتعامل مع الحسابات وفقًا للفئات العمرية المختلفة، ولم يعد تسجيل تاريخ الميلاد عند إنشاء الحساب كافيًا وحده لتحديد مستوى الحماية، بعدما أصبحت المنصات مطالبة باتخاذ وسائل فعالة ومتناسبة للتحقق من العمر ومنع التحايل على القيود، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية وعدم جمع معلومات تتجاوز الغرض المطلوب.

وتضع القواعد الجديدة العمر فى قلب العلاقة بين الطفل والمنصة؛ فالفئة العمرية تحدد طبيعة الحساب ومستوى الحماية والخصائص التى يمكن استخدامها، بما يجعل التحقق من السن جزءًا أساسيًا من منظومة حماية المستخدمين الأصغر سنًا، لكن التحدى لا يقتصر على طفل يكتب تاريخ ميلاد غير حقيقى حتى يظهر أمام المنصة باعتباره أكبر من عمره، فهناك حالات أكثر تعقيدًا تكون فيها البيانات المسجلة صحيحة، بينما يكون الشخص الذى يستخدم الحساب فعليًا طفلًا.

وهنا تظهر معركة «السن المستعار» بمعناها الأوسع؛ فقد يكون الحساب مسجلًا باسم الأب أو الأم، بينما يكون الهاتف فى يد الابن ويستخدمه بصورة يومية، وقد يكون الخط مسجلًا باسم أحد الوالدين، أو الحساب قديمًا وأنشئ قبل سنوات، أو مشتركًا بين أفراد الأسرة، وفى كل هذه الحالات قد تكون البيانات الرسمية صحيحة، لكن الشخص الموجود خلف الشاشة مختلف عن صاحب البيانات، لتنتقل مهمة الحماية من مجرد مراجعة تاريخ الميلاد إلى اختبار أكثر تعقيدًا، من هو المستخدم الفعلى؟

المهندس محمد إبراهيم، نائب رئيس الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، قال أن القواعد الجديدة تضع فارقًا واضحًا بين الفئات العمرية، إذ لا يسمح للأطفال الأقل من 13 عامًا بإنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعى، بينما تسمح للفئة من 13 إلى أقل من 15 عامًا باستخدام هذه المواقع من خلال وضع الحماية الآمنة «Safe Mode»، الذى يتم تفعيله بصورة تلقائية وإلزامية، وأكد أن «Safe Mode» صُمم لحماية الأطفال فى هذه المرحلة العمرية من التواصل مع الغرباء، مع السماح لهم بالتواصل مع الأشخاص الذين يعرفونهم، إلى جانب منع بعض الخصائص مثل البث المباشر، بما يقلل من فرص تعرض الطفل لمواقف أو محتويات غير مناسبة. وأضاف أن ولى الأمر يستطيع التحكم فى الحساب وإغلاقه فى أى وقت، فضلًا عن تحديد الوقت المسموح للطفل خلاله باستخدام مواقع التواصل الاجتماعى.

وأشار نائب رئيس الجهاز إلى أن القرار أصبح ملزمًا للشركات والمنصات العالمية بعد نشره، وأن الشركات أمامها فترة لتوفيق أوضاع الحسابات الحالية غير المتوافقة مع الضوابط، موضحًا أن مهلة توفيق الأوضاع تصل إلى ثلاثة أشهر، بما يسمح بالتعامل مع الحسابات القائمة ومراجعة أوضاعها وفقًا للقواعد الجديدة.

وأوضح إبراهيم أن منظومة حماية الأطفال لا تتوقف عند حسابات مواقع التواصل، إذ أطلق الجهاز خدمتى «اطمِّن» و«اطمِّن على الآخر» لتوفير حماية أكبر للأطفال أثناء استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول. وتعمل خدمة «اطمِّن» على حجب المحتوى غير المناسب للأطفال، بما يشمل التطبيقات والألعاب والمحتويات التى قد تشكل خطورة عليهم، بينما تقدم «اطمِّن على الآخر» مستوى حماية أعلى من خلال حجب المحتوى غير المناسب إلى جانب مواقع ومنصات التواصل الاجتماعى.

ولفت إلى أن منظومة الحماية تمتد إلى الإنترنت بصورة أوسع، بما يشمل الألعاب الخطرة ومنصات المراهنات والمحتويات غير المناسبة، إلى جانب التعامل مع استخدامات برامج الـVPN التى قد تتيح الوصول إلى محتوى تم حجبه، موضحًا أن الهدف هو حماية الطفل من المحتوى الضار بغض النظر عن الوسيلة التى يصل من خلالها إليه.

