«القراءة والحساب».. لماذا تعود وزارة التربية والتعليم إلى الأساسيات؟
الأحد، 27 سبتمبر 2026 11:36 ص
إبراهيم الديب
بينما تمضي منظومة التعليم المصرية في مسارات متوازية لتطوير المناهج، وتعزيز التقييم، والتوسع في استخدام التكنولوجيا، وتنمية المهارات والقدرات لدى الطلاب بما يسهم في تخريج جيل قادر على مواكبة متطلبات العصر، وتلبية احتياجات سوق العمل، فإن الوزارة اهتمت بالتركيز على تنمية المهارات الأساسية في رحلة التعليم وهي القراءة والكتابة والحساب، باعتبارها قاعدة لاغنى عنها لبناء قدرته على الفهم والتفكير ومواصلة التعلم.
وجاء إطلاق المرحلة الرابعة من البرنامج القومي لتنمية مهارات اللغة العربية، بالتزامن مع إطلاق المرحلة الأولى من البرنامج القومي لتنمية مهارات الحساب، ليضع «التعلم التأسيسي» في مقدمة أولويات الوزارة خلال المرحلة الحالية، وذلك بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في مصر ومؤسسة ساويرس للتنمية.
وتتبنى الوزارة في هذا الملف تصورًا يقوم على أن وجود الطالب داخل المدرسة لا يمثل وحده دليلًا على تحقق التعلم، وإنما المعيار الأساسي هو ما يكتسبه الطفل بالفعل من مهارات وقدرات داخل الفصل، وليس مجرد حضوره وآداء ماعليه من واجبات، بل التأكد من تحقيق إضافة جديدة إلى عقلية الطفل، واكتسابه مهارات تمكنه من مواصلة رحلته التعليمية بشكل كامل، وتحصيله من العلم والمعلومات والخبرات مايمكنه من مواصلة حياته بشكل يعود بالنفع عليه وعلى المجتمع ككل.
وفي هذا الصدد، أكد وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، خلال فعالية إطلاق المرحلتين الجديدة من برنامجي القراءة والحساب، أن مسؤولية المنظومة التعليمية لا تكتمل بمجرد دخول الطفل إلى الفصل، وإنما تتحقق عندما يتعلم الطفل بالفعل، مشيرًا إلى أن الوزارة عملت خلال الفترة الماضية على تحسين الحضور، والتعامل مع عجز المعلمين والكثافات المرتفعة، وتعزيز المحتوى التعليمي ومنظومة التقييم، باعتبارها مقومات أساسية للوصول إلى تعلم حقيقي.
وتكشف نتائج البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة، الذي نُفذ على ثلاث مراحل، عن حجم الفجوة التي استهدفتها الوزارة بالتدخلات العلاجية.
ووفق البيانات الرسمية التي استعرضها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، امتد تنفيذ البرنامج خلال الفترة من يناير (2025) حتى يونيو (2026)، واستهدف تنمية مهارات القراءة والكتابة لدى تلاميذ الصفوف من الثالث إلى السادس الابتدائي.
وشملت المرحلة الأولى (10) محافظات بإجمالي (980) مدرسة، وأظهرت نتائج التقييم وجود نحو (199.2) ألف تلميذ يحتاجون إلى تنمية مهارات القراءة والكتابة، قبل أن ينخفض العدد إلى نحو (53.8) ألف تلميذ، وفي المرحلة الثانية، التي شملت (10) محافظات بإجمالي (1000) مدرسة، تراجع عدد التلاميذ الذين يحتاجون إلى تنمية مهارات القراءة والكتابة من نحو (137.8) ألف تلميذ إلى نحو (35.8) ألف تلميذ.
أما المرحلة الثالثة، التي شملت (7) محافظات بإجمالي (1114) مدرسة، فانخفض عدد التلاميذ الذين يحتاجون إلى دعم في هذه المهارات من نحو (72.6) ألف تلميذ إلى نحو (13.8) ألف تلميذ، كما أوضحت البيانات الرسمية أن البرنامج اعتمد على التقييم والمتابعة المستمرة، وأنه تم تدريب نحو (30) ألف معلم على البرنامج باستخدام المنصات التعليمية، إلى جانب تنفيذ (7500) زيارة ميدانية خلال فترة التنفيذ.
وتظهر الصورة نفسها عند النظر إلى نتائج الاختبارات التي أجرتها الوزارة على نحو (1.83) مليون طالب عبر المراحل الثلاث للبرنامج.
ففي المرحلة الأولى، التي امتدت من فبراير إلى مايو (2025)، بلغت نسبة الطلاب الذين يعانون من ضعف في مهارات القراءة والكتابة (45.5%).
ومع المرحلة الثانية، التي امتدت من أكتوبر إلى ديسمبر (2025)، تراجعت النسبة إلى (32.4%)، قبل أن تصل في نتائج المرحلة الثالثة، التي امتدت من فبراير إلى مايو (2026)، إلى (13.9%)، ولا تعني هذه النسب أن (13.9%) تمثل مستوى جميع طلاب التعليم المصري، وإنما هي نتائج الاختبارات التي أجريت في نطاق المراحل الثلاث للبرنامج وفق المحافظات والمدارس والفئات المستهدفة بكل مرحلة.
مع هذه النتائج، انتقلت الوزارة إلى خطوة جديدة تتمثل في إطلاق برنامج قومي لتنمية مهارات الحساب، للمرة الأولى ضمن هذا الإطار القومي، مستفيدة من الخبرة التي تراكمت خلال مراحل برنامج القراءة والكتابة.
وانطلقت المرحلة الأولى من برنامج الحساب في (10) محافظات هي: الفيوم، وأسوان، وأسيوط، وشمال سيناء، والإسكندرية، والجيزة، والقاهرة، ودمياط، وسوهاج، والإسماعيلية.
وتتعامل الوزارة مع الحساب باعتباره أكثر من مجرد القدرة على إجراء عمليات الجمع والطرح والضرب، إذ يربطه البرنامج بقدرة الطفل على التعامل مع الأرقام، والتعرف على الأنماط، والتفكير المنطقي، وتفسير المعلومات، والوصول إلى حلول للمشكلات، وبذلك تضع الوزارة القراءة والحساب في إطار واحد باعتبارهما مهارتين تأسيسيتين؛ فالقراءة تمكن الطفل من الوصول إلى المعرفة وفهمها، بينما تساعده المهارات الحسابية على التعامل مع المعلومات والأرقام والتفكير بصورة منظمة.
وبالتوازي مع إطلاق برنامج الحساب، بدأت المرحلة الرابعة من البرنامج القومي لتنمية مهارات اللغة العربية في محافظات سوهاج وأسيوط والفيوم، لتبني على ما تحقق في المراحل الثلاث السابقة.
وتقوم فلسفة البرنامج على اكتشاف فجوات التعلم من خلال التقييم، ثم توجيه التدخلات العلاجية إلى الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم، مع تدريب المعلمين ومتابعة التنفيذ وقياس التطور في مستوى الطلاب.
ووفق بيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، شهدت المراحل الثلاث السابقة تحسنًا في أعداد التلاميذ الذين يحتاجون إلى دعم، وهو ما يظهر في الفارق بين نتائج التقييم القبلي والبعدي في كل مرحلة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتحدث فيه وزارة التربية والتعليم عن تطوير المناهج وتحديث منظومة التعليم والاستعداد لمتطلبات المستقبل، إلا أن الوزارة تربط الوصول إلى هذه المرحلة بإتقان المهارات الأساسية أولًا.
وفي هذا السياق، أكد الوزير أن بناء جيل قادر على التعامل الواعي مع التطورات التكنولوجية، ومنها الذكاء الاصطناعي، يبدأ من امتلاك الطلاب للمهارات الأساسية، مشيرًا إلى ارتباط الرياضيات والمهارات الحسابية بالمعارف التي تقوم عليها مجالات التكنولوجيا والبرمجة.
ومن هنا، تبدو عودة «القراءة والحساب» إلى صدارة المشهد التعليمي باعتبارها محاولة لمعالجة فجوات التعلم في مراحل مبكرة، بدلًا من انتقال الطالب إلى صفوف أعلى وهو يحمل معه فجوة في مهارة أساسية يحتاج إليها في جميع المواد الدراسية.