الحرب الباردة التكنولوجية على مقياس الأمن القومي .. صراع الصين والغرب لتحصين المستقبل الرقمي
السبت، 03 أكتوبر 2026 02:11 م
هانم التمساح
في مشهد يتقاطع فيه رأس المال الضخم مع صراعات النفوذ الجيوسياسي، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي تحولات جذرية مع مطلع خريف عام 2026. فبينما تقود مجموعة من عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة موجة غير مسبوقة من التحذيرات العلنية المطالبة بإبطاء تطوير النماذج والرقابة الصارمة، تتبنى قوى عالمية كبرى مثل الصين وفرنسا مقاربات استراتيجية مغايرة تماماً، تكشف عن أبعاد خفية تتجاوز مخاوف السلامة الوجودية إلى صراع السيطرة على الأسواق والسيادة الوطنية.
وشهد المشهد التقني في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة انقلاباً نحو ما يعرف بـحالة الذعر العامة ، إثر مقالات وتحذيرات متطابقة أصدرها قادة كبار الشركات مثل داريو أمودي (أنثروبيك)، وسام ألتمان (OpenAI)، وإيلون ماسك، وانضم إليهم لاحقاً ديميس هاسابيس (جوجل ديب مايند) وساتيا ناديلا (مايكروسوفت).
هذا الإجماع المفاجئ يخفي دوافع هيكلية ومالية عميقة، و يتزامن هذا الذعر مع تصاعد تقارير مؤسسات كبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي وجلدمان ساكس حول تضخم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليلامس تريليون دولار، وسط شكوك حول استدامة هذه التقييمات والنمو العضوي.
ويُنظر إلى الدعوات لفرض قيود تنظيمية صارمة وعمليات تدقيق مكلفة على أنها محافظة على المصالح ، تهدف إلى رفع تكلفة دخول السوق والقضاء على منافسة المصادر المفتوحة التي تهدد هوامش أرباح عمالقة الإقطاع الرقمي.
وفي المقابل، تتعامل الصين مع التحذيرات الغربية برفض قاطع، معتبرة إياها أداة ضمن استراتيجية حرب باردة تهدف لعرقلة التقدم التكنولوجي الصيني.
وعلى الجانب الآخر، تفرض الدولة الصينية رقابة محكمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، محذرة من مخاطر اختراق البنى التحتية الحيوية، ما يعكس مفارقة أن بكين لا تخشى الذكاء الاصطناعي بذاته، بل تخشى الذكاء الاصطناعي الأمريكي الموجه كأداة هيمنة ضد مصالحها.و واصلت بكين التنديد بالقيود الأمريكية المفروضة على تصدير الرقائق، واصفة إياها بالحصار الذي يسحب مصداقية أي تحذيرات أمنية غربية.
وبدت أوروبا، وتحديداً فرنسا، في موقع مغاير يعتمد على استراتيجية التسريع الممول وطنيا ، حيث كشفت ورقة سياسات صادرة عن مجموعة الدراسات الجيوسياسية الأوروبية بعنوان عملية بروميثيوس عن خطة مدتها ثلاث سنوات لبناء مختبر ذكاء اصطناعي وطني ومستقل.
وتدعو الخطة إلى تجنب مخاطر الاعتماد الوجودي على النماذج الأمريكية التي تحتفظ بواشنطن أو شركاتها حق قطع الوصول إليها دون سابق إنذار.
يقترح النموذج هيكلاً ثنائياً يجمع بين مختبر علمي مستقل وبرنامج بنية تحتية تقوده الدولة لضمان الطاقة والأراضي، مع احتفاظ الدولة بحصة أقلية تضمن حرية البحث وحماية الأمن القومي ضد الاستحواذ الأجنبي.
وتؤكد التطورات الراهنة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قفزة تكنولوجية بحتة، بل تحول إلى أصل استراتيجي يعيد صياغة موازين القوى الدولية وشبكات الإنتاج الرأسمالي. وبينما تحاول الشركات الأمريكية هندسة اللوائح لصالح احتكاراتها، وتصر الصين وفرنسا على انتزاع الاستقلالية وحماية الأمن القومي، تظل الثقة في خطابات "الذعر الوجودي" محل شك واسع لدى المراقبين الاقتصاديين والسياسيين.