وأضاف أن ولى الأمر لا يحتاج إلى التوجه إلى فرع شركة المحمول لتفعيل خدمات الحماية، إذ يمكن الاشتراك من خلال تطبيق شركة الاتصالات، عبر اختيار رقم الهاتف الخاص بالطفل وتفعيل الخدمة مباشرة، مشيرًا إلى أن عشرات الآلاف من أولياء الأمور اشتركوا بالفعل فى هذه الخدمات.

وأكد إبراهيم أن منظومة الحماية تخضع لتحديث مستمر لمواكبة التطبيقات والمنصات الجديدة، وأن الجهاز يتابع بصورة متواصلة المحتوى الذى قد يمثل خطورة على الأطفال ويتخذ الإجراءات المناسبة بشأنه. وشدد على أن الهدف هو تحقيق التوازن بين استفادة الأطفال من الإنترنت، خاصة فى التعليم والوصول إلى المعلومات والمحتوى المفيد، وبين حمايتهم من المحتويات غير الملائمة والمخاطر الرقمية.

 

«السن المستعار».. عندما تكون البيانات صحيحة والمستخدم طفلًا

التحدى هنا لا يرتبط دائمًا بقيام الطفل بتغيير تاريخ ميلاده، وإنما قد يحدث العكس تمامًا؛ تكون البيانات الموجودة على الحساب صحيحة، لكن صاحب البيانات ليس هو المستخدم الفعلى، فإذا كان الحساب مسجلًا باسم الأب أو الأم، فإن الاسم والعمر والبيانات المرتبطة بالحساب قد تكون صحيحة بالكامل، لكن ذلك لا يعنى بالضرورة أن صاحب الحساب هو من يستخدمه، وقد يكون الهاتف فى يد الابن، أو يستخدم الطفل حساب أحد والديه بصورة يومية، أو يكون الحساب مشتركًا بين أفراد الأسرة.

وتتكرر الصورة مع خطوط المحمول؛ فقد يكون الخط مسجلًا باسم الأب أو الأم، بينما يكون الهاتف فى حيازة الابن، وهنا تصبح بيانات الملكية صحيحة من الناحية الرسمية، لكنها لا تكشف وحدها من يستخدم الجهاز فعليًا.

ومن ثم، تظهر ثلاثة مستويات مختلفة داخل الاستخدام الرقم، وهم صاحب الحساب، وصاحب خط المحمول، والمستخدم الفعلى، وقد تتطابق هذه المستويات، لكنها قد تنفصل أيضًا، وهو ما يجعل التحقق من العمر أكثر تعقيدًا من مجرد مراجعة البيانات المسجلة عند إنشاء الحساب.

 

‎«أرقامى».. معرفة صاحب الخط لا تعنى معرفة المستخدم

ويتقاطع هذا التحدى مع خدمة «أرقامى» المتاحة عبر تطبيق «My NTRA»، والتى تتيح للمواطن الاستعلام عن أرقام المحمول المسجلة باسمه.

وأعاد الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات إتاحة الخدمة فى أغسطس 2026 من خلال حل فنى مؤقت، لحين استكمال التحديثات الفنية والتنظيمية، مع استمرار العمل على تعزيز آليات التحقق وحماية البيانات الشخصية.

وتتيح الخدمة للمواطن معرفة الخطوط المسجلة باسمه ومراجعة بيانات الملكية المرتبطة به، لكنها تظل مرتبطة بملكية الخط، وليس بالضرورة بالشخص الذى يستخدم الهاتف.

فإذا ظهر اسم الأب باعتباره صاحب الخط، فلا يعنى ذلك أن الأب هو المستخدم اليومى للهاتف، كما أن تسجيل الخط باسم الأم لا يمنع أن يكون الهاتف فى يد أحد الأبناء. ولهذا تمثل بيانات الملكية عنصرًا مهمًا داخل منظومة التحقق، لكنها لا تحسم بمفردها هوية المستخدم الفعلى.

 

الحسابات القديمة.. اختبار توفيق الأوضاع

وتزداد صعوبة التطبيق عند الانتقال من الحسابات الجديدة إلى الحسابات القائمة بالفعل، إذ لا تقتصر المسألة على طفل سيحاول إنشاء حساب جديد بعد بدء تطبيق القواعد، فهناك حسابات أنشئت منذ سنوات، وحسابات أنشأها أحد الوالدين، وأخرى مشتركة بين أفراد الأسرة، فضلًا عن حسابات مملوكة رسميًا لشخص بالغ أصبح الطفل المستخدم الرئيسى لها بمرور الوقت.

وفى مثل هذه الحالات قد لا توجد بيانات خاطئة يمكن مطالبة صاحبها بتصحيحها، وإنما توجد فجوة بين بيانات الحساب وبين واقع استخدامه، ولذلك تمثل مهلة توفيق الأوضاع البالغة ثلاثة أشهر مرحلة مهمة فى التعامل مع الحسابات الحالية ومراجعة مدى توافقها مع القواعد الجديدة.

وينص القرار الرسمى كذلك على مراجعة الحسابات القائمة واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الحسابات التى يثبت أو يرجح وفق آليات موثوقة أنها تخص مستخدمين دون الخامسة عشرة، مع توفير آلية للتظلم وتصحيح العمر فى حالات الخطأ.

وبذلك لا يصبح التحدى أمام المنصات هو ضبط عملية إنشاء الحسابات الجديدة فقط، وإنما التعامل مع سجل قائم من الحسابات تغير مستخدموها أو ظروف استخدامها بمرور الوقت.

ولا يتوقف وجود الطفل على الإنترنت عند امتلاكه حسابًا على إحدى منصات التواصل، فالهاتف يفتح أمامه المتصفحات ومحركات البحث ومنصات الفيديو والألعاب والتطبيقات والمواقع المختلفة، وقد يصل الطفل إلى محتوى غير مناسب من خلال لعبة أو تطبيق أو موقع أو خدمة فيديو، من دون أن يكون لديه حساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعى أصلًا، كما يمكن أن يستخدم الجهاز نفسه الذى يستخدمه أحد الوالدين، أو يصل إلى المحتوى من خلال حساب شخص آخر.

ولهذا فإن حماية الطفل لا تتعلق فقط بمن يملك الحساب، وإنما أيضًا بما يستطيع الوصول إليه عبر الجهاز والاتصال بالإنترنت، فغياب الحساب الشخصى لا يعنى بالضرورة غياب المخاطر، كما أن وجود حساب باسم شخص بالغ لا يعنى أن المستخدم الفعلى بالغ بالضرورة.

ومن هنا تتجه منظومة الحماية إلى التعامل مع البيئة الرقمية بصورة أوسع، بحيث تشمل المحتوى ووسائل الوصول إليه، وليس الحساب وحده.

 

‏..«VPN» عندما ينتقل التحايل من الحساب إلى طريق الوصول

ولا تتوقف محاولات الوصول إلى المحتوى المحجوب بالضرورة عند الحساب أو الجهاز، إذ قد تستخدم بعض الأدوات، مثل برامج الـVPN، للوصول إلى محتوى أو خدمات جرى حجبها ضمن منظومة الحماية، وهنا تظهر أهمية التعامل مع وسائل الوصول نفسها؛ إذ إن تحديد الحسابات المسموح بها أو تقييد بعض المحتويات قد لا يكون كافيًا إذا أمكن الوصول إلى المحتوى نفسه من مسار آخر.

ولهذا تمتد فلسفة الحماية إلى متابعة المحتوى وطرق الوصول إليه، بهدف حماية الطفل من المحتوى الضار بغض النظر عن الوسيلة التى استخدمها للوصول إليه.

ويفرض ذلك تحديثًا مستمرًا للمنظومة، لأن التطبيقات والألعاب والمنصات وأدوات الوصول تتغير بسرعة، وهو ما يجعل حماية الطفل عملية متواصلة وليست إجراءً يتم مرة واحدة.

 

من «تاريخ الميلاد» إلى «المستخدم الفعلى».. الاختبار الحقيقى

تكشف منظومة حماية الأطفال الجديدة أن التعامل مع العمر لم يعد مسألة مرتبطة بخانة واحدة داخل نموذج التسجيل، فالحياة الرقمية أكثر تعقيدًا؛ قد يكون الحساب باسم الأب، والخط باسم الأم، والهاتف فى يد الابن، بينما يكون الحساب قديمًا واستخدمه أكثر من شخص داخل الأسرة.

وقد تكون كل البيانات المسجلة صحيحة، ومع ذلك لا تعكس الشخص الذى يستخدم الخدمة فى الواقع، لذلك فإن تطبيق القواعد الجديدة يضع المنصات أمام اختبار يتجاوز التحقق من تاريخ الميلاد إلى التعامل مع الحسابات القائمة، والحالات المشتركة، وتعدد مستخدمى الجهاز والخط، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على البيانات الشخصية.

وفى المقابل، يظل الإنترنت جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال، بما يوفره من أدوات للتعلم والمعرفة والوصول إلى المحتوى المفيد، وهو ما يجعل الهدف من الضوابط ليس عزل الطفل عن العالم الرقمى، وإنما تقليل المخاطر التى قد يتعرض لها داخله.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق