العقيد أحمد عثمان شولاق يروي لـ«صوت الأمة» تفاصيل الاستيلاء على آخر مواقع خط بارليف

السبت، 03 أكتوبر 2026 09:20 م
العقيد أحمد عثمان شولاق يروي لـ«صوت الأمة» تفاصيل الاستيلاء على آخر مواقع خط بارليف
محرر صوت الأمة مع العقيد أحمد عثمان شولاق
حاوره: أحمد سامي

حرب أكتوبر ليست مجرد ذكرى بل سنوات من حياتي عشتها بكل تفاصيلها.. والوطن لا يحميه الكلام وإنما العمل والانتماء والتضحية

حاربنا 6 أيام حتى استسلم موقع لسان بور توفيق.. وكنا نعبر بأجسادنا

جنود العدو كانوا "مرعوبين" ويخافون منا.. وتعاملنا معهم وفق قواعد التعامل مع أسرى الحرب واتفاقية جنيف

في 1973 كان العدو واضحًا أمامنا.. واليوم أصبح خفيًا يبدأ بالإرهاب ومستمر بالأفكار التي تستهدف الشباب والمخدرات

 

بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، لا تزال تفاصيل المعركة حاضرة في ذاكرة أبطالها، ليس باعتبارها مجرد أحداث عسكرية مضت، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية ووطنية صنعت فارقًا في تاريخ مصر، وأعادت للمصريين الثقة في قدرتهم على تجاوز الهزيمة وتحويلها إلى نصر، وبينما ارتبطت صورة العبور في الذاكرة المصرية بالموجة الأولى من القوات التي اقتحمت قناة السويس وحطمت الساتر الترابي، فإن وراء هذه الصورة مئات القصص لمقاتلين وضباط خاضوا مواجهات شرسة مع المواقع الحصينة، وتحملوا ظروفًا بالغة الصعوبة حتى تحققت أهدافهم.

من بين هؤلاء الأبطال العقيد أحمد عثمان شولاق، الذي خاض حرب أكتوبر 1973 وهو برتبة ملازم أول صاعقة، وكانت مهمة الكتيبة شديدة الصعوبة، حيث كُلفت بالهجوم على موقع لسان بور توفيق، أو ما كان يُعرف بالرصيف، وهو أحد المواقع الحصينة المهمة في خط بارليف، وتميز بموقعه المنفصل أمام منطقة السويس والزيتية.

وفي حواره مع «صوت الأمة»، يستعيد العميد أحمد عثمان شولاق تفاصيل سنوات الإعداد والتدريب، وكيف تحركت الكتيبة إلى الخط الأمامي يوم 5 أكتوبر دون أن يعرف أفرادها أن ساعة الحرب اقتربت، ثم اللحظة التي اكتشفوا فيها أن المشروع التدريبي تحول إلى حرب حقيقية، وصولًا إلى ستة أيام من القتال انتهت باستسلام الموقع وأسر عشرات الضباط والجنود الإسرائيليين.. وإلى نص الحوار..

 

في البداية.. كيف كانت مهمتكم في حرب أكتوبر؟

كنت وقت حرب أكتوبر 1973 ملازم أول صاعقة، وكانت مهمة الكتيبة الهجوم على موقع حصين، وهو آخر موقع حصين في خط بارليف، وكان موقع لسان بور توفيق أو ما كان يُسمى «الرصيف»، وكان هذا الموقع من أقوى المواقع، خاصة أنه كان منفصلًا بعض الشيء عن باقي المواقع، وكان موجودًا أمام منطقة السويس والزيتية، ولذلك كانت المهمة الموكلة إلى الكتيبة شديدة الأهمية والصعوبة في الوقت نفسه.

كنا ندرك أن التعامل مع موقع بهذه القوة يحتاج إلى مقاتلين مدربين بشكل مختلف، لأن الموقع كان يضم دبابات ومدافع وأسحلة مختلفة، فضلًا عن التحصينات والأسلاك الشائكة والكتل الخرسانية وكل ما يمكن أن يوفر حماية للقوات الموجودة داخله، ولذلك لم يكن الأمر مجرد عبور للقناة، وإنما كان المطلوب بعد العبور مواجهة موقع حصين والقتال للوصول إلى داخله وإجبار القوات الإسرائيلية الموجودة فيه على الاستسلام.

 

كيف كانت سنوات الإعداد قبل حرب أكتوبر؟

الإعداد بدأ معنا مبكرًا جدًا، منذ أن دخلنا الكلية الحربية، انتهت تقريبًا كل أشكال الترفيه والإجازات، وكان كل شيء تدريبًا وتدريبًا شاقًا، وفي عام 1970 تخرجنا من الكلية الحربية، ثم التحقنا بقوات الصاعقة وذهبنا إلى مدرسة الصاعقة، وكانت إسرائيل في ذلك الوقت قد بدأت تضرب أهدافًا في العمق المصري، ومن بينها مدرسة الصاعقة، وكانت الحياة صعبة جدًا.

كنا نعيش في ملاجئ ومن دون كهرباء، ونتدرب بصورة مستمرة، وكان الهدف واضحًا أمامنا: بناء قوات مسلحة قادرة على استرداد الأرض في سيناء، أنهينا فرقة الصاعقة وانضممنا إلى كتائب الصاعقة، وكانت الكتيبة متمركزة في منطقة القطامية عند الكيلو 60 على طريق مصر السويس.

كانت الحياة كلها تدريبًا، ولم يكن التدريب مجرد ساعات محددة ثم ينتهي، وإنما كان أسلوب حياة، كنا نعرف أننا نستعد لمعركة كبيرة، حتى لو لم نكن نعرف متى ستبدأ بالتحديد. وكنا نتدرب على أعمال العبور، وننزل تدريبات مركزة كل عام، ونذهب إلى مناطق مختلفة للتدريب، وكان الهدف أن يكون المقاتل مستعدًا لأي مهمة يتم تكليفه بها.

 

ومتى تحركت الكتيبة إلى الخط الأمامي؟

تحركنا مساء يوم 5 أكتوبر، وكنا كصاعقة نرتدي عادة الأفارول المموه، لكن تم منعنا من ارتداء الأفارول المموه، وذلك في إطار إخفاء وتمويه طبيعة القوات الموجودة، حتى لا يعرف الجيش الإسرائيلي أننا قوات صاعقة، وكانوا في الحقيقة يهابون قوات الصاعقة والمظلات، بل كانوا يهابون القوات المسلحة المصرية بشكل عام.

وبالتالي تحركنا ونحن نتعامل مع الأمر باعتباره مشروعًا من المشروعات التدريبية التي اعتدنا عليها، ولم نكن نتصور أننا في طريقنا إلى حرب حقيقية ستغير تاريخ المنطقة.

 

كيف كانت اللحظة التي وصلتم فيها إلى بور توفيق؟

وصلنا إلى مدينة بور توفيق، واحتلت الكتيبة الحد الأمامي، وأنا كنت مع مركز خط الكتيبة، وكان قائد الكتيبة الرائد زغلول فتحي، وهو الضابط الذي ارتبطت صورته الشهيرة بمشهد تسليم قائد الموقع الإسرائيلي نفسه وتسليمه العلم والأسرى.

جهزنا أنفسنا خلال الليل في الخنادق الموجودة على الحد الغربي، وكان أمامنا مباشرة الموقع الحصين الخاص ببور توفيق، وكان الموقع بالفعل موقعًا رهيبًا، ومحصنًا بشكل كبير، وكنا ننظر إليه ونعرف أننا أمام مهمة صعبة للغاية.

وفي صباح اليوم التالي، ظهر لنا الجندي الإسرائيلي المراقب الموجود في الموقع، وكان يجلس في نقطة المراقبة وبجواره العلم الإسرائيلي، ويراقبنا ونحن نستعد للعبور، وفي الوقت نفسه كنا نقوم بتجهيز القوارب المطاطية وننفخها ونستعد بالقوات التي ستعبر في الموجة الأولى.

 

ماذا كان شعوركم وأنتم تستعدون للعبور أمام موقع بهذه القوة؟

بصراحة، كنا لا نصدق أننا سنعبر بالفعل، كنا نعتقد أن هذا مشروع تدريبي وسنعود مرة أخرى، مثلما حدث في مشروعات سابقة، لكننا كنا أمام موقع حصين للغاية، به دبابات ومدافع وأسحلة مختلفة، بينما نحن سنعبر بقوارب مطاطية.

أقولها حتى الآن، كنا نعبر بأجسادنا، القارب كان أشبه بقارب بسيط جدًا، وكأن صيادًا يمشي في نهر النيل، لكن نحن كنا نعبر به القناة في مواجهة موقع محصن بكل هذه الأسلحة، ومع ذلك كنا نجهز القوارب ونجهز الرجال للموجة الأولى، لأن المقاتل في هذه اللحظة لا يفكر إلا في تنفيذ المهمة.

 

متى اكتشفتم أن المشروع التدريبي تحول إلى حرب حقيقية؟

كان توقيت عبور القوات المسلحة الساعة الثانية ظهرًا، بينما كان توقيت عبور الكتيبة على موقع لسان بور توفيق الساعة الخامسة مساءً، ومن الصباح، منذ السابعة والثامنة والتاسعة، كنا نجهز القوارب وننفخها ونجهز القوات التي ستعبر.

وظل الأمر بالنسبة لنا حتى الساعة الثانية مجرد مشروع، لكن في الثانية ظهرًا بالضبط شاهدنا الطيران المصري يعبر من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية ويدخل سيناء، في هذه اللحظة عرفنا أننا دخلنا الحرب.

هنا تغير كل شيء، الجندي الإسرائيلي الموجود في المراقبة نزل وأغلق فتحة الموقع، وبدأوا يستعدون لنا، لأنهم أدركوا أن الأمر لم يعد تدريبًا أو مشروعًا، وإنما بدأت الحرب بالفعل.

 

وكيف بدأت عملية الهجوم على الموقع؟

كانت الساعة الخامسة مساءً هي موعد عبورنا، وفي ذلك الوقت لم يعد هناك مجال للإخفاء أو التمويه أو القول إننا في مشروع تدريبي. كنا نعرف أننا أمام معركة حقيقية.

كانت الفرقة تهاجم في الشمال باتجاه وسط عيون موسى، وكان يقودها وقتها العميد يوسف عفيفي، رحمه الله، الذي أصبح فيما بعد فريقًا، أما نحن فبدأنا الهجوم على موقع لسان بور توفيق.

هجمنا بثلاث سرايا على الموقع، السريتان الموجودتان على اليمين والشمال تمكنتا من التقدم والوصول إلى الموقع، بينما تمركزت القوات الإسرائيلية في منتصف الموقع وبدأت تضرب القوات التي تعبر بمختلف أنواع الأسلحة.

وكانت الموجة الأولى قد تعرضت لخسائر شديدة، لأن الإسرائيليين كانوا قد أخذوا حذرهم بعدما اكتشفوا أن الحرب بدأت، وأصبح الموقع في حالة استعداد كامل لمواجهة القوات المصرية.

 

كيف تعاملتم مع موقع بهذه التحصينات؟

هنا بدأت واحدة من أصعب مراحل المعركة، ظللنا نحاصر الموقع لمدة ستة أيام، ونضربه بمختلف أنواع الأسلحة. الموقع كان محصنًا بشكل رهيب، وكان قد استغل كل الإمكانات الموجودة في سيناء من تشوينات ومعدات، وحولها إلى تحصينات ومواقع دفاعية.

حتى إننا اضطررنا إلى استخدام المدفعية في الضرب المباشر، وكنا نضرب الموقع باستمرار، وأذكر أنني كنت أرى الدبابة وهي تضرب الموقع، وكل مرة كانت النتيجة أن التراب يتحرك ويظهر، لكن الموقع يظل صامدًا.

كان أمامنا أسلاك شائكة وأضبان حديد وحجارة وتحينات ومواقع دفاعية، وكان العدو يستخدم كل ما لديه في محاولة للاستمرار داخل الموقع، وفي الوقت نفسه كانت السريتان الموجودتان على اليمين واليسار تحاصران الموقع وتمنعان وصول الإمدادات والتموين إليه.

كنا نعرف أن استمرار الحصار وقطع الإمداد سيضع القوات الموجودة داخل الموقع أمام خيار واحد في النهاية، وهو الاستسلام.

 

ومتى بدأت علامات انهيار الموقع الإسرائيلي؟

بعد ستة أيام من القتال، وتحديدًا يوم 12 أكتوبر، طلب الموقع التسليم، وظهرت الملايات البيضاء على الموقع، وتم رفعها، ووصل خبر إلى الصليب الأحمر بأن النقطة تريد الاستسلام.

بدأنا نرى أفرادًا يخرجون، خمسة ثم ستة ثم سبعة ثم ثمانية وتسعة وعشرة، واستمر خروجهم حتى وصل عدد الضباط والجنود الإسرائيليين إلى نحو 37 ضابطًا وجنديًا، بالإضافة إلى وجود خمس جثث داخل الموقع.

خرج الأسرى إلى الساتر الترابي في الشرق، ثم جاء مندوب الصليب الأحمر، وكان هناك قارب يعبر إلى الموقع لإحضار قائد الموقع.

 

ماذا تتذكر عن لحظة استسلام قائد الموقع الإسرائيلي؟

قائد الموقع كان ملازم أول إسرائيليًا اسمه «آرنست»، وهو ما زال حيًا حتى وقتنا هذا، وظهر في فيديوهات وهو كبير في السن وشعره أبيض، ويتحدث عن قصة تسليم موقع لسان بور توفيق، جاء آرنست ومعه طبيب الموقع، وكان شعر الطبيب منفوشًا، وخرجوا من المياه، ثم أدى آرنست التحية للرائد زغلول فتحي قائد الكتيبة وسلمه العلم، وقال إن لديه 37 ضابطًا وجنديًا، بالإضافة إلى خمس جثث موجودة في الموقع، وبدأنا بعد ذلك في إخراج الأسرى، وكان من بينهم عدد من الجرحى، وكانت هناك إصابات خطيرة وبعضهم أجريت له عمليات جراحية داخل الموقع.

وهذا المشهد كان له معنى كبير بالنسبة لنا؛ لأننا كنا نقاتل موقعًا ظل صامدًا ستة أيام، وفي النهاية اضطر قائده إلى رفع الراية البيضاء وتسليم الموقع والأسرى.

 

هل شعرت بالخوف من الأسرى الإسرائيليين أو من رد فعلهم بعد الاستسلام؟

هم كانوا مرعوبين. كانوا يخافون منا، وكانوا يتصورون أننا سنؤذيهم أو نفترسهم، وهذا كان واضحًا من تصرفاتهم، لكننا تعاملنا معهم وفق قواعد التعامل مع أسرى الحرب واتفاقية جنيف، كانوا أسرى، ونحن نحترم الأسير ونتعامل معه بما يليق، وهذه كانت طبيعة المقاتل المصري.

المفارقة أن الذين كانوا داخل الموقع ويملكون الدبابات والمدافع والأسلحة المختلفة كانوا في النهاية يخافون من المقاتل المصري بعد أن أصبحوا أسرى، وهذه اللحظة كانت من أجمل اللحظات التي عشتها في حياتي، لأنني رأيت بعيني كيف يمكن للمقاتل الذي يمتلك الإيمان بالمهمة ويقاتل من أجل أرضه أن يحقق ما يبدو في البداية مستحيلًا.

 

ما أول صورة تأتي إلى ذهنك عندما تتذكر حرب أكتوبر؟

أول صورة تأتي إلى ذهني هي سنوات التدريب والحياة الصعبة التي عشناها من 1970 إلى 1973، كنا نعيش في ملاجئ تحت الأرض، وكنا نسميها «قفص القرود»، لم تكن هناك كهرباء، وكانت لمبة الجاز، التي كنا نسميها «نمرة 5»، شيئًا كبيرًا جدًا بالنسبة لنا.

كنا كل عام ننزل شهرًا كاملًا في تدريب مركز داخل عشاش مدرسة الصاعقة، ونتدرب على أعمال العبور ونذهب إلى الخطاطبة وغيرها من المناطق، وكان كل شيء تدريبًا وراء تدريب.

كنا نريد أن نعبر ونستعيد الأرض، ولذلك لم يكن لدينا وقت للتفكير في الراحة أو الحياة العادية، وكنا، خاصة كضباط شباب، غير متزوجين في معظمنا، وكنا نضع حياتنا على كفنا من أجل استرداد أرضنا.

 

وهل هناك لحظة أخرى لا تنساها بعد انتهاء القتال؟

نعم، لحظة عودتي إلى المنزل بعد انتهاء فترة من القتال والحصار، كنا قد تواجدنا في منطقة السويس، وبعد ذلك حدثت مباحثات الكيلو 101 وفك الاشتباك وفتح الطريق، ونزلت أول إجازة لي.

وجدت أنهم أنزلوني من الجبهة بعربة «زل»، وهي سيارة روسية كبيرة تشبه اللوري، ثم أوصلني أحد العسكريين إلى البيت، كنت من شبرا وأسكن داخل حارة.

السائق كان مصممًا أن يدخل بي إلى داخل المنطقة، وقلت له: «انزلني من هنا»، لكنه أصر أن يوصلني. وعندما وصلت فوجئت بأهلي وأهل الحي كلهم موجودون لاستقبالي.

كانت هناك فرحة كبيرة، وشربات أحمر، وهو شربات الورد الذي كان مشهورًا وقتها في الأفراح والنجاحات، هذه اللحظة جعلتني أشعر أننا كنا نحارب فعلًا من أجل هؤلاء الناس، وأن الشعب المصري كان يعيش معنا المعركة بكل مشاعره.

 

بعد كل هذه السنوات.. كيف ترى الفرق بين عدو أكتوبر وأعداء اليوم؟

في عام 1973 كان العدو واضحًا أمامنا، كنا نعرف أننا نقاتل إسرائيل التي تحتل الضفة الشرقية للقناة وسيناء، وكان العدو أمامنا ومحددًا، وكنا نعرف ماذا نريد وماذا نواجه.

أما اليوم، فالعدو أصبح خفيًا، مررنا بفترة مواجهة الإرهاب، والآن توجد تحديات أخرى مثل السوشيال ميديا والأفكار التي يمكن أن تستهدف الشباب، والمخدرات وغيرها من المخاطر.

وهنا يأتي دور الإعلام، الإعلام عليه دور كبير جدًا في توعية الشباب بهذه المخاطر، لأن الشاب يجب أن يعرف أن هناك أعداء جددًا لا يحملون سلاحًا بالضرورة، وإنما يحاولون التأثير في العقل والفكر والسلوك.

أنا كرجل عاصر الحرب أتمنى أن أذهب وأتحدث مع الشباب وأقول لهم: خلي بالكم، العدو موجود أمامكم، لكنه هذه المرة قد يكون عدوًا خفيًا.

 

وما تقييمك لدور الإعلام حاليًا في توعية الشباب؟

الشباب يحتاج إلى توعية مستمرة، وأنا ألوم الإعلام عندما يتذكر أبطال أكتوبر في شهر أكتوبر فقط، لماذا لا تكون هناك برامج طوال العام تتحدث إلى الشباب عن أبطال الحرب وتجاربهم ودروسها؟

لدينا أبطال كثيرون، وأنا أعرف مقاتلين قدموا تضحيات هائلة، وهناك رجال من الصاعقة أصيبوا إصابات بالغة وفقدوا أطرافًا وهم يقاتلون، هذه النماذج يجب أن يعرفها الشباب، لأنها النماذج الحقيقية التي يمكن أن يتعلم منها.

لا يصح أن نترك الشباب طوال العام ثم عندما يأتي شهر أكتوبر نبدأ في تقديم أفلام وبرامج عن الحرب، وبعد ذلك ينتهي الشهر ونعود مرة أخرى إلى كل شيء كما كان، المطلوب أن تكون هناك ثقافة مستمرة، وأن يكون أبطال الحرب جزءًا من التوعية الوطنية طوال العام.

 

وفي النهاية.. ما أصعب لحظة مرت على أسرتك خلال الحرب؟

أصعب اللحظات كانت ونحن في الحرب، خاصة عندما حوصرنا في الجيش الثالث، وبعد أن انتهينا من معركة لسان بور توفيق ودخلنا في مرحلة أخرى من القتال في السويس.

الحصار له قصة أخرى، والقتال في مدينة السويس له قصة أخرى، لأننا لم نكن نتعامل فقط مع موقع حصين انتهت مهمتنا فيه، وإنما دخلنا بعد ذلك في ظروف جديدة تمامًا.

لكن الإنسان وقت الحرب لا يفكر في نفسه فقط، أنت تعرف أنك جزء من مهمة أكبر منك، وأن هناك آلاف الرجال يقاتلون في أماكن أخرى، وأن كل واحد منهم لديه أسرة تنتظره، ومع ذلك يواصل أداء مهمته.

وعندما عدت ورأيت أهلي وأهل الحي يستقبلونني، فهمت أن كل ما عشناه من تعب وخوف وحرمان لم يكن بلا معنى. كنا نقاتل من أجل مصر، ومن أجل أن يعود الأمل إلى المصريين، ومن أجل أن يعرف أولادنا أن الأرض يمكن استعادتها عندما تكون هناك إرادة وإيمان وتدريب وتضحية.

وحرب أكتوبر بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى؛ هي سنوات من حياتي عشتها بكل تفاصيلها، من التدريب الشاق والملاجئ والانتظار، إلى لحظة العبور، ثم ستة أيام من القتال حتى استسلام موقع لسان بور توفيق، ثم العودة إلى الناس الذين كانوا ينتظرون أبناءهم وأبطالهم، وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة، أن الوطن لا يحميه الكلام، وإنما يحميه العمل والانتماء والتضحية، وأن مصر تستحق دائمًا أن نبذل من أجلها كل ما نستطيع.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة