السفير عاطف سيد الأهل سفير مصر الأسبق لدى تل أبيب يفتح لـ "صوت الأمة" الصندوق الأسود لانتخابات الكنيست الإسرائيلي
السبت، 03 أكتوبر 2026 10:30 م
نتنياهو يروج لنفسه باعتباره رجل الأمن القادر على حماية إسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية
الانتخابات إسرائيل مفتوحة على كل الاحتمالات.. وإسحاق هرتسوغ سيقف ضد أي خطوة لتأجيلها أو تعطيلها
جميع الأحزاب تتبنى موقفاً ضد إقامة دولة فلسطين وتتفق على عدم إعمار غزة وتنفيذ مخطط التهجير
توافق إسرائيلي على إسقاط حكم إيران أو تقسيمها وتدمير قدراتها النووية بالتنسيق مع أمريكا
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، المقرر لها في 27 أكتوبر المقبل، يبدو المشهد السياسي في إسرائيل مفتوحا على احتمالات متعددة، في ظل تداخل الملفات الأمنية والإقليمية مع الأزمات الداخلية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمة القضايا التي تفرض نفسها على المعركة الانتخابية، ملفات غزة ولبنان وإيران، إلى جانب مستقبل الضفة الغربية، وقانون تجنيد الحريديم، والتعديلات القضائية، ولجان التحقيق، وملف العفو عن بنيامين نتنياهو.
وفي ظل استمرار تداعيات الحرب وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية، يواجه الناخب الإسرائيلي مزيجا من الهواجس الأمنية والضغوط المعيشية والاجتماعية، بينما يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على صورته بوصفه القادر على حماية أمن الاحتلال ومكانته، في وقت تتنافس فيه أحزاب وتيارات متعددة على تشكيل المشهد السياسي المقبل.
في هذا الحوار، يتناول السفير عاطف سالم سيد الأهل، سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، أبرز الملفات التي ستحدد اتجاهات الانتخابات المقبلة، واحتمالات المشهد السياسي في حال خسارة نتنياهو أو فوزه، ومستقبل التيار اليميني، إلى جانب انعكاسات الانتخابات على مسارات غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران.
وإلى نص الحوار..
إلى أي مدى أصبحت ملفات غزة ولبنان وإيران جزءا أساسيا من المعركة الانتخابية داخل إسرائيل؟
المشهد الإسرائيلي لا يزال مفتوحا على كافة الاحتمالات، ولا يمكن الاعتماد على استطلاعات الرأي، لأنها لا تمثل بالضرورة النتائج النهائية، ولا تزال القضية الفلسطينية محورا رئيسيا في الحياة السياسية الإسرائيلية، رغم محاولات بعض القوى التركيز على الملفات الداخلية، بينما يضع اليمين الإسرائيلي السلطة الفلسطينية ضمن أهدافه السياسية، ما يعني أن مساحة التحرك بعد 7 أكتوبر 2023 لن تكون كبيرة، حتى في حال وصول نظام معتدل، وهو افتراض بعيد؛ فكما قال السفير الإسرائيلي في واشنطن "إسرائيل قبل 7 أكتوبر شيء، وبعد 7 أكتوبر شيء آخر".
وتظل ملفات غزة ولبنان وإيران من أبرز القضايا المؤثرة في الانتخابات، وفيما يتعلق بإيران، هناك توافق واسع بين الحكومة والمعارضة، واليمين ويمين الوسط واليسار، على ضرورة تحييد الخطر الإيراني، سواء بإسقاط الحكم أو تقسيم الدولة وتدمير قدراتها النووية والصاروخية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
أما غزة، فتسعى الحكومة الائتلافية المنتهية ولايتها إلى إبقائها تحت السيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع طرح أفكار لتهجير الفلسطينيين، ومنها خطة بن غفير التي تمتد لسبع سنوات.
وفي لبنان، يتمثل الهدف المطروح في منع عودة حزب الله إلى جنوب لبنان، مع إعادة هندسة البنية الأمنية للمنطقة وتدمير بنيتها التحتية، وهو ما ارتبط أيضا بما طرحه غادي آيزنكوت بشأن "نظرية الضاحية" كما يظل مستقبل اليونيفيل وإعادة تشكيل القوة الدولية في جنوب لبنان ملفا أساسيا، مع مطالبة إسرائيل بأن يشمل دورها البحث عن أنفاق حزب الله وأسلحته.
