من "السكري" إلى خريطة المعادن الحرجة.. مصر تفتح أبوابها أمام عمالقة التعدين
السبت، 03 أكتوبر 2026 11:00 م
منتدى التعدين 2026 يكشف: 403 عروض استثمارية و119 شركة تتنافس على 118 قطاعًا
دخل قطاع التعدين المصري مرحلة جديدة من الانفتاح على الاستثمارات المحلية والأجنبية، مع تصاعد اهتمام الشركات العالمية بفرص البحث والاستكشاف واستغلال الثروات المعدنية، في وقت تتجه فيه الدولة إلى إعادة صياغة منظومة التعدين، ليس باعتبارها نشاطًا يقتصر على استخراج الخامات، وإنما كقاعدة لإقامة صناعات متكاملة وتعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية.
وجاءت فعاليات النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين 2026، الذي عقد بالعاصمة الجديدة الأسبوع الماضى، تحت شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي»، لتكشف حجم الاهتمام الدولي بالقطاع، بمشاركة أكثر من 6 آلاف خبير ومتخصص ونحو 100 شركة عارضة، وبحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أكد دعم الدولة لنجاح استثمارات الشركات ورجال الأعمال في قطاع التعدين ومختلف المجالات.
وكشفت بيانات المنتدى عن إقبال متزايد من الشركات على قطاعات التعدين المطروحة للاستثمار، حيث تقدم نحو 400 شركة على قطاعات مختلفة، فيما شهد نظام طرح القطاعات التعدينية بنظام المناطق المفتوحة، منذ إطلاقه في 10 يونيو 2026، تقدم 119 شركة، بينها أكثر من 14 شركة أجنبية من أستراليا والمملكة المتحدة وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين.
وقدمت هذه الشركات 403 عروض على 118 قطاعًا من إجمالي 335 قطاعًا تم طرحها، بمساحات تقارب 45 ألف كيلومتر مربع، وتشمل مناطق واعدة بخامات الذهب والفوسفات والتلك والكاولين وغيرها من المعادن.
ويأتي الذهب في مقدمة الخامات التي تستقطب اهتمام شركات التعدين العالمية، وهو ما ظهر بوضوح في إعلان "أنجلو جولد أشانتي" تقدمها بطلبات للاستثمار في 19 منطقة جديدة للبحث عن الذهب بالصحراء الشرقية، تغطي مساحة تزيد على 3 آلاف كيلومتر مربع.
وأكد ألبرتو كالديرون، الرئيس التنفيذي للشركة، أن «أنجلو جولد أشانتي» تعتزم تخصيص ميزانية لأعمال الاستكشاف في المناطق البكر خلال عام 2027، مستفيدة من فرقها المتخصصة وتقنيات إعداد الخرائط باستخدام الأقمار الصناعية والمسح الجيوفيزيائي الجوي وتكنولوجيا الحفر، بهدف البحث عن مكامن جديدة للذهب.
وخلال لقائه مع كالديرون، أكد الرئيس السيسي تقديره للشراكة الاستراتيجية مع الشركة المشغلة لمنجم السكري، مشددًا على اهتمام الدولة بدعم استثماراتها وتوفير البيئة الملائمة لنمو أعمالها.
شهد اللقاء استعراضا لتطورات أعمال الشركة وخططها المستقبلية للتوسع في السوق المصرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في قطاع التعدين، وأشاد ألبرتو كالديرون بالدعم المتواصل الذي توليه الدولة المصرية للشركة، وما تبذله الجهات المعنية من جهود لتذليل أي تحديات قد تواجه أنشطتها في مصر، كما استعرض تطورات استثمارات الشركة الرئيسية في مصر ومختلف الدول التي تنشط بها حول العالم، مؤكدا أن مصر تمثل إحدى الوجهات الاستثمارية ذات الأولوية للشركة، موضحاً أن "أنجلو جولد أشانتي" تعتزم ضخ المزيد من الاستثمارات خلال الفترة المقبلة في عدد من المواقع الواعدة بقطاع التعدين المصري، بما يعزز من فرص اكتشاف وتطوير مشروعات جديدة على غرار منجم السكري.
وشهد اللقاء نقاشا موسعا حول آفاق توسيع برامج الاستكشاف التي تنفذها الشركة في مصر، ولا سيما في مجال تعدين الذهب، حيث أكد الرئيس السيسي حرص الدولة على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لدعم أنشطة الشركة وتيسير أعمالها، في إطار استراتيجية مصر للتوسع في قطاع التعدين وتعظيم مساهمته في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي يزخر بها هذا القطاع لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وتتجاوز الرؤية المصرية بالنسبة للشركة حدود تشغيل منجم السكري، إلى بناء شراكة أوسع في قطاع التعدين تشمل الاستكشاف ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.
ويمثل منجم السكري نموذجًا رئيسيًا في الرؤية المصرية لتطوير القطاع.
