إصلاح النظام الدولي وحماية الأمن القومي: رؤية مصرية شاملة على منصة الأمم المتحدة.. صوت للسلام وحماية مصالح الدول

السبت، 03 أكتوبر 2026 10:00 م
إصلاح النظام الدولي وحماية الأمن القومي: رؤية مصرية شاملة على منصة الأمم المتحدة.. صوت للسلام وحماية مصالح الدول
طلال رسلان

الدولة الوطنية والحفاظ على المؤسسات أساس الاستقرار.. وأمن المنطقة كل لا يتجزأ.. ورفض تفكيك الدول وإنشاء كيانات موازية

لا سلام دون دولة فلسطينية مستقلة.. رفض التهجير والتمسك بحل الدولتين

رفض تحويل البحار والممرات والمضايق البحرية إلى أدوات للضغط والابتزاز.. وأمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة

النيل قضية وجودية لا تحتمل المساومة.. والتعاون بين دول الحوض ورفض الإجراءات الأحادية الطريق الوحيد للحل

القاهرة تفتح ملف الظلم التاريخي لأفريقيا في مجلس الأمن وتطالب بإصلاح مؤسسات صنع القرار والتمويل الدولي

    

 

 

جاءت المشاركة المصرية في أعمال الدورة العادية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حافلة باللقاءات والمباحثات والفعاليات، عكست خلالها القاهرة رؤيتها تجاه عدد من الملفات الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها إصلاح منظومة العمل الدولي، وتعزيز دور الأمم المتحدة، ودعم السلام وتسوية النزاعات، إلى جانب القضايا المرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والأمن المائي وأمن المنطقة.

وترأس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الوفد المصري، وألقى بيان مصر أمام الجمعية العامة، فيما شارك الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، في سلسلة واسعة من الاجتماعات واللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف، تناولت ملفات سياسية وأمنية واقتصادية وتنموية.

 

إصلاح النظام الدولي.. تعددية أكثر عدالة وفاعلية

احتل إصلاح النظام الدولي موقعًا متقدمًا في التحركات المصرية بنيويورك، حيث طرح رئيس الوزراء رؤية القاهرة القائمة على ضرورة معالجة الفجوة المتزايدة بين ما يُعلن من مبادئ وما يجري تطبيقه فعليًا، وكذلك بين من يملك القدرة على اتخاذ القرار ومن يتحمل تبعاته، مؤكداً أن العالم لا يحتاج إلى تعددية شكلية تكتفي بجمع الدول في نقاشات مفتوحة، وإنما إلى تعددية فعالة تستعيد الاحتكام إلى القانون الدولي، وتبتعد عن سياسات القوة والاستقطاب والمعايير المزدوجة.

وتقوم الرؤية المصرية لاستعادة الثقة في النظام الدولي على ثلاث ركائز مترابطة: العدالة في التمثيل وصنع القرار، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية والتحول، وأوضح مدبولى، أن هذه ليست دعوة إلى إعادة بناء النظام الدولي من الصفر، بل دعوة إلى الوفاء بوعوده ومقاصده الأصلية، والتي تقوم على مساواة الدول في السيادة، واحترام القانون، وتسوية النزاعات سلمياً، وتحقيق التعاون الدولي لصالح الشعوب، وتمكينها من الاستفادة من ثمار التقدم العلمي المتسارع.

وفي هذا السياق، جددت مصر تمسكها بإصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن، وفقًا لتوافق أوزولويني وإعلان سرت، بما يعالج بصورة خاصة ما تعتبره القاهرة ظلمًا تاريخيًا واقعًا على القارة الأفريقية، ويمنحها تمثيلًا أكثر عدالة في المؤسسات الدولية المعنية بصنع القرار.

ولم تقصر القاهرة حديثها عن العدالة الدولية على البعد السياسي، بل ربطته بالاقتصاد العالمي، في ظل ما تواجهه الدول النامية من أعباء ديون متزايدة، وارتفاع تكاليف التمويل، وضيق الحيز المالي، بالتزامن مع حاجتها إلى تمويل التنمية والتحول الأخضر والتكيف مع الأزمات.

ومن هنا، دعت مصر إلى إصلاح بنية التمويل الدولي، وزيادة التمويل الميسر، وتعزيز قدرة بنوك التنمية متعددة الأطراف على الحشد والإقراض، وتسريع معالجة أزمات الديون بصورة عادلة وفعالة.

وارتباطاً بهذا الموضوع، وخلال مشاركته فى الإفطار رفيع المستوى حول السلام، الذي انعقد بدعوة من رئيس فنلندا، تحت عنوان: «تجديد الالتزام بوعد السلام: تسخير القدرات المتاحة لنا»، أكد مدبولى أن النزاعات المتنامية في العالم تؤثر على الاستقرار والسلام العالمي، وأهمية إيجاد تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية والتوقف عن انتهاج معايير مزدوجة عندما يتعلق الأمر بتلك القضية المحورية، مشدداً على ضرورة توسيع تمثيل أفريقيا في مجلس الأمن، ليس فقط لتصحيح الظلم التاريخي الذي وقع على أفريقيا، وإنما أيضًا لمنحها تمثيلًا عادلًا على طاولة صنع القرارات المتعلقة بمصيرها.

إصلاح الأمم المتحدة، هو أحد الأهداف المهمة التي سعت إليها القاهرة خلال السنوات الماضية، وأعاد التأكيد عليها مدبولى في نيويورك، خاصة خلال لقاءه أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة؛ بالإشارة إلى دعم مصر لمبادرة الأمين العام لإصلاح المنظمة "UN80" بركائزها الثلاث، مشيراً إلى ضرورة التأكيد على ملكية الدول الأعضاء لمسار التفاوض ضمن هذه المبادرة، وكذا الأهمية الكبيرة لمراعاة شواغل الدول النامية وضمان عدم استغلال عملية المراجعة كمدخل لتقليص التمويل المخصص لركيزة التنمية بالأمم المتحدة، كما جدَد الدكتور مصطفى مدبولي تأكيد الأهمية القصوى التي توليها مصر لضرورة إصلاح المؤسسات المالية العالمية، بما يجعلها أكثر عدالة وإنصافاً للدول النامية.

ومن مدبولى إلى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، استمر النهج المصرى، حيث أكد في الفعالية الوزارية رفيعة المستوى حول "القيادة الأفريقية والوقاية الوطنية وبناء السلام"، التي نظمتها مصر بالشراكة مع كينيا والاتحاد الأفريقي ومكتب الأمم المتحدة لبناء ودعم السلام، الدور الذي يضطلع به منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين منذ إطلاقه خلال رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام ٢٠١٩ في الدفع بنهج أفريقي ينتقل من إدارة الأزمات إلى الوقاية وبناء المؤسسات وتعزيز القدرة على الصمود، مستعرضاً الدور المصري في هذا المجال لاسيما في ريادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، لملف إعادة الإعمار والتنمية فيما بعد النزاعات داخل الاتحاد الأفريقي، مؤكداً أهمية تحقيق التكامل بين السياسة المحدثة للاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات ومخرجات مراجعة هيكل بناء السلام لعام 2025، وتعزيز التعاون بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والاستفادة من دور مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات بالقاهرة في دعم القدرات الوطنية الأفريقية.

كما شدد عبد العاطي خلال لقاءاته في نيويورك على ضرورة إيلاء شواغل وأولويات الدول النامية الاهتمام اللازم، مؤكداً أهمية إصلاح الهيكل المالي العالمي، وسد فجوة تمويل التنمية، وتوفير التمويل الميسر، وتيسير الحصول على القروض بشروط عادلة، فضلاً عن إيجاد حلول شاملة ومستدامة لأزمة الديون، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتوفير التمويل المناخي، بما يدعم جهود الدول النامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والتعامل مع تحديات الأمن الغذائي وأمن الطاقة وتداعيات تغير المناخ.

الإصلاح الأممى كان هدفاً مصرياً واضحاً، لكن ظلت القضايا الرئيسية المرتبطة بالأمن القومى المصرى وسياسة مصر الخارجية حاضرة بقوة في اللقاءات والمشاركات المصرية، وهو ما تم رصده في التفاصيل التالية.

 

فلسطين.. القضية المركزية في التحرك المصري

احتلت القضية الفلسطينية مساحة واسعة من المشاركة المصرية، حيث جددت القاهرة رفضها القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وأكدت مصر تمسكها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمتصلة جغرافيًا على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين ووفق قرارات الشرعية الدولية.

وشددت القاهرة على ضرورة حماية المدنيين، ورفض العقاب الجماعي، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، معتبرة أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يرتبط بمعالجة جذور القضية الفلسطينية وليس بإدارة الأزمة من جولة إلى أخرى، وخلال مشاركته في الفعاليات الدولية الخاصة بحل الدولتين، أكد مدبولي أن أسس هذا الحل تواجه تحديات متزايدة، في ضوء التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إلى جانب محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني للقدس الشرقية.

كما أكدت مصر ضرورة تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن رقم 2803 بصورة متزامنة، بما يشمل احترام وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات، والانسحاب الإسرائيلي، وحصر السلاح، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والبدء في إعادة الإعمار، مع رفض أي ضم للأراضي الفلسطينية أو تهجير للشعب الفلسطيني.

وفي الملف الإنساني، أكدت مصر استمرار دورها في تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، إلى جانب العمل على الانتقال من الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وخلال مشاركته في فعاليات القمة المنعقدة حول فلسطين بشأن حل الدولتين برئاسة المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، أكد الدكتور مصطفى مدبولى، أن أسس حل الدولتين تواجه تحديات غير مسبوقة في ظل ما تقوم به إسرائيل من توسع استيطاني واستيلاء على الأراضي، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني للقدس الشرقية، إلى جانب استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من قطاع غزة، واستمرار فرض قيود على دخول المساعدات.

وخلال الكلمة، أوضح رئيس مجلس الوزراء تأكيد مصر ضرورة تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كامل، وكذا قرار مجلس الأمن 2803 بصورة متزامنة، بما يشمل احترام وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات، والانسحاب الإسرائيلي، وحصر السلاح، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، مع تشديد مصر كذلك على رفضها القاطع لضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني، مع الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية وترابطها.

وخلال مشاركته في اجتماع لجنة تنسيق المساعدات للشعب الفلسطيني، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطى، علي دعم مصر الكامل للسلطة الفلسطينية وجهودها الإصلاحية، وضرورة تمكينها من تحديد أولوياتها وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين، مرحباً بإعلان السلطة الفلسطينية اعتزامها إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل، ومؤكداً ضرورة أن تشمل جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، بما يسهم في تجديد شرعية مؤسسات السلطة وتعزيز وحدة الصف الفلسطيني. كما أكد أهمية استئناف جهود المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، مؤكداً علي ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لدعم الاقتصاد الفلسطيني، وفي مقدمتها الإفراج عن عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب تحسين الأوضاع الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتيسير حركة الأفراد والتجارة بين الأراضي الفلسطينية.

وفى الاجتماع الوزاري لدعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، أكد عبد العاطى، رفض مصر القاطع للمحاولات الرامية إلى تقويض دور الأونروا أو استبدالها بأي منظمة أخرى أو نقل مسئولياتها إلى الدول المضيفة، مشدداً على أن استهداف الوكالة وموظفيها ومنشآتها يمثل مساساً بمنظومة العمل متعدد الأطراف.

واستضاف الدكتور بدر عبد العاطي، بمقر بعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، المائدة المستديرة رفيعة المستوى حول التعافي المبكر في قطاع غزة تحت عنوان "من شرم الشيخ إلى المرحلة الثانية: ترسيخ السلام والتعافي المبكر"، والتي عقدت برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية، حيث أكد على أهمية الانتقال سريعاً من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار كون ذلك التزاماً لا يمكن تأخيره، موضحاً أن الأولوية تتمثل في ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق ورفع العراقيل الاسرائيلية ذات الصلة.

 

الأمن الإقليمي.. الدولة الوطنية والحلول السياسية في مواجهة الفوضى

"تؤكد تجربة منطقتنا أن إدارة الأزمات بدلاً من حلها لا تصنع استقراراً، وإنما تؤجل الانفجار وتضاعف كُلفته. ومن هنا، تتمسك مصر برؤية واضحة للأمن الإقليمي، تقوم على سيادة الدول ووحدة أراضيها، واحترام مؤسساتها الوطنية، ورفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية لها، وإعلاء الحلول السياسية والتسويات الوطنية الجامعة فوق منطق القوة وفرض الأمر الواقع".. ملخص واضح ومهم للرؤية المصرية للأمن الأقليمى، من واقع تجربة عملية، أنتهت إلى خلاصة شديدة الأهمية، قوامها أن الدولة الوطنية القادرة والجامعة لكل مواطنيها، والمؤسسات الشرعية، هما الأساس الحقيقي والوحيد للاستقرار.

وفى الأمم المتحدة، أكدت الكلمة المصرية أن "الأمن كلٌ لا يتجزأ، ولا يمكن أن يقوم أمن دولة على انعدام أمن جيرانها، أو على تهديد طرق الملاحة والتجارة والطاقة، أو على انتهاك سيادة الدول وقصفها بالمخالفة للقانون الدولي، كما أن أي طرف إقليمي يعتقد أن مصالحه السياسية والاقتصادية، يمكن أن تتحقق عبر تقويض مؤسسات الدولة الوطنية، ودعم الميليشيات، أو رعاية التوجهات الانفصالية والاقتتال الأهلي، يُصبح، بمنتهى الصراحة، جزءاً من المشكلة، ويصبح التصدي له ولممارساته مسئولية المجتمع الدولي بأسره".

وهنا طرحت القاهرة رؤيتها التي تقوم على أنه لا يمكن التعامل مع كل أزمة من أزمات المنطقة باعتبارها حالة منفردة، بل ينبغي النظر إليها ضمن بيئة أمنية وإقليمية مترابطة، تقوم على دعم مؤسسات الدولة الوطنية ووحدتها وسيادتها، وتشجيع التسويات السياسية وبناء السلام وفق مبدأ الملكية الوطنية والإقليمية للحلول، ووقف التدخلات الخارجية، ومنع تحول الأزمات إلى ساحات للتنافس الإقليمي والدولي على موارد شعوب المنطقة ومقدراتها، قائلا:"حماية الدول وسيادتها لا تنفصل عن حماية الموارد التي تقوم عليها حياة الشعوب".

 

الأمن المائي.. النيل قضية وجودية والتعاون هو الطريق

الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة، فالنيل ليس مجرد مورد اقتصادي، بل شريان حياة ارتبط به وجود المجتمع المصري وتنميته عبر التاريخ، من هنا أكدت مصر في كل مشاركات الوفد المصرى، إيمانها بأن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون والتكامل، لا الصراع، كما تؤمن بأن الأمن المائي والتنمية ليسا هدفين متعارضين، بل متكاملين إذا تواجدت الإرادة السياسية وحَسُنَتِ النوايا وتم احترام القانون الدولي.

وأكدت القاهرة أن مصر لا تقف ضد حق أي شعب في التنمية، بل تدافع عن مبدأ واضح وعادل: ألاَّ تُبنى تنمية طرف على إلحاق الضرر بالآخرين. فالموارد المشتركة لا تُدار بإجراءات أحادية أو بسياسة فرض الأمر الواقع، وإنما بالتعاون وحُسْن الجوار والتوصل إلى اتفاقات مُلزمة - وفقاً للقانون الدولي - تحفظ الحقوق والمصالح المشروعة للجميع، مشيرا في هذا الصدد إلى أن مصر تحتفظ بحقها المشروع والمكفول من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بحماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها.

وخلال لقاءاته مع وزراء خارجية عدد من دول حوض النيل، ومن بينها أوغندا والكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وتنزانيا، أكد عبد العاطي أهمية استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، والتمسك بقواعد القانون الدولي الحاكمة للمجاري المائية العابرة للحدود، وعلى رأسها مبدأ عدم الإضرار والإخطار المسبق، ورفض الإجراءات الأحادية والتمسك بروح التوافق والأخوة بين دول الحوض لاستعادة الشمولية وتحقيق المصالح المشتركة.

 

السودان.. الحفاظ على الدولة ومؤسساتها أولوية مصرية

 

وفي الملف السوداني، أكدت مصر ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومقدراته ومؤسساته الوطنية، في ظل استمرار الأزمة التي تجاوزت تداعياتها المواجهات العسكرية لتؤثر على المدنيين واستقرار الدولة.

وشهدت نيويورك، اجتماع ثلاثى ضم وزير الخارجية، ومحيي الدين سالم وزير خارجية السودان، ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والأفريقية، تناول سبل البناء على الجهود القائمة لخفض التصعيد وتهيئة الأجواء للتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة بما يلبي تطلعات الشعب السوداني ويحفظ مصالحه الوطنية.

 

الذكاء الاصطناعي.. تكنولوجيا متاحة للجميع لا امتيازًا للدول الكبرى

لم تغب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عن الرؤية المصرية، حيث دعت القاهرة إلى وضع أطر دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات البازغة، تجمع بين تشجيع الابتكار وضمان المسؤولية والشفافية وحماية الخصوصية وعدم التمييز والإشراف البشري واحترام القانون الدولي.