وبالتالي، فإن ملفات غزة ولبنان وإيران ستظل حاضرة بقوة في المعركة الانتخابية، ولا تبدو هناك اختلافات جوهرية بين معظم الأحزاب الإسرائيلية بشأن التعامل معها، ومن المرجح أن تستغرق هذه الملفات وقتًا طويلًا.
هل بات الناخب الإسرائيلي مهتما أساسا بما يحدث في ملفات المنطقة، أم غلبت عليه هموم المعيشة والأوضاع الاقتصادية؟
ينقسم المشهد السياسي الإسرائيلي إلى تيارات عدة، أبرزها تيار يميني متطرف يسيطر على الحكم، إلى جانب تيار يميني قومي، فيما تدور معظم الأحزاب اليمينية في فلك الليكود، أما اليسار والمعارضة، فيظل محدودا، ويمثله بصورة أساسية حزب الديمقراطيين بزعامة يائير جولان، الذي تشكل من حزبي ميرتس والعمل عام 2024، ويتركز هدفه الرئيسي على إسقاط بنيامين نتنياهو.
ورغم الخلافات السياسية، تتقاطع التيارات المختلفة في عدد من القضايا، أبرزها رفض إقامة دولة فلسطينية وطرح أفكار لتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، إلى جانب الاتفاق على محاكمة قيادات حماس أمام محاكم عسكرية، وهو ما حظي قانون بشأنه بتأييد 93 عضوا في الكنيست.
وفي المقابل، يواجه المجتمع الإسرائيلي ضغوطا اجتماعية واقتصادية وأمنية ونفسية متزايدة، خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما، والذين تأثروا بتداعيات الحرب ومشكلات مالية وأسرية وتعليمية ونفسية، كما انعكست هذه الأوضاع على بعضهم خلال الخدمة العسكرية.
وأصبحت تكاليف المعيشة والأوضاع الاقتصادية من القضايا المؤثرة في الناخب الإسرائيلي، ولا تنفصل عن التداعيات الأمنية والإقليمية، وبالتالي فإن الضغوط الداخلية والملفات الإقليمية ستتداخل معًا في التأثير في توجهات الناخب خلال الانتخابات المقبلة.
كيف يروج نتنياهو لنفسه باعتباره رجل الأمن الأوحد وما أدوات المعارضة للرد على هذا الاحتكار للخطاب الأمني؟
نتنياهو، على مدى تاريخه السياسي، روج لنفسه باعتباره رجل الأمن القادر على حماية إسرائيل، والحفاظ على مكانتها الدولية، وتصفية القضية الفلسطينية ومنع إقامة دولة فلسطينية، كما تحدث عن ضرورة تجاوز ما يعرف بـعقدة الثمانين، في إشارة إلى الاعتقاد بأن الدولة اليهودية لم تتجاوز في مراحل تاريخها السابقة 80 عاما، مؤكدا أن إسرائيل في عهده ستكمل 100 عام ولن يتأثر وجودها أو مكانتها.
لكن هذه الأهداف لم تتحقق جميعها؛ فقد حقق بعض ما طرحه في ملفات معينة، بينما واجه إخفاقات وانتقادات في ملفات أخرى، من بينها تقارير دولية وأممية تناولت ممارسات إسرائيلية خلال الحرب، وإجراءات المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم دولية.
ومع ذلك، ظل نتنياهو يقدم نفسه باعتباره رجل الأمن الأبرز، وصاحب القوة والقدرة على حماية إسرائيل والحفاظ على مكانتها.
مع تصاعد الضغوط الميدانية، هل يمتلك نتنياهو ترف تنفيذ عمل عسكري محسوب في لبنان لتحقيق صورة نصر تخدمه انتخابيا؟
هذا الاحتمال وارد في ضوء الأحداث الجارية، فمن الممكن أن يقوم نتنياهو بخطوة تقلب الموازين أو تؤدي إلى تأجيل الانتخابات، لكن رئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ أشار إلى أنه لن يسمح بحدوث ما يؤدي إلى تعطيل الانتخابات المقبلة أو عدم استكمالها.
وإذا عدنا إلى الفترة بين عامي 2019 و2021، فقد شهدت إسرائيل أربع انتخابات غير حاسمة، بعدما عجز أي من المعسكرين عن الحصول على 61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة، وفي النهاية تدخل الرئيس آنذاك رؤوفين ريفلين، ودفع نحو اتفاق بين نتنياهو وبيني جانتس لتشكيل حكومة يتناوبان على رئاستها، قبل أن ينهار الاتفاق ويُحل الكنيست وتجرى انتخابات جديدة.
ويمتلك رئيس إسرائيل عددا من الأدوات السياسية في مرحلة تشكيل الحكومة، فالحزب أو القائمة التي تحصل على العدد الأكبر من الأصوات لا تشكل الحكومة بالضرورة، إذ يجري رئيس الدولة مشاورات مع رؤساء الأحزاب لتكليف الشخصية التي يراها الأقدر على تشكيل ائتلاف حكومي.
وتوجد حاليا 38 قائمة انتخابية، وهو عدد لا يعني بالضرورة وجود 38 حزبًا، إذ قد تضم القائمة حزبًا واحدًا أو عدة أحزاب مندمجة، ومن ثم، سيكون لرئيس الدولة دور مهم في تحديد مسار العملية السياسية وتشكيل الحكومة بعد الانتخابات.
ماذا تفعل إسرائيل بالضفة وغزة قبل الانتخابات؟
يتمثل الهدف الإسرائيلي الأساسي في أن تبقى غزة بلا إعمار أو سلاح أو سيادة، وألا تنتقل إلى المرحلة الثانية إلا وفق شروط محددة، من بينها تشكيل مجموعتي عمل، الأولى معنية بالأمن وتجريد القطاع من السلاح، والثانية بالاحتياجات الأساسية، مثل المياه والصرف الصحي والصحة العامة.
ويتمثل توجه نتنياهو حاليا في عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية؛ لأنها تعني الانتقال من الحرب إلى ترتيبات الحكم وإعادة الإعمار، مع تجنب الظهور بمظهر المعارض لخطة ترامب، ولذلك يستخدم وسائل أخرى، منها تأخير الانسحاب الإسرائيلي من القطاع حتى بعد نزع السلاح، وملاحقة الأنفاق ومواقع تصنيع الأسلحة ومخازنها، إلى جانب استهداف قيادات حماس. ومن ثم، يظل ملف غزة شائكًا ومفتوحًا قبل الانتخابات وبعدها.
أما في الضفة الغربية، فتعمل إسرائيل على تعزيز سيطرتها وتوسيع المستوطنات، بما في ذلك تنفيذ مشروع E1، الذي يطرح باعتباره مشروعا قد يؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية، كما تتجه نحو فرض سيطرة كاملة على المنطقة "ج".
وبالتالي، فإن إسرائيل تعمل في غزة والضفة الغربية وفق مسار مستمر قبل الانتخابات وبعدها، ومن غير المتوقع أن تؤثر الانتخابات بصورة جوهرية في هذا المسار.
هل يظل الرهان على الهواجس الأمنية في الانتخابات كافيا لتجاوز تداعيات الأزمة الاقتصادية وأزمة تجنيد الحريديم؟ وهل تملك حرب تعديلات القضاء ولجان التحقيق صدى انتخابياً مؤثراً وسط زحمة الأزمات؟
ستكون هناك عدة ملفات مؤثرة في الانتخابات المقبلة، في مقدمتها قانون التجنيد الإجباري للحريديم، الذي يشهد تباينا بين حزبي شاس ويهدوت هتوراة، إلى جانب ملف العفو عن نتنياهو، والتعديلات القضائية التي سبقت طوفان الأقصى وأدت إلى مظاهرات استمرت نحو 30 أسبوعًا.
ويبرز أيضا ملف لجان التحقيق، إذ ينظم القانون الإسرائيلي الصادر عام 1968 عمل هذه اللجان، ومن أبرزها لجنة أجرانات التي شكلت بعد حرب عام 1973، إلى جانب نحو 15 لجنة تحقيق أُنشئت على مدار تاريخ إسرائيل.
ويسعى نتنياهو ومجموعته إلى تعديل قانون لجان التحقيق، بما يسمح بتشكيل لجنة من ستة أعضاء، تضم أسر بعض القتلى والأسرى، وهو طرح يواجه اعتراضات سياسية بسبب ما قد يثيره من إشكالات تتعلق بالحياد والاستقلالية. كما يُطرح توسيع نطاق التحقيق ليشمل أحداثا سابقة لطوفان الأقصى والعودة إلى فترة اتفاقيات أوسلو.
وبالتالي، ستظل ملفات التجنيد الإجباري للحريديم، والعفو عن نتنياهو، والتعديلات القضائية، ولجان التحقيق من أبرز القضايا الداخلية المؤثرة في الانتخابات المقبلة.
ما السيناريوهات السياسية والقانونية المترتبة على خسارة نتنياهو، وإلى أين يذهب تيار اليمين من بعده؟
أعدت جيروزاليم بوست قائمتها السنوية لأهم 50 شخصية يهودية في العالم، وجاء جاريد كوشنر وزوجته، ابنة ترامب، في المرتبة الأولى، بينما جاء نتنياهو في المرتبة الثانية، بعد أن تصدر القائمة في العامين السابقين، وبالتالي، فإن خسارة نتنياهو تظل احتمالا واردا، إلى جانب سيناريوهات أخرى، منها تقاسم السلطة مع غادي آيزنكوت وفق شروط وضمانات، أو تولي نتنياهو رئاسة الوزراء لعامين ثم انتقاله إلى منصب رئيس الدولة بعد انتهاء ولاية إسحاق هرتسوغ، على أن يتولى آيزنكوت رئاسة الحكومة بعده، وهذه السيناريوهات طُرحت داخل إسرائيل.
أما التيار اليميني، فمن المرجح أن يظل حاضرا؛ لأنه نتاج عوامل اجتماعية وسياسية متراكمة، فقد اتجه بعض المهاجرين في المراحل الأولى إلى المدارس الدينية أو الجيش، وتطور نفوذ التيارات الدينية واليمينية مع مرور الوقت، إلى جانب عوامل سياسية مرتبطة بالموقف من المفاوضات مع الفلسطينيين.
كما ساهمت أحزاب الحريديم، وفي مقدمتها شاس، في ترسيخ حضور التيار اليميني داخل الائتلافات الحكومية على مدى عقود، ولذلك، فإن خسارة نتنياهو، إذا حدثت، لا تعني انتهاء التيار اليميني، الذي يظل حاضرا في المشهد السياسي الإسرائيلي، وإن كان حجم نفوذه وتمثيله قابلًا للتغير من انتخابات إلى أخرى.
وإذا فاز نتنياهو بالانتخابات إلى أين تتجه إسرائيل التهدئة الإقليمية أم زيادة الاستفزازات والانتهاكات وإشعال الوضع أكثر بالملفات الملتهبة بالمنطقة؟
تتوقف ملامح المشهد الانتخابي على الأحزاب والقوائم التي ستخوض الانتخابات، ويشارك فيها عدد من الأحزاب اليمينية المتطرفة، أبرزها القوة اليهودية بزعامة بن غفير، والصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش، وزيهوت بزعامة موشيه فيجلين وميخائيل بن آري، وشعبك إسرائيل بزعامة أوفير وينتر، إلى جانب أحزاب أخرى مناهضة لنتنياهو، مثل يشار بزعامة غادي آيزنكوت، ومعًا بزعامة نفتالي بينيت ويائير لابيد، والديمقراطيين بزعامة يائير جولان، وإسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان.
ويبقى شكل التعاون بين هذه الأحزاب بعد الانتخابات مرتبطا بالنتائج وبقدرتها على تشكيل ائتلافات، ويبرز حزب شعبك إسرائيل بوصفه حزبًا يمينيًا متشددًا يضم في قائمته شخصيات من خلفيات عسكرية وإعلامية واقتصادية، وهو ما يمنحه حضورًا في المشهد الانتخابي ويجعله محل اهتمام من جانب أطراف سياسية مختلفة.
وفي المقابل، يمثل تشتت أصوات الأحزاب اليمينية الصغيرة مصدر قلق لنتنياهو، إذ إن الحزب الذي لا يتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% لا يحصل على مقاعد في الكنيست، وتُهدر الأصوات التي حصل عليها، وقد ظهر أثر ذلك في انتخابات سابقة، ومنها انتخابات 1992، كما شهدت انتخابات ديسمبر 2022 فقدان أكثر من 400 ألف صوت بسبب عدم تجاوز بعض القوائم نسبة الحسم.
ومن ثم، فإن توزيع الأصوات بين الأحزاب الصغيرة وتجاوزها نسبة الحسم سيكونان من العوامل المؤثرة في شكل الخريطة البرلمانية والائتلافات التي قد تتشكل بعد الانتخابات.