عقيد طيار سمير عزيز ميخائيل لـ«صوت الأمة»: حلقت فوق سيناء وهي تشتعل.. وأصبت وسقطت في مياه البحيرة بعد مواجهة شرسة فوق بورسعيد
السبت، 03 أكتوبر 2026 11:10 م
من مطار المنصورة إلى سماء سيناء.. ثلاثة أيام في حرب أكتوبر حملت ذكريات الطلعة الأولى
تفاصيل الحرب لا تزال حاضرة في ذاكرتى لأنها لم تكن مجرد أيام عادية، وإنما لحظة تاريخية عاشها كل واحد منا بطريقته
لم نستيقظ يوم 6 أكتوبر لنجد أنفسنا جاهزين للمعركة.. وإنما كانت هناك سنوات من العمل والتدريب والاستعداد
ثلاثة أيام فقط كانت كفيلة بأن تحمل عقيد طيار سمير عزيز ميخائيل ذكريات عمر كامل، بعدما وجد نفسه في قلب المعركة منذ الساعات الأولى لحرب أكتوبر 1973، مشاركًا في الطلعة الأولى يوم السادس من أكتوبر، وقائدًا لتشكيل من أربع طائرات انطلق من مطار المنصورة لتنفيذ المهمة الموكلة إليه، وبينما كانت القوات المصرية تعبر قناة السويس وتبدأ ملحمة العبور، كان هو ورفاقه يخوضون معركة أخرى في السماء، وسط ظروف شديدة التعقيد، وطائرات معادية تحاول التصدي للقوات المصرية، قبل أن تنتهي مشاركته في الحرب بعد إصابة طائرته وسقوطه في مياه البحيرة، ليبدأ رحلة جديدة من العلاج والتحدي والعودة إلى الطيران.
وفي حواره لـ«صوت الأمة»، يستعيد عقيد طيار سمير عزيز ميخائيل تفاصيل الأيام التي سبقت الحرب، وكيف بدت الاستعدادات مختلفة يوم الخامس من أكتوبر، واللحظة التي أُبلغ فيها القادة بموعد الحرب، ثم تفاصيل الطلعة الأولى في الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، وما شاهده من سماء سيناء وهي تشتعل تحت ضربات القوات المصرية، كما يروي تفاصيل اليوم السابع عندما تعرض مطار المنصورة للقصف، ثم اليوم الثامن الذي شهد واحدة من أصعب المواجهات التي خاضها، بعدما انطلق بأربع طائرات لمواجهة هجوم جوي على بورسعيد، ودخل في اشتباك عنيف مع أعداد كبيرة من الطائرات الإسرائيلية، قبل أن تتعرض طائرته للإصابة ويسقط في مياه البحيرة، لتبدأ بعدها رحلة طويلة مع الإصابة والعلاج، انتهت بعودته إلى الطيران من جديد.. وإلى نص الحوار..
كيف بدأت الاستعدادات داخل مطار المنصورة قبل اندلاع حرب أكتوبر؟
في الأيام التي سبقت الحرب كانت هناك حالة من الاستعداد المستمر، لكن يوم الخامس من أكتوبر كان مختلفًا بشكل واضح، فقد ظهرت إجراءات غير معتادة، وبدأت الاستعدادات تأخذ شكلًا أكثر جدية، خاصة مع تجهيز الطائرات ووضع الاحتياطات والتسليح بالشكل الذي جعلنا نشعر أن هناك شيئًا مختلفًا يحدث، وفي السادس من أكتوبر، وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا، تم إبلاغ القادة بالمهمة، وأصبح واضحًا أن الأمر هذه المرة ليس مجرد تدريب جديد، وإنما هناك عملية حقيقية سيتم تنفيذها.
كنا قد مررنا قبل ذلك بفترات طويلة من التدريب والاستعداد، وكانت التدريبات تتغير باستمرار وفقًا لطبيعة المرحلة، وبعد حرب 1967 أصبحت التدريبات أكثر كثافة وقسوة، وارتفع عدد الطلعات التي ننفذها، كما أصبح التدريب يشمل التعامل مع المواقف المختلفة في الجو، سواء الاشتباك أو الطيران المنخفض أو التعامل مع الطائرات المعادية، كل ذلك كان جزءًا من إعدادنا للمعركة التي كنا نعلم أنها قادمة، وإن لم نكن نعرف على وجه التحديد متى ستبدأ.
وماذا حدث في الساعات الأولى من يوم السادس من أكتوبر؟
في صباح السادس من أكتوبر كنا في حالة استعداد كاملة، لكن كان هناك شيء واحد يشغلني، وهو ألا يكون الأمر مجرد تدريب جديد يتم تأجيله مثلما حدث في مرات سابقة. فقد كانت هناك من قبل عمليات استدعاء مفاجئة أثناء الإجازات، وكنا نعود إلى المطارات ونستعد، ثم لا يحدث شيء ونعود مرة أخرى إلى حياتنا الطبيعية، ولذلك كان هناك تخوف من أن يتكرر الأمر.
لكن هذه المرة كان الموقف مختلفًا تمامًا. وفي تمام الساعة الثانية ظهرًا انطلقت الطلعة الأولى، وكنت قائدًا لتشكيل مكون من أربع طائرات. كانت مهمتنا التحرك في اتجاه منطقة القناة وتنفيذ المهمة المحددة لنا، وانطلقنا على ارتفاع منخفض، ثم ارتفعنا إلى نحو خمسة كيلومترات، وكنا نتحرك في إطار المهمة الموكلة إلينا.
ماذا رأيت في سماء سيناء خلال الطلعة الأولى؟
المشهد الذي رأيته لا يمكن أن أنساه طوال حياتي، عندما حلقنا فوق المنطقة كانت سيناء تشتعل، وكانت هناك ضربات وانفجارات في كل مكان، وشاهدت الأرض وهي تحت القصف، وكان المشهد بالنسبة لي مختلفًا تمامًا عن كل ما شاهدته في التدريبات، أنت في السماء وترى أرضك وهي تخوض معركة استرداد حقها، وتشاهد بداية تنفيذ المهمة التي تدربنا من أجلها سنوات طويلة.
كان المشهد بالنسبة لي أشبه بصورة كاملة للحرب؛ الطائرات تتحرك، والأرض تشتعل، والقوات تنفذ مهامها، وكل طرف يؤدي الدور المحدد له، وفي تلك اللحظة تشعر أن كل سنوات التدريب التي عشناها لم تذهب هباءً، وأن اللحظة التي انتظرناها طويلًا قد جاءت بالفعل.
هل حدث اشتباك مع الطائرات الإسرائيلية خلال الطلعة الأولى؟
خلال الطلعة الأولى رصدنا الرادار الإسرائيلي، لكن لم يحدث اشتباك مباشر معنا في تلك اللحظة، واستمرت المهمة وفقًا لما تم تحديده. وكان علينا أن ننفذ المطلوب بدقة، وأن نعود بعد إتمام المهمة، لأن كل ثانية في مثل هذه العمليات تكون محسوبة.
وفي الحرب لا يمكنك أن تتعامل مع الموقف باعتباره مجرد طلعة عادية؛ أنت تتحرك في بيئة مليئة بالمخاطر، وهناك طائرات معادية ورادارات وصواريخ ومواقف يمكن أن تتغير في لحظة، ولذلك كان التدريب الذي حصلنا عليه خلال السنوات السابقة هو الأساس الذي نعتمد عليه في التعامل مع أي موقف طارئ.
كيف كان التدريب قبل الحرب، وهل ساعدكم بالفعل في المعركة؟
بعد عام 1967 تغير كل شيء، وأصبح التدريب أكثر قسوة وكثافة. قبل ذلك كنا ننفذ عددًا معينًا من الطلعات، وقبل الحرب تضاعفت الطلعات تقريبًا، وأصبحنا ننفذ نحو ثلاثين طلعة في الشهر، مع التركيز على مهام الهجوم الأرضي والقتال الجوي، والتدريب على المواجهات الفردية بين الطيارين.
كنا نعيد التدريب على المواقف نفسها مرات ومرات، لأن الطيار عندما يدخل المعركة لا يكون أمامه وقت للتفكير الطويل، وإنما يجب أن يتصرف بصورة تلقائية وفقًا لما تدرب عليه. ولذلك أستطيع القول إن التدريب كان من أهم أسباب قدرتنا على مواجهة المواقف الصعبة التي تعرضنا لها في الحرب.
وماذا حدث في اليوم التالي، السابع من أكتوبر؟
في السابع من أكتوبر تعرض مطار المنصورة لهجوم، وكانت هناك ضربات وقصف للمطار. وأتذكر أن إحدى القنابل سقطت بالقرب من مكان وجود الطيارين، وكان الموقف خطيرًا، لكننا كنا نتعامل مع الأمر باعتباره جزءًا من الحرب التي دخلناها بالفعل.
كان كل شيء يتحرك بسرعة، ولا توجد مساحة كبيرة للراحة أو التفكير في الخطر الشخصي. أنت تعرف أن المطار مستهدف، وأن الطائرات يجب أن تظل مستعدة، وأن أي لحظة قد يأتي فيها أمر بالإقلاع. لذلك كان التركيز كله منصبًا على أداء المهمة.
كيف بدأت أصعب مواجهاتك يوم الثامن من أكتوبر؟
في الثامن من أكتوبر كنت قد تعرضت للإرهاق، وكان هناك طيار آخر متعب، وفي تلك الأثناء جاء الأمر بالاستعداد للإقلاع. تحركت إلى طائرتي، ولم يكن هناك وقت طويل، وكانت المهمة مرتبطة بالدفاع عن بورسعيد بعد تعرضها لهجوم من الطائرات الإسرائيلية.
انطلقت في تشكيل مكون من أربع طائرات، وكنا نحمل خزانات وقود إضافية، وكان المفترض أن يتم التخلص منها قبل الدخول في الاشتباك حتى تصبح الطائرة أخف وزنًا وأكثر قدرة على المناورة. لكن خزانات طائرتي لم تسقط، وبالتالي دخلت الاشتباك والطائرة ما زالت تحمل هذه الحمولة، وهو ما جعل عملية المناورة أكثر صعوبة.
وعندما اقتربنا من بورسعيد وجدنا طائرات إسرائيلية في الجو، وبدأ الاشتباك. كانت المواجهة شديدة، ودخلنا في معركة جوية صعبة، وكنا أربع طائرات في مواجهة أعداد أكبر بكثير من الطائرات المعادية.
كيف تعاملت مع هذا التفوق العددي الكبير؟
في مثل هذه اللحظات لا يكون أمامك إلا أن تؤدي دورك. أنت تعرف أنك في معركة، وتعرف أن هناك طائرات خلفك وأمامك، لكنك لا تستطيع أن تتوقف وتفكر في عدد الطائرات التي تواجهها. المطلوب أن تحافظ على طائرتك، وأن تناور، وأن تحمي زملاءك، وأن تنفذ المهمة.
خلال الاشتباك أصيبت إحدى طائرات التشكيل، ووجدت نفسي في موقف بالغ الصعوبة، خاصة أن طائرتي كانت لا تزال تحمل الخزانات الإضافية، حاولت التعامل مع الطائرات المعادية والمناورة معها، لكن حدث عطل في دائرة التسليح، ولم يعد المدفع يعمل بالشكل المطلوب، فأصبحت في موقف شديد الصعوبة؛ طائرة في مواجهة طائرات معادية، والسلاح لا يعمل كما ينبغي.
وماذا حدث لطائرتك أثناء محاولة الخروج من الاشتباك؟
حاولت أن أتعامل مع الموقف بالمناورة، وأن أخرج بالطائرة من منطقة الاشتباك، لكن الطائرة تعرضت لضربة من الخلف، وشعرت بإصابة قوية وبألم شديد في ظهري، ثم بدأت الطائرة في السقوط.
لم يكن أمامي سوى القفز منها. قفزت، وسقطت في مياه البحيرة، وكانت الإصابة شديدة، خاصة في الظهر. مررت بلحظات صعبة جدًا، لكنني في النهاية نجوت، وتمكن صيادون من إنقاذي، ثم وصلت إلى قوات خفر السواحل، ومن هناك تم نقلي إلى المستشفى.
ماذا حدث بعد وصولك إلى المستشفى؟
تم نقلي إلى مستشفى المطرية، وكانت حالتي تحتاج إلى رعاية وعلاج، وبعد الفحوصات تبين أنني تعرضت لإصابة في العمود الفقري، وأصبت بالشلل، وكان الوضع صعبًا للغاية، وفي تلك اللحظة لم يكن تفكيري في الإصابة فقط، وإنما كان هناك شيء واحد يشغلني: الحرب مستمرة، وزملائي ما زالوا في السماء، وأنا بعيد عنهم.
كنت أريد العودة إلى المطار، وكنت أريد أن أعرف ماذا يحدث، وأن أكون موجودًا مع زملائي، لكن الأطباء كانوا يعرفون خطورة حالتي، ولذلك تم منعي من الحركة، وظللت فترة طويلة دون حركة تقريبًا، ثم بدأت رحلة العلاج الطبيعي التي استمرت نحو ستة أشهر.
هل شعرت أن الإصابة أنهت علاقتك بالطيران؟
في البداية كان الأمر صعبًا جدًا، خصوصًا أن الإصابة جاءت وأنا في قلب الحرب، وكنت أريد أن أكمل القتال مع زملائي، لكن الإنسان عندما يضع أمامه هدفًا لا بد أن يحاول الوصول إليه مهما كانت الصعوبات.
بدأت رحلة العلاج والتأهيل، ومع الوقت استطعت أن أعود إلى الطيران مرة أخرى. وكانت العودة بالنسبة لي انتصارًا آخر؛ لأنني لم أكن أريد أن تكون الإصابة هي النهاية، وإنما أردت أن أستعيد قدرتي على ممارسة عملي ومهمتي التي عشت من أجلها.
ما الذي بقي في ذاكرتك من حرب أكتوبر بعد مرور كل هذه السنوات؟
بقيت تفاصيل كثيرة لا يمكن أن تنسى، بداية من لحظة الاستعداد، والطلعة الأولى يوم السادس من أكتوبر، ومشهد سيناء وهي تشتعل، ثم أيام القتال المتواصلة، وما حدث في السابع من أكتوبر، ثم المواجهة الصعبة فوق بورسعيد في الثامن من أكتوبر.
هذه التفاصيل لا تزال حاضرة، لأنها لم تكن مجرد أيام عادية، وإنما كانت لحظة تاريخية عاشها كل واحد منا بطريقته. وكل طيار وكل جندي وكل ضابط كان لديه دور يؤديه، والنجاح كان نتيجة أن الجميع قام بالدور المطلوب منه.
بعد كل هذه السنوات، ماذا تقول للشباب المصري؟
أقول للشباب إن الإنسان يجب أن يحدد هدفه في الحياة، ثم يعمل من أجل الوصول إليه، ولا ينتظر أن يأتي النجاح إليه دون جهد. نحن عندما دخلنا حرب أكتوبر كان لدينا هدف واضح، وهو استعادة الأرض والكرامة، ولذلك تحملنا التدريب الشاق، وتحملنا الصعوبات، وعملنا من أجل الوصول إلى اللحظة التي جاء فيها النصر.
كل شخص لديه مهمة في الحياة، والمهم أن يؤديها بإخلاص. الطالب عليه أن يدرس، والعامل عليه أن يعمل، وكل إنسان عليه أن يعرف دوره ويؤديه بأفضل صورة ممكنة. لا يوجد عمل صغير إذا كان صاحبه يؤديه بإتقان وإخلاص.
ما الذي تمثله لك ذكرى أكتوبر اليوم؟
أكتوبر بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما هي تجربة حياة كاملة، تعلمنا منها معنى التضحية والانضباط والعمل الجماعي والإيمان بالهدف. وهي ذكرى كل الرجال الذين شاركوا في الحرب، وكل من بذل جهدًا من أجل أن تصل مصر إلى النصر.
والأهم أن نعلم الأجيال الجديدة أن الوطن لا يحافظ عليه بالكلام فقط، وإنما بالعمل. كل واحد منا يستطيع أن يخدم بلده في موقعه، سواء كان في القوات المسلحة أو في الجامعة أو في المصنع أو في أي مكان آخر.