المركز المصري للدراسات الاستراتيجية يتناول في دراسة تأثير حرب أكتوبر 1973 على مراجعة السياسة العسكرية الإسرائيلية

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 11:30 ص
المركز المصري للدراسات الاستراتيجية يتناول في دراسة تأثير حرب أكتوبر 1973 على مراجعة السياسة العسكرية الإسرائيلية

تناولت دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاستراتيجية تأثير حرب أكتوبر 1973 على مسار السياسة العسكرية الإسرائيلية، وما أحدثته الحرب من مراجعات في العقيدة والاستراتيجيات العسكرية لدى إسرائيل.
 
وأكدت الدراسة أن حرب أكتوبر 1973 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية كشفت ضعف استعداد إسرائيل لهجوم مصري سوري منسق، بل كانت اختبارا شاملا للمنظومة العسكرية التي تبلورت لديها بعد حرب يونيو 1967. فقد دخلت إسرائيل الحرب وهي تستند إلى مجموعة من الافتراضات بدت، في ضوء نتائج 1967، شديدة التماسك، مفادها إن الردع سيمنع الدول العربية من اللجوء إلى الحرب، وإن التفوق النوعي الإسرائيلي سيكفل الحسم إذا اندلعت المواجهة، وإن العمق الجغرافي الذي أتاحته الأراضي المحتلة سيوفر وقتا كافيا للإنذار والتعبئة، وإن القوات النظامية تستطيع امتصاص الضربة الأولى إلى حين استدعاء قوات الاحتياط. غير أن حرب أكتوبر وضعت هذه الافتراضات جميعا تحت الاختبار في وقت واحد، وكشفت أن امتلاك القوة لا يساوي بالضرورة القدرة على تحويلها إلى تفوق قتالي فعال في ظروف المفاجأة والحرب متعددة الجبهات.
السياسة العسكرية الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر 1973:
بعد حرب يونيو 1967، رسخت إسرائيل تصورا مفاده أن التفوق العسكري الذي أظهره جيشها قد أحدث ردعا كافيا لدى الدول العربية. لم يكن الردع يعني فقط منع الحرب، بل كان مرتبطا بإقناع الخصم بأن أي مواجهة جديدة ستنتهي بهزيمة عسكرية واضحة. وفي الوقت نفسه، منح احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية إسرائيل عمقا جغرافيا لم تكن تملكه من قبل، وأوجد اعتقادا بأن هذا العمق سيوفر زمنا إضافيا للإنذار والاستعداد، ويبعد مراكزها الحيوية عن الخطر المباشر.
وكان العمق الاستراتيجي الذي أتاحته الأراضي المحتلة بعد 1967 جزءا أساسيا من هذا التصور. فسيناء والجولان لم ينظرا إليهما فقط كأراض تفصل القوات العربية عن المراكز الإسرائيلية، بل كمساحة يفترض أن تمنح القيادة وقتا أطول لاكتشاف الهجوم وتنظيم الدفاع. وبذلك أصبحت الجغرافيا جزءا من منظومة الإنذار والتعبئة. إلا أن هذا الافتراض تجاهل حقيقة أن القوات المصرية والسورية باتت متمركزة أصلا عند خطوط المواجهة الجديدة، وأنها لم تعد بحاجة إلى قطع المسافات التي كانت تفصلها قبل 1967 عن ميدان القتال. وهكذا تحول العمق الجغرافي، الذي عد مصدرا للطمأنينة، إلى عنصر لا يحقق قيمته إلا إذا اقترن بقراءة صحيحة للتهديد وقرار مبكر بالتعبئة.
ارتبط بذلك الاعتماد على جيش نظامي محدود نسبيا، تدعمه قوة احتياط كبيرة يمكن استدعاؤها عند الحاجة. وكان نجاح هذه الصيغة يتوقف على سلسلة مترابطة: إنذار مبكر يتيح اتخاذ قرار سريع، ثم تعبئة الاحتياط ونقله إلى الجبهات، ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم المضاد. كما احتلت القوة الجوية موقعا مركزيا في هذا التصور، بوصفها أداة رئيسية لتحقيق التفوق العملياتي السريع، ودعم القوات البرية، والمساهمة في نقل الحرب إلى أرض الخصم.
كما أسهمت نتائج 1967 في ترسيخ الثقة في القوة الجوية، التي بدت في التصور الإسرائيلي قادرة على تعويض الفارق العددي، وإسناد القوات البرية، وتهيئة ظروف الانتقال السريع إلى الهجوم. غير أن حرب أكتوبر1973 أثبتت أن التفوق الجوي ليس حقيقة ثابتة بمعزل عن البيئة العملياتية. فبناء مصر شبكة كثيفة من الصواريخ أرض-جو، إلى جانب الاستخدام الواسع للأسلحة المضادة للدروع، أظهر أنها استطاعت تطوير وسائل تعطل مؤقتا نقاط القوة الإسرائيلية، وأن التفوق النوعي لا يقاس بنوعية المنظومات وحدها، بل بمدى القدرة على تشغيلها في مواجهة وسائل مضادة صممت خصيصا لتقييدها.
لكن هذا النموذج كان يحمل بداخله نقطة ضعف أساسية: كل عنصر فيه يعتمد على العنصر الآخر؛ فإذا فشل الإنذار، تقلص الوقت المتاح للتعبئة، وإذا تأخرت التعبئة، اضطرت القوات النظامية إلى خوض القتال الأولي وحدها، وإذا فقدت القوة الجوية حرية العمل، تراجعت القدرة على استعادة المبادرة بسرعة. وهذا هو تحديدا ما كشفت عنه حرب أكتوبر من خلل بناء تلك المنظومة. 
الصدمة الاستراتيجية لإسرائيل ... حين انهارت الافتراضات:
جاء الهجوم المصري السوري في 6 أكتوبر 1973 ليضرب الحلقة الأكثر حساسية في المنظومة الإسرائيلية، وهي الإنذار المبكر. لم تكن المشكلة في غياب المعلومات بصورة كاملة، بل في الطريقة التي جرى بها تفسيرها. فقد حكم ما عرف لاحقا بـ "المفهوم" أو "التصور المسبق" قراءة المؤشرات المتاحة؛ إذ افترضت المؤسسة الإسرائيلية أن مصر لن تبدأ حربا قبل امتلاك قدرات معينة تمكنها من مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي، وأن سوريا لن تخوض حربا واسعة منفردة. ونتيجة لذلك، جرى تفسير مؤشرات الاستعداد العربي بما يتفق مع الافتراضات السابقة، لا باعتبارها دليلا على اقتراب الحرب.
انتقل هذا الإخفاق سريعا من مستوى التقدير الاستخباري إلى الجاهزية العسكرية. كانت إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على قوات الاحتياط، لكن التعبئة الواسعة تأخرت، فأصبحت القوات الموجودة بالفعل على الجبهتين مطالبة بمواجهة هجوم واسع قبل اكتمال الحشد. وفي الجولان ظهر حجم التفاوت العددي في الساعات الأولى، بينما نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس وإقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية، وهو ما أجبر القوات الإسرائيلية على الانتقال إلى وضع دفاعي لم يكن هو الوضع الذي صممت سياستها العسكرية لمواجهته.
كما تعرض مفهوم التفوق النوعي لاختبار قاس. ففي الجبهة المصرية، واجه الطيران الإسرائيلي شبكة دفاع جوي كثيفة ومتعددة المستويات، قلصت من حرية عمله. وكانت إسرائيل قد أعدت خطة لتدمير الدفاعات الجوية المصرية وتحقيق التفوق الجوي، غير أن تطورات الحرب، والحاجة إلى دعم القوات البرية، ثم خطورة الوضع في الجولان، منعت تنفيذ الخطة بالشكل الذي أعدت له. وهكذا لم يعد امتلاك سلاح جو متقدم كافيا وحده لتحقيق الحسم السريع.
الأهم أن الحرب كشفت مشكلة في العلاقة بين مكونات القوة، لا في كل مكون منفردا. فالردع لم يمنع الحرب، والإنذار لم يوفر الوقت، والاحتياط لم يكن متاحا بكامل فاعليته في اللحظة المطلوبة، والقوة الجوية لم تستطع العمل بحرية كما كان متوقعا، واستعادة المبادرة احتاجت إلى وقت وجهد أكبر مما افترضته التصورات الإسرائيلية السابقة. لذلك لم تكن أزمة أكتوبر أزمة نقص في السلاح أو الأفراد بقدر ما كانت أزمة في تشغيل القوة تحت ظروف لم تكن المؤسسة العسكرية مستعدة لها.
من الصدمة الاستراتيجية إلى مراجعة السياسة العسكرية الإسرائيلية:
لم تقتصر الاستجابة الإسرائيلية بعد الحرب على البحث عن المسؤولين عن الإخفاق، بل اتسعت لتشمل مراجعة أوسع للسياسة العسكرية، وبناء القوة، والجاهزية، والإنذار، وآليات القيادة والسيطرة. واتخذت هذه المراجعة مسارين متداخلين: مسارا رسميا وقانونيا مثلته لجنة أجرانات، ومسارا عسكريا وفكريا دار داخل المؤسسة العسكرية والأوساط البحثية والسياسية.
لم تقدم لجنة أجرانات تفسيرا بسيطا يقوم على خطأ فرد واحد، فقد تناولت مشكلات التجهيز والاحتياط وأوجه القصور في التخطيط والقيادة والسيطرة والإخفاق الاستخباري ومسألة المفاجأة وأداء القيادات على الجبهات. وانتهت إلى تحميل عدد من القيادات العسكرية والاستخبارية مسؤوليات مباشرة، لكن الأهم من ذلك أنها كشفت أن المشكلة أوسع من المسؤولية الفردية: كانت هناك فجوة بين القوة التي تمتلكها إسرائيل وبين قدرتها على تحويل هذه القوة إلى أداء منظم ومتماسك تحت ضغط المفاجأة.
وتكتسب لجنة أجرانات أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها جسدت الانتقال من صدمة الميدان إلى مراجعة المؤسسة. صحيح أن توصياتها تضمنت إجراءات بحق عدد من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباريين، وفي مقدمتهم رئيس الأركان "ديفيد إليعازر" ورئيس الاستخبارات العسكرية، إلا أن القيمة الأهم لتقريرها تمثلت في اتساع نطاق ما أخضعته للفحص. فقد لمست المراجعة تجهيز قوات الاحتياط، والتخطيط، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والعقيدة، وأداء الجبهات. وبذلك تحولت الحرب من سؤال عن المسؤول عن المفاجأة إلى سؤال أوسع: لماذا عجزت منظومة تملك قدرات عسكرية كبيرة عن تشغيلها بكفاءة في الساعات والأيام الأولى؟ وهذه النقلة هي التي جعلت المراجعة تتجاوز محاسبة الأفراد إلى البحث في بنية العمل العسكري نفسها.
هنا تحولت حرب أكتوبر إلى نقطة انطلاق لعملية تعلم مؤسسي. لم تعد القضية مجرد كيفية منع تكرار الخطأ الاستخباري، بل كيفية بناء منظومة تستطيع العمل حتى إذا وقع الإخفاق أو جاءت الحرب في توقيت غير متوقع. ومن ثم أصبح المطلوب تعزيز قدرة الجيش على امتصاص المفاجأة، وتسريع التعبئة، وتحسين الانتشار، ورفع الجاهزية، وتطوير نظم القيادة والسيطرة، وتوسيع القدرة على التعامل مع حرب متعددة الجبهات.
أثر عملية المراجعة على السياسة العسكرية والدفاعية الإسرائيلية بعد حرب أكتوبر 1973:
لم تفض مراجعة ما بعد أكتوبر إلى صياغة سياسة عسكرية إسرائيلية جديدة بالكامل، لكنها أدت إلى إعادة ترتيب الأولويات وتعديل وسائل التطبيق. كان أول هذه الاتجاهات تعزيز الطابع الهجومي في ممارسة الاستراتيجية الدفاعية. فقد أظهرت الحرب، من المنظور الإسرائيلي، أن انتظار الضربة الأولى قد يحمل مخاطر شديدة، ولذلك عاد الاهتمام بالمبادأة، وبالقدرة على نقل العمليات إلى أرض الخصم، وباستعادة إمكان توجيه ضربة استباقية إذا اعتبرت القيادة أن الظروف تستدعي ذلك. كذلك أصبحت استعادة الردع مرتبطة بدرجة أكبر بإثبات القدرة على استخدام القوة، لا بمجرد امتلاكها. فالحرب أثبتت أن الخصم قد يقرر القتال حتى في ظل إدراكه للتفوق الإسرائيلي إذا كان يعتقد أن بإمكانه تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية محدودة. ومن هنا اتجهت إسرائيل إلى تعزيز قدرتها الهجومية، ورفع جاهزية قواتها، وضمان قدرتها على الرد السريع.
أما في بناء القوة، فقد كان التغيير واضحا من الناحية الكمية. ارتفع حجم القوات النظامية والاحتