وزارة الأوقاف تستعرض سيرة الإمام الحسين ومكانته في ذكرى مولده
الإثنين، 28 سبتمبر 2026 12:29 م
منال القاضي
أكدت وزارة الأوقاف أن الحديث عن سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما ليس حديثًا عن شخصية تاريخية عابرة، بل هو حديثٌ عن بضعةٍ من رسول الله ﷺ، وعن روحٍ سرت فيها أنوار النبوة، وتجسدت فيها معاني البطولة والفداء.
يأتى ذلك بالتزامن مع انطلاق احتفالات المصريين بمولد الإمام الحسين وهى ذكرى استقرار رأس الحسين بمرقده الحالى حيث تبدأ من يوم 30 سبتمبر وحتى يوم 6 أكتوبر القادم.
إشراقةُ النور (الاسم، النسب، والمولد)
هو الغصنُ الزاكي من الشجرة النبوية المباركة، مجمعُ الفخار، وسليلُ الأطهار، فاسمه ونسبه هو الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيٍّ، وأمه هي سيدة نساء العالمين البتولُ الزهراء فاطمةُ بنتُ رَسُول اللهِ ﷺ، وأمها الطاهرة خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ ، وقد أشرقت الدنيا بطلعته في المدينة المنورة حيث كان مَوْلِدُ سيدنا الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ رضي الله عنهما فِي الخَامِسِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ .
في حِجر النبوة (التسمية والنشأة)
لقد تولى جده المصطفى ﷺ تربيته وتسميته، فكانت نشأته نفحةً سماويةً وتوجيهًا نبويًا خالصًا، فلم يكن اسمه اختيارًا عابرًا بل وحيًا واختيارًا نبويًا؛ فقد ورد عَنْ عَلِيِّ بنِ أبي طالب قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا، قَالَ: «بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ» ، وكنيته: أَبُو عَبْدِ اللهِ، وقد عق عنه النبي ﷺ كما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا" .
ميراثُ العلم (الرواية والدراية)
كان سيدنا الحسينُ وعاءً للعلم، فقد نهل من المعين الصافي ونقل الهدي النبوي، فروى الحسين بن علي عن جده النبي ﷺ وروى أيضًا عن أبويه (سيدنا علي وسيدتنا فاطمة) وعن سيدنا عمر بن الخطاب وآخرين رضي الله عنهم أجمعين.
وقد روى عن سيدنا الحسين بن علي: ولداه سيدنا عليّ والسيدة فاطمة وعبيد بن حنين وهمام الفرزدق وعكرمة والشعبي وطلحة العقيلي وابن أخيه زيد بن الحسن وابنته سكينة وآخرون.
مقاماتُ الولاية ومنازلُ المحبة (المناقب)
وهنا يقف القلمُ خاشعًا أمام فيض المحبة النبوية التي غمرت الحسين، فقد خصه جده ﷺ بمقاماتٍ من الحب والرعاية لا تُضاهى، فمن التحصين النبوي ما رواه البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» وكان رضي الله عنه كثير الشبه بجده المصطفى ﷺ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: "كَانَ أَشْبَهَهُمْ (أي أشبه أهل بيته به) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَخْضُوبًا (أي مصبوغًا) بِالْوَسْمَةِ (نبات يميل إلى سواد يصبغ به)"
وعن القرب المكاني والمكانة روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ. حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ، هَذَا قُدَّامَهُ وَهَذَا خلفه" .
وهو رضي الله عنه ريحـانةُ القلب كما روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»
وقد تجلى ذلك في الشفقة النبوية فعن بريدة قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ ﴿إِنَّمَاۤ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةࣱۚ﴾، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» ، وكان هذا الحبُّ متصلًا بحب الله، فقد روى الترمذي عن أسامة بن زيد قال: طَرَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي، قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ، فَقَالَ: «هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» .
أما عن الامتزاج الروحي والقلبي بين سيدنا الحسين وجده النبي ﷺ فقد ورد عَنْ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى طَعَامٍ دُعُوا لَهُ، فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي السِّكَّةِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَفِرُّ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَيُضَاحِكُهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَالْأُخْرَى فِي فَأْسِ رَأْسِهِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ» .
وتوجت هذه المناقب ببشارات الجنة وشهادة التطهير الإلهي، فقد ورد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» ، وهم أهل الكساء كما روى مسلم عن عائشة قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ. فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ. ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا. ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرا» .
إنَّ هذا الفيضَ الغزيرَ من المناقبِ والمواقفِ لم يكنْ مجردَ عاطفةٍ نبويةٍ فحسب، بل كان إعلانًا ربانيًّا بمكانةِ الحسينِ التي لا تدانيها مكانة، وتأكيدًا على أنَّ حبهُ صارَ ميزانًا للإيمانِ واختبارًا للمحبةِ الصادقةِ لجدهِ المصطفى ﷺ، فمن تلك الرعايةِ التي شملتهُ صغيرًا، ومن ذلك الامتزاجِ الروحيِّ الذي جعلهُ ﷺ امتدادًا لذاتهِ الشريفة، ندركُ أنَّ الحسينَ لم يكنْ سبطًا من الأسباطِ فحسب، بل كان نورًا من ذلك النورِ النبويِّ، الذي طهرهُ اللهُ تطهيرًا، وجعلَ حبهُ طريقًا يفضِي بصاحبهِ إلى جناتِ النعيم، ليكونَ مع سيدِ شبابِ أهلِ الجنةِ في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدر.