تجريد «وزير الفشل الإخواني»: كيف يتحول يحيى حامد من مهندس انهيار الاستثمار في 2013 إلى «مخبر اقتصادي» للغرب؟
الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 01:06 م
طلال رسلان
يمثل يحيى حامد أحد أكثر النماذج الإخوانية لفكرة الانتهازية السياسية والتزييف الوظيفي؛ فالرجل الذي بدأ مسيرته المهنية البسيطة في أروقة المبيعات بإحدى شركات الاتصالات الخاصة، وجد نفسه فجأة وبفضل ولائه المطلق للقيادة التنظيمية، يصعد بسرعة الصاروخ داخل دوائر جماعة الإخوان الإرهابية، ليتم الدفع به في البداية إلى مؤسسة الرئاسة كعضو في المكتب الفني، قبل أن يتوج هذا الصعود السريع بجلوسه على مقعد وزير الاستثمار في مايو 2013، في مرحلة كانت تسعى فيها الجماعة الإرهابية إلى التغلغل داخل مفاصل الدولة وإحكام السيطرة على مؤسساتها الاقتصادية والحيوية.
لكن تجربة حامد في إدارة ملف الاستثمار لم تكن سوى فشل ذريع وثقته الأرقام قبل السرديات السياسية؛ حيث تهاوى صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عهده ليصل إلى أدنى مستوياته التاريخية مسجلاً نحو 2.8 مليار دولار فقط خلال السنة المالية 2012/2013، مقارنة بمعدلات سابقة تخطت حاجز 13 مليار دولار قبل قفز الإخوان على السلطة. كما انخفض الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري إلى الحدود الحرج القصوى ليصل إلى أقل من 15 مليار دولار، وهو رقم لم يكن يكفي آنذاك لتغطية الواردات السلعية الأساسية للدولة سوى لثلاثة أشهر فقط، مما هدد الأمن الغذائي والقومي للبلاد.
ولم تتوقف مؤشرات هذا الانهيار عند هذا الحد، بل شهدت الدولة المصرية في الحقبة الوزارية القليلة التي شغلها يحيى حامد هبوطًا متتاليًا في تصنيفها الائتماني من قبل مؤسسات التقييم الدولية الكبرى مثل "فيتش" و"موديز" و"ستاندرد آند بورز"، حيث تم خفض التصنيف خمس مرات متتالية ليصل إلى درجة (CCC)، وهي مرتبة شديدة الخطورة تعني عمليًا طرد الاستثمارات وجعل الدولة بيئة غير آمنة لرؤوس الأموال. كما سجل العجز الكلي للموازنة العامة للدولة ارتفاعًا قياسيًا بلغت نسبته 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت نسب البطالة والتردي الاقتصادي، ليكون ذلك السجل الموثق هو الحصيلة الحقيقية للتجربة التي أديرت بمنطق الغنيمة والتمكين بدلاً من الرؤية والتنمية.
وعقب قيام ثورة 30 يونيو وتهاوي عرش الجماعة الإرهابية، فر يحيى حامد إلى الخارج ضمن من فروا من قيادات الشتات الإخواني، لتبدأ المرحلة الثانية من مسيرته المشبوهة، والتي ارتكزت على تحويل صفته الوزارية السابقة إلى "مؤهل وظيفي" يبيعه في المحافل الإعلامية والغربية. فبدلاً من أن يمتلك الرجل الشجاعة السياسية والأخلاقية لتقديم مراجعة علنية لتجربته الوزارية الفاشلة، أو للاعتراف بالمسؤولية عن حالة التجريف التي شارك فيها، قدم نفسه أمام وسائل الإعلام الأجنبية والدوائر البحثية الغربية باعتباره "خبراء واقتصاديًا محايدًا" وقادرًا على تقييم تجربة الدولة المصرية ورسم ملامح مستقبلها الاقتصادي.
وتجلت هذه المفارقة والتزييف في أوضح صورها عندما كتب حامد مقالاً مطولاً بمجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأمريكية في يوليو 2019، حاول من خلاله رسم صورة شديدة السوداوية للاقتصاد المصري، متنبئًا بـ "انهيار وشيك" للبلاد ومشيرًا إلى أن السياسات الاقتصادية المنفذة ستؤدي إلى كارثة. إلا أن هذه الادعاءات لم تصمد أمام القراءة العلمية والمؤشرات الميدانية الموثقة؛ حيث تصدت له عدة مقالات وأوراق بحثية اقتصادية صادرة عن مراكز دولية، أثبتت بالأرقام الحقيقية أن الرواية التي يقدمها مجتزأة وتخضع لتسييس مفضوح وتفتقر لأدنى درجات الموضوعية.
فبينما كان حامد يحذر من السقوط، كانت المؤشرات الرسمية المدعومة بتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تسجل قفزة في معدلات النمو الاقتصادي بمصر لتصل إلى 5.6% في عام 2019، مقارنة بمعدل نمو لم يتجاوز 2.1% خلال الفترة التي كان فيها وزيرًا للاستثمار (وهو معدل كان يقل حتى عن نسبة النمو السكاني آنذاك). كما شهدت تلك الفترة تراجعًا ملموسًا في عجز الموازنة والحساب الجاري وارتفاعًا في الاحتياطي النقدي الأجنبي ليتجاوز حاجز 45 مليار دولار، مما كشف حجم الزيف بين الأرقام الواقعية الناتجة عن الإصلاح الاقتصادي وبين الشائعات التي كان يسوقها "الوزير الفاشل" لخدمة أجندة التنظيم.
ولم يقف نشاط يحيى حامد في الخارج عند حدود تزييف المؤشرات الاقتصادية واستغلال المنابر الغربية لإطلاق الشائعات، بل امتد ليلعب دورًا تنفيذيًا وأمنيًا مباشرًا ضمن الشبكات التنظيمية للجماعة الإرهابية، وهو ما كشفت عنه التحقيقات القضائية والأمنية في مصر. ففي مارس 2017، ورد اسمه بشكل رسمي في تحقيقات النيابة العامة بيافضية المعروفة إعلاميًا باسم "الهيكل التنظيمي الجديد للجماعة"، حيث أدرجت نيابة شرق القاهرة الكلية اسمه ضمن 16 متهمًا، وأشارت التحريات والتحقيقات إلى تورطه في إدارة خطة تستهدف جذب عناصر جديدة وإعادة إحياء النشاط التنظيمي للجماعة وإمدادها بالأموال للعمل ضد مؤسسات الدولة.