ولم يقتصر الاهتمام على الشركات العاملة في الذهب، حيث أكد دوج هوراك، الرئيس التنفيذي لمجموعة أستراليا-أفريقيا للمعادن والطاقة، أن مصر تمر بمرحلة مهمة تستهدف تطوير قطاع التعدين، مشيرًا إلى التواصل خلال الأشهر الاثني عشر الماضية مع وزارة البترول والثروة المعدنية ومسؤولي التعدين في مصر لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار، كما أكد روهيتش داوان، الرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن، أن مصر أمام فرصة لتطوير قطاع تعدين أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، مشيرًا إلى أن الإصلاحات التي تنفذها الحكومة تمثل خطوة مهمة لدفع القطاع إلى الأمام.
ولفت داوان إلى أن الفرصة لا تقتصر على تحول مصر إلى دولة منتجة للمعادن، وإنما تمتد إلى إمكانية بناء مركز متكامل للمعادن الحيوية والاستراتيجية، مستفيدة من القاعدة الصناعية المصرية في جذب استثمارات بمجالات التكرير والمعالجة وزيادة القيمة المضافة.
وفي السياق ذاته، أكدت نامراتا ثابار، المديرة العالمية لقطاع المعادن والتعدين بمجموعة البنك الدولي، أن منتدى مصر للتعدين يمثل منصة مهمة للحوار والتعاون حول مستقبل القطاع، مشيرة إلى أن أجندة الإصلاح توفر أساسًا لمزيد من التعاون والاستثمار، مع دعم البنك الدولي للشراكات والاستثمار والإصلاحات الرامية إلى تعزيز تنافسية القطاع وخلق فرص العمل وتنويع الاقتصاد.
الحكومة تستهدف رفع مساهمة التعدين إلى 6%
وأكد المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أن مصر تمتلك المقومات الأساسية لبناء قطاع تعدين متكامل قادر على زيادة إسهامه في الاقتصاد الوطني، مستهدفًا رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع زيادة الاستثمارات والشركات العاملة والتوسع في التصنيع وتعظيم القيمة المضافة.
وتستند استراتيجية تطوير القطاع إلى ما تمتلكه مصر من ثروات جيولوجية متنوعة في الصحراء الشرقية وجنوب سيناء، إلى جانب موقعها ضمن نطاق الدرع العربي النوبي، بما يتيح فرصًا للبحث والاستكشاف عن الذهب والنحاس والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن.
كما تستهدف الدولة تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي للقطاع، وفي هذا الإطار صدر القانون رقم 87 لسنة 2025 بإعادة تنظيم هيئة الثروة المعدنية وتحويلها إلى هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية كهيئة اقتصادية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع إعداد نموذج جديد لاتفاقيات استغلال الذهب، يستهدف توفير مزيد من الوضوح والمرونة وتعزيز تنافسية الاستثمار، وهو ما انعكس، وفق ما أعلنته وزارة البترول، في اهتمام شركات تعدين عالمية كبرى بهذا النموذج.
ويمثل الفوسفات أحد المحاور الرئيسية في خطة تطوير قطاع التعدين، مع توجه الدولة إلى إقامة صناعات تحويلية وعدم الاكتفاء بتصدير الخامات في صورتها الأولية، وفي هذا الإطار، يجري العمل على تنفيذ 8 مشروعات صناعية جديدة لتعظيم الاستفادة من خام الفوسفات، في مقدمتها المرحلة الأولى من مجمع حامض الفوسفوريك بأبو طرطور، بطاقة إنتاجية تبلغ 250 ألف طن سنويًا واستثمارات تصل إلى 650 مليون دولار، مع استهداف بدء الإنتاج عام 2028، كما تتضمن الخطط إقامة مشروعات لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية بالتعاون مع مستثمرين مصريين ودوليين، إلى جانب التوسع في استغلال الخامات والمعادن اللازمة لصناعات الطاقة والصناعات المستقبلية.
وكشف أحمد عبد المجيد، مدير عام الإدارة العامة للاستكشاف بالهيئة العامة للثروة المعدنية، عن اهتمام شركات صينية وهندية باستغلال خام الفوسفات وإقامة صناعات ذات قيمة مضافة، مشيرًا إلى تقدم شركات لتنفيذ مشروعات لإنتاج حمض الفوسفوريك من خام أبو طرطور باستثمارات تصل إلى 650 مليون دولار.
وتتجه الحكومة إلى ربط السياسة التعدينية بالسياسة الصناعية، بهدف تحويل الموارد المعدنية إلى مدخلات للصناعة المصرية وخلق سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من عمليات الاستخراج، مرورًا بالمعالجة والتكرير، وصولًا إلى التصنيع والوصول للأسواق النهائية، وأكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن الحكومة تدرس المعادن المستخرجة حاليًا في مصر لتحديد مدى قابليتها للتصنيع وتحسين سلاسل القيمة، بما يسمح بتحويلها إلى مواد خام تخدم قطاع الصناعة.
وفي الاتجاه نفسه، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة وشركة «ميتسو» الفنلندية للتعدين لتقديم الدعم الفني والتشغيلي لمعالجة واستخلاص المعادن في مصر، وخاصة خام الحديد والفوسفات، إلى جانب إعداد دراسات الجدوى والتقييم الفني وتقديم الاستشارات الهندسية ونقل المعرفة ورفع كفاءة فرق العمل والشركات المحلية.
كما شارك المهندس خالد هاشم بجلسة نقاشية بعنوان "مواءمة تنمية الموارد المعدنية مع النمو الصناعي"، وأكد خلالها أن مصر اتخذت خلال السنوات الماضية خطوات جادة بهدف النهوض بالتعدين والصناعات التعدينية، وخاصة مع إطلاق استراتيجية الصناعة المصرية والتي حددت المعادن الأساسية ضمن الصناعات الاستراتيجية، لافتاً إلى أنه جاري حالياً دراسة كافة المعادن المستخرجة في مصر حالياً للوقوف على مدى قابليتها للتصنيع وتحسين سلاسل القيمة لمعالجة المعادن لزيادة القيمة المضافة للمعادن المصرية وتحويلها إلى مواد خام تخدم قطاع الصناعة.
وقال إن الحكومة تستهدف تطوير سلاسل قيمة متكاملة لقطاع التعدين تربط بين عمليات الاستخراج والمعالجة والتكرير والتصنيع القائم على المعادن، من خلال المواءمة بين سياسات التعدين والسياسات الصناعية، بما يسهم في توظيف الموارد المعدنية لدعم صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية والإقليمية، وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، وخلق فرص تصديرية جديدة، لافتاً إلى توجه الحكومة إلى التعامل مع الموارد المعدنية ليس باعتبارها سلعاً أساسية بل مواد خام للصناعات المتكاملة بهدف ربط الصناعة المصرية بسلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
وتعكس هذه التحركات توجهًا نحو التعامل مع الثروات المعدنية باعتبارها أساسًا لصناعات متكاملة، وليس مجرد موارد يتم استخراجها وتصديرها، بما يفتح المجال أمام زيادة القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة وخلق فرص تصديرية جديدة.
تعاون أفريقي لتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية
وحضر التعاون الأفريقي بقوة في فعاليات المنتدى، حيث عقد وزير البترول والثروة المعدنية لقاءات مع وزيري التعدين في كينيا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية، لبحث فرص التعاون في قطاع التعدين، حيث أكد بدوي أهمية الانتقال من تصدير الخامات في صورتها الأولية إلى تطوير صناعات تحويلية وقيمة مضافة داخل الدول المنتجة، بما يعظم العائد الاقتصادي من الموارد الطبيعية ويفتح مجالات جديدة للاستثمار والشراكة.
وشملت المناقشات فرص الاستفادة من خام الصودا آش في صناعة الزجاج، والتعاون في الفوسفات وصناعة الأسمدة، إلى جانب بحث إقامة مشروعات واستثمارات مشتركة.
كما شهد المنتدى إطلاق منتدى الهيئات التنظيمية للمعادن الأفريقية «AFMRA»، ليكون منصة للتعاون وتبادل الخبرات بين المؤسسات الوطنية المعنية بتنظيم قطاع التعدين في الدول الأفريقية، ويستهدف المنتدى القاري تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، ورفع كفاءة إدارة الموارد المعدنية، وتحسين منظومة التراخيص، وتعزيز الشفافية والحوكمة، بما يدعم قدرة الدول الأفريقية على جذب الاستثمارات وتحقيق قيمة مضافة من ثرواتها الطبيعية.
وفي إطار جهود تطوير عمليات الاستكشاف، كشف الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، عن إنجاز مصر خريطة تعدينية رقمية حديثة تغطي مناطق الجمهورية المختلفة، وتحدد مواقع واحتياطيات نحو 18 معدنًا، من بينها معادن رئيسية وأخرى حرجة ذات أهمية للصناعات المستقبلية، مشيراً إلى تنفيذ عمليات مسح جوي جيوفيزيائي وإشعاعي باستخدام تقنيات متطورة، بما ساهم، وفق ما ذكره، في تقليص فترات التقييم والاستكشاف وتوفير بيانات جيولوجية للمستثمرين.
وتأتي هذه الخطوة في إطار السعي إلى تسهيل عمليات البحث والاستكشاف، وتقليل المخاطر والتكاليف المرتبطة بدخول المستثمرين إلى القطاع، وتوفير قاعدة بيانات أكثر دقة عن الإمكانات التعدينية في مختلف مناطق الجمهورية.
وتشير مجمل التحركات التي شهدها منتدى مصر للتعدين 2026 إلى اتجاه واضح نحو إعادة صياغة دور قطاع التعدين في الاقتصاد المصري، من خلال جذب الاستثمارات إلى مراحل الاستكشاف والإنتاج، بالتوازي مع إقامة صناعات تحويلية وربط التعدين بالصناعة والطاقة والبنية الأساسية.
وبينما تتسابق الشركات على فرص البحث عن الذهب والفوسفات وغيرها من المعادن، تتحرك الحكومة في مسار موازٍ لتطوير التشريعات والمؤسسات وطرح المناطق التعدينية وفق آليات أكثر مرونة، إلى جانب بناء شراكات دولية ونقل التكنولوجيا والخبرات.