وأكد مدبولى في كلمة مصر، على أهمية أن يعكس الذكاء الاصطناعي التنوع اللغوي والثقافي للعالم، وأن تحظى اللغات والمجتمعات العربية والأفريقية بتمثيل عادل في البيانات والنماذج، مشيرا إلى أن مصر قد أطلقت الإصدار الثاني من استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، انطلاقاً من اقتناع راسخ بأن الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية شرطان متلازمان.

 

الاقتصاد والاستثمار.. جذب الشركات الدولية وتعزيز التعاون التنموي

حضر الاقتصاد والاستثمار بقوة على أجندة الوفد المصري، حيث بحث مدبولي مع مسؤولي شركة شيفرون فرص التوسع في أنشطة الاستكشاف والحفر في مصر، والاستفادة من الحوافز التي تقدمها الحكومة لدعم الاستثمارات في قطاع الطاقة.

كما استعرضت القاهرة الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها خلال السنوات الماضية، ودعت الشركات الأجنبية إلى توسيع استثماراتها، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والرقمنة والرعاية الصحية والطاقة.

وخلال كلمته بالاجتماع رفيع المستوى للاحتفال بالذكرى الـ 40 للإعلان الخاص بالحق في التنمية، أكد مدبولى، حرص مصر على ترجمة الحق في التنمية إلى سياسات وبرامج تضع الإنسان في قلب العملية التنموية، حيث شهدت السنوات الماضية خطوات واسعة تمس حياة المواطن بشكل مباشر، بتطوير البنية الأساسية لقطاعات النقل والطاقة ومياه الشرب والصرف الصحي وغيرها، بالتوازي مع الاستثمار في الصحة والتعليم وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، كما واصلت جهودها لتمكين المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، مع إعطاء الأولوية للريف والمناطق الأكثر احتياجاً من خلال عدد من المبادرات القومية، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" التي باتت نموذجاً يُحتذى به في التنمية المحلية، مشدداً على أنه لا يمكن الحديث عن الحق في التنمية في ظل استمرار النزاعات والاحتلال والتهجير وتدمير البنية الأساسية والحرمان من الموارد ومقومات الحياة.

وخلال لقاءاته مع عدد من نظرائه، استعرض وزير الخارجية، الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة المصرية وما أسهمت به في تعزيز مناخ الاستثمار، مشجعا الشركات الأجنبية على زيادة استثماراتها في مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولاسيما في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والرقمنة والرعاية الصحية والطاقة، وغيرها من القطاعات ذات الأولوية، متناولاً فرص التعاون في مجال الربط والممرات التجارية الدولية، خاصة في ضوء ما تمتلكه مصر من بنية تحتية متقدمة فضلا عن الدور المحوري الذي تضطلع به قناة السويس في حركة التجارة الدولية

وفي لقاء مع أجاي بانجا، رئيس مجموعة البنك الدولي، بحث وزير الخارجية التعاون بين مصر والبنك الدولي، وبرامج تمويل سياسات التنمية، ودعم الإصلاح الاقتصادي والمشروعات التنموية، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد العالمي، وأكد عبد العاطي أن الاقتصاد المصري يعمل على تعزيز قدرته على مواجهة التداعيات الناتجة عن الأزمات الإقليمية، مع التركيز على ضمان استدامة توفير الطاقة والسلع الأساسية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وتطرق اللقاء إلى تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة على الاقتصاد العالمي، حيث أكد عبد العاطى، أن الاقتصاد المصري أظهر صلابة بفضل الإصلاحات الهيكلية والنقدية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة، مستعرضاً الجهود التي تبذلها الدولة لتعزيز قدرتها على مواجهة التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، بما في ذلك ضمان استدامة توفير مصادر الطاقة والسلع الأساسية، في إطار نهج استباقي يستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي واستمرار تنفيذ مسار الإصلاح.

 

لبنان والعراق وليبيا.. دعم الدولة الوطنية ووحدة المؤسسات

في نيويورك، التقى الدكتور مصطفى مدبولى، نواف سلام، رئيس وزراء للبنان، وأكد، ثوابت الموقف المصري الداعم للجمهورية اللبنانية، وحرص مصر على مساندة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية، بما يحفظ استقرار لبنان وأمنه ووحدة أراضيه، ويدعم قدرة مؤسسات الدولة على الاضطلاع بمسئولياتها في هذه المرحلة الدقيقة. مؤكدًا دعم مصر لكل ما من شأنه تعزيز سيادة الدولة اللبنانية واحترام استقلالها، ودعم مؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وتمكينه من القيام بدوره في حفظ أمن البلاد واستقرارها.

كما التقى مدبولي، رئيس علي فالح الزيدي، رئيس مجلس الوزراء العراقي، مؤكدا التطلع للتنسيق لعقد الدورة الرابعة للجنة العليا المصرية العراقية المُشتركة على مستوى رئيسي الحكومة، في أقرب وقت، لافتاً إلى استعداد الشركات المصرية للقيام بدور فاعل ضمن الأجندة الاقتصادية الطموحة للحكومة العراقية، ومواصلة التشاور لدفع وتعزيز تواجد رجال الأعمال المصريين في السوق العراقية.

وأكد رئيس الوزراء العراقي أهمية العمل المشترك لخفض التصعيد في المنطقة، وتغليب لغة الحوار، ودعم الجهود الرامية إلى التهدئة وتسوية الأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة ويجنبها المزيد من التوتر، مع استمرار التشاور والتنسيق المشترك بين البلدين حيال القضايا المختلفة، ولا سيما أن البلدين يعدان ركيزة مهمة في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

أما في ليبيا، فأكدت القاهرة تمسكها بالحفاظ على وحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية، وتشجيع المسار السياسي بما يتيح للأطراف الليبية الوصول إلى تسوية مستدامة.

 

أوروبا.. شراكات اقتصادية وطاقة وهجرة

التقى الدكتور مصطفى مدبولى عدد من المسئولين الأوربين، من بينهم "إليانا إيوتوفا"، رئيسة بلغاريا، وعبر عن التطلع لزيادة السياحة البلغارية الوافدة لمصر، والنظر في إمكانية تسيير رحلات مُنتظمة مباشرة بين القاهرة وصوفيا تحقيقاً لهذا الهدف، وكذا بحث تسيير رحلات عارضة (شارتر) بين المقاصد السياحية في البلدين؛ تمهيداً لتسيير الرحلات المنتظمة في مرحلة لاحقة.

كما التقى كريستيان شتوكر، المستشار الفيدرالي للنمسا، وأشار مدبولى، إلى أهمية استكشاف فرص إقامة منطقة لوجستية نمساوية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ بحيث تكون نقطة انطلاق لصادرات النمسا إلى العالم العربي وللأسواق الأفريقية، وأعرب عن التطلع لتدشين تعاون وثيق مع النمسا فيما يتعلق بتنمية مصادر الطاقة المتجددة، ولاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذا إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهي المصادر التي يُمكن للجانب النمساوي توسيع استثماراته فيها في مصر، لاسيما في ظل انخراط عدد من الشركات الأوروبية الكبرى في مشروعات طموحة في مصر لإنتاج الطاقة النظيفة.

كما عقد الدكتور بدر عبد العاطى مجموعة من اللقاءات مع نظرائه الأوربين، وتناول في بعض منها التعاون في ملف الهجرة، حيث أكد أهمية تبني مقاربة شاملة لمعالجة الهجرة غير النظامية ترتكز على دعم التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتنمية المهارات وتوسيع مسارات الهجرة النظامية، مشيراً في الوقت نفسه إلى الأعباء المتزايدة التي تتحملها مصر في استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، مشدداً على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسئولياته في مساندة الدول المستضيفة، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين لتمكينها من مواصلة تقديم الخدمات الأساسية للاجئين، في إطار من تقاسم الأعباء والمسئوليات.

كما شارك في اجتماع آلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص، بمشاركة جيورجوس جيرابيتريتيس، وزير خارجية اليونان، وكونستانتينوس كومبوس، وزير خارجية قبرص، حيث شهد اللقاء توافقاً علي اهمية تفعيل التعاون الثلاثي لمشروعات تسهم في ربط الشعوب ببعضها، وتحقيق استفادة ملموسة لصالحها، وتكثيف الفعاليات الثقافية المشتركة والمنح الدراسية وتنظيم معسكرات صيفية للطلاب الدارسين وترتيب جولات ورحلات سياحية مشتركة بين الدول الثلاث. كما أشار الوزراء إلى ضرورة صياغة برامج تدريب العمالة الفنية وتيسير الترتيبات القانونية اللازمة لذلك، وبما يعمل بشكل غير مباشر علي ضبط مسارات الهجرة، مع التأكيد علي أهمية الاستمرار في تعزيز محاور التعاون العسكري والدفاعي والاقتصادي بين الدول الثلاث.

 

إيران وأمن الملاحة.. خفض التصعيد وحماية التجارة الدولية

فرضت التطورات المرتبطة بإيران وأمن الممرات البحرية نفسها على التحركات المصرية، حيث كثف وزير الخارجية لقاءاته مع وزراء خارجية ومسؤولين من إيران وعُمان وتركيا وقطر وباكستان وإريتريا والولايات المتحدة، وأكدت مصر في هذه اللقاءات ضرورة خفض التصعيد واللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية، مع التشديد على ضمان حرية الملاحة البحرية وفقًا للقانون الدولي.

في مجمل هذه اللقاءات أكد عبد العاطى، على رؤية مصر القائمة على ضرورة خفض التوترات، وأهمية اللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ‏مشدداً على أولوية وقف التصعيد والابتعاد عن أية خطوات من شأنها تأجيج التوتر وتهديد الأمن والاستقرار، وضرورة ضمان حرية حركة الملاحة وفقًا لقواعد وأحكام القانون الدولي، وبما يسهم في صون الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، مع ضمان حرية الملاحة البحرية في المضايق والممرات وكذلك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، مؤكداً رفض تحويل البحار والممرات والمضايق البحرية إلى أدوات للضغط أو التصعيد والابتزاز، وضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة وفقًا لأحكام القانون الدولي، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية أصيلة وحصرية للدول المشاطئة له، كما شدد على الأهمية البالغة لأن تضطلع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية حتى يمكن احتواء التداعيات السلبية لهذه الأزمة على الاقتصاد العالمي والتي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والأسمدة وحركة التجارة الدولية بشكل كبير.

كما أكد عبد العاطي أهمية احترام الأمن والاستقرار لدول الخليج وجميع دول المنطقة، وشدد على رفض مصر القاطع المساس بأمن المملكة العربية السعودية الشقيقة وتضامن مصر الكامل معها لحفظ سيادتها واستقرارها، مؤكداً ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية عبر التفاوض والتوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران باعتبار ذلك السبيل الوحيد لانهاء الأزمة الحالية ووضع حد لحالة التصعيد التي تلحق اضراراً بالغة بمصالح جميع دول المنطقة.

كما استضاف وزير الخارجية، بمقر البعثة المصرية في نيويورك اجتماع الأطراف الإقليمية الأربعة R4 مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، وأكد خلاله على ضرورة تكثيف الجهود من أجل خفض التصعيد في المنطقة، فضلاً عن أهمية ضمان حرية الملاحة الكاملة والآمنة، باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن وسلامة حركة التجارة الدولية.

 

أفريقيا.. من إدارة الأزمات إلى الوقاية وبناء السلام

احتل البعد الأفريقي موقعًا أساسيًا في المشاركة المصرية، سواء على مستوى إصلاح مجلس الأمن أو دعم جهود السلام والتنمية ومكافحة الإرهاب، وأكد عبد العاطي خلال فعالية حول القيادة الأفريقية والوقاية الوطنية وبناء السلام أهمية الانتقال من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها، وتعزيز بناء المؤسسات والقدرة على الصمود.

كما جددت مصر دعمها لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، مع التأكيد على ضرورة الجمع بين المقاربة الأمنية والتنموية، وفي هذا السياق، استعرض الوزير الدور الذي يقوم به منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين، إلى جانب أهمية مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات في القاهرة.

كما وجه وزير الخارجية دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات الأفريقية للمشاركة في منتدى العلمين أفريقيا للأعمال، المقرر عقده على هامش قمة منتصف العام التنسيقية للاتحاد الأفريقي خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026.

 

رسالة مصر من نيويورك.. إصلاح النظام الدولي وربط الأمن بالتنمية

تكشف مجمل التحركات المصرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن مجموعة مترابطة من الأولويات، تبدأ من إصلاح مؤسسات النظام الدولي، ولا تنفصل عن الملفات الإقليمية والأمنية والاقتصادية.

فالقاهرة تربط بين إصلاح مجلس الأمن، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، ومعالجة أزمات الديون، وتحقيق أهداف التنمية، وتسوية النزاعات، وحماية سيادة الدول، وضمان أمن الممرات المائية والتجارية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق