وسقطت أوراق التوت.. إفلاس أدوات التحريض والتبعية داخل الإخوان الإرهابية

الأحد، 04 أكتوبر 2026 08:45 م
وسقطت أوراق التوت.. إفلاس أدوات التحريض والتبعية داخل الإخوان الإرهابية

تحولت المنصات التي صنعت جماعة الإخوان الإرهابية منابرها في الخارج إلى ساحات مفتوحة تكشف حجم الانقسام الذي يضرب صفوفها، بعدما انتقلت الخلافات من الكواليس التنظيمية إلى الشاشات ومنصات التواصل، وتحولت المعارك من استهداف الدولة المصرية إلى تصفية الحسابات بين القيادات والمنشقين والشباب المحسوبين على التنظيم. 
 
وفي قلب هذا المشهد يبرز حمزة زوبع، أحد أبرز الوجوه الإعلامية للجماعة، باعتباره نموذجاً لتحول أدوات التحريض من وسيلة لحشد الأنصار إلى سلاح متبادل داخل التنظيم نفسه.
 
صعد زوبع من موقع المتحدث باسم حزب الحرية والعدالة إلى صدارة المشهد الإعلامي الإخواني في الخارج، وقدم لسنوات برنامج "مع زوبع" عبر قناة "مكملين"، ليشارك في صناعة خطاب اعتمد على مهاجمة الدولة ومؤسساتها، وتضخيم الأزمات، وإعادة تدوير الاتهامات والشائعات، ومع مرور الوقت، ارتبط اسمه بملفات قضائية تناولت هذا الدور الإعلامي، وصولاً إلى قضية "الخلية الإعلامية" التي صدر فيها بحقه حكم بالسجن المؤبد في نوفمبر 2024.
 
وتكشف حيثيات الحكم في قضية "الخلية الإعلامية" عن صورة أوسع لطبيعة النشاط الإعلامي المرتبط بالجماعة؛ إذ قالت المحكمة إن قيادات إخوانية هاربة، من بينها حمزة زوبع، عقدت لقاءات تنظيمية في الخارج لوضع مخطط عدائي ضد مؤسسات الدولة، اعتمد ــ وفق الحيثيات ــ على إذاعة الأخبار والشائعات والمواد المصورة عبر المنصات الإعلامية، ومنها "مكملين" و"الشرق"، إلى جانب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى التجمهر والتحرك، بهدف تشويه مؤسسات الدولة وإضعاف هيبتها وإشاعة الفوضى، بالإضافة إلى لجان إعلامية داخل مصر وخارجها تتولى جمع المعلومات وإعداد المواد والمونتاج وإدارة المنصات وتنفيذ التكليفات الواردة من قيادات الجماعة في الخارج.
 
وتضع هذه الوقائع زوبع داخل منظومة تتجاوز حدود العمل التلفزيوني؛ فالرجل الذي ظهر أمام الجمهور باعتباره مذيعاً معارضاً حمل في الوقت ذاته إرثاً سياسياً وتنظيمياً واضحاً، وارتبط اسمه بمنظومة إعلامية جرى توظيفها في الصراع السياسي والتنظيمي للجماعة.
 
لكن المفارقة الأكثر دلالة جاءت من زوبع نفسه، حين تحدث في أغسطس 2015 عن اعتصام رابعة، وأقر بأن قيادات الجماعة كانت تعلم أن الاعتصام لن يعيد محمد مرسي إلى السلطة، بينما كانت تقول للمعتصمين إن "مرسي سيعود غداً أو بعد غد" بهدف الوصول إلى نقطة تفاوض؛ وبذلك قدم أحد أبرز متحدثي الجماعة اعترافاً يكشف الفارق بين الرسالة التي جرى تقديمها إلى القواعد والحسابات التي كانت تحرك القيادة.
 
هذا التصريح يفتح واحدة من أكثر الصفحات إحراجاً في تاريخ الجماعة، لأن "عودة مرسي" ظهرت أمام المعتصمين باعتبارها هدفاً قريباً يستحق استمرار الحشد، بينما تكشف شهادة زوبع أن القيادة كانت تدرك مساراً مختلفاً، وتتعامل مع التصعيد باعتباره وسيلة ضغط للوصول إلى التفاوض، وهنا تبدو المتاجرة بالمعتصمين في أوضح صورها؛ حشد بشري يجري الإبقاء عليه في الميدان عبر شعار تعرف القيادة ــ وفق رواية زوبع ــ أن تحقيقه غير ممكن، ثم استخدام استمرار الاعتصام والتصعيد كورقة في الحسابات السياسية.
 
ومن هذه الزاوية، يصبح زوبع أكثر من مجرد ناقل لرواية الإخوان؛ فهو شاهد من داخل منظومة صناعة الرسائل التي خاطبت القواعد، ثم كشف لاحقاً جانباً من الطريقة التي تعاملت بها القيادات مع أنصارها، وهو أيضاً أحد الوجوه التي ساهمت لسنوات في إعادة إنتاج الخطاب الإخواني عبر الشاشة، قبل أن تنقلب المنصات ذاتها إلى ساحات صراع بين أجنحة الجماعة.
 
المشهد في 2026 يكشف هذه النقلة بوضوح. فقد دخل زوبع في اشتباكات علنية مع قيادات وشباب منشقين عن التنظيم، وهاجمهم عبر المنصات الإعلامية، بينما رد عليه منشقون باتهام الجماعة باتباع سياسة تشويه كل من يخرج من صفوفها، كما تناولت تقارير تكثيف حملات إلكترونية ضد منتقدي التنظيم بهدف الضغط عليهم وإغلاق حساباتهم، في اتهامات جاءت على لسان شخصيات منشقة وباحثين في شؤون الجماعات المتطرفة.
 
وتكشف هذه المعارك عن تحول جوهري في وظيفة الخطاب الإخواني؛ فالجبهات التي اعتادت استخدام الإعلام في مواجهة الدولة أصبحت تستخدمه في مواجهة بعضها بعضاً، فالمنصة التي كانت مخصصة للهجوم على الخصم الخارجي تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية، والخطاب الذي كان يطلب من الأنصار الالتفاف حول قيادة واحدة بات يُستخدم لتشويه المنشقين وإسكات المنتقدين ومهاجمة الشباب الخارج من التنظيم.
 
ومع اتساع الانقسامات، باتت كل جبهة تسعى إلى امتلاك المنبر الذي يمنحها الشرعية ويمنح خصومها صفة "الخيانة" أو "الانشقاق"، بينما تراجعت مساحة الحديث عن مشروع سياسي قادر على استقطاب الجمهور. 
 
وبدلاً من طرح رؤية جديدة، ظهرت معارك حول من يمثل الجماعة، ومن يملك حق الحديث باسمها، ومن يسيطر على المنصات والموارد، وهي معارك كشفت هشاشة الصورة التي حاول إعلام التنظيم الإرهابي تقديمها لسنوات.
 
وفي أكتوبر 2026، تناولت تقارير حديثة الصراع بين جبهات الإخوان حول الأموال والأصول والمنصات الإعلامية، في مشهد يعكس انتقال الخلافات من مستوى الأفكار والتنظيم إلى صراع مباشر على الموارد والنفوذ.
 
كما رصدت مواد أخرى اشتباكات بين زوبع وصهيب عبد المقصود وصهيب الكاشف، باعتبارها وجهاً من أوجه الانقسام الذي أخذ ينتقل من الغرف المغلقة إلى الفضائيات والسوشيال ميديا.
 
وهنا تظهر أزمة "الدكاكين" الإخوانية؛ كل مجموعة تمتلك منصة، وكل منصة تمتلك رواية، وكل رواية تبحث عن شرعية لنفسها عبر إسقاط شرعية الآخرين، والنتيجة خطاب متشظٍ، وقيادات تتبادل الاتهامات، ووجوه إعلامية تهاجم رفاق الأمس، وشباب يعلنون القطيعة مع القيادات التقليدية.
 
ويمثل زوبع في هذا المشهد نموذجاً صارخاً؛ فالرجل الذي قضى سنوات في تقديم خطاب الجماعة وتحويل الشاشة إلى أداة للصراع، أصبح جزءاً من الصراع على من يملك حق تمثيل الجماعة ومن يملك أدوات التأثير فيها، وهكذا ارتدت ماكينة التحريض على أصحابها، وانتقلت من استهداف الدولة إلى استهداف عناصر التنظيم نفسه.
 
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يوضع هذا المشهد إلى جوار السجل القضائي المرتبط بزوبع؛ فالقضية التي صدر فيها بحقه حكم بالسجن المؤبد تناولت، وفق حيثيات المحكمة، منظومة إعلامية مرتبطة بهيكل تنظيمي أوسع، وإعداد ونشر مواد وأخبار وشائعات تستهدف الدولة ومؤسساتها.
 
وبين صورة "الإعلامي المعارض" التي جرى تقديمها للجمهور، وبين الوقائع التي كشفتها القضايا والأحكام والاشتباكات الداخلية، تتآكل أوراق التوت التي غطت لسنوات حقيقة الأدوات التي اعتمدت عليها الجماعة في الخارج.
 
هنا يسقط القناع عن زوبع وأمثاله؛ مذيعون وقيادات قدموا أنفسهم طويلاً باعتبارهم أصحاب مشروع، بينما تكشف صراعاتهم الحالية حجم تآكل هذا المشروع وتحول أدواته إلى وسائل للتخوين والتشويه وتصفية الحسابات.
 
الحقيقة أنه قد انتهى زمن المنصة التي تتحدث باسم جماعة واحدة؛ كل شاشة أصبحت تتحدث باسم جبهة، وكل جبهة تبحث عن أنصارها، وكل طرف يستخدم السلاح ذاته الذي صنع به خصومه طوال السنوات الماضية.
 
وتلك هي المفارقة التي تكشف إفلاس منظومة التحريض الإخواني: الخطاب الذي صُمم لإشعال الصراع مع الدولة، أصبح اليوم مشغولاً بإشعال الصراع داخل الجماعة نفسها؛ والوجوه التي احترفت تشويه الخصوم باتت تتبادل الاتهامات على الملأ، لتتحول شاشاتها من أدوات للتأثير إلى شواهد على الانقسام والسقوط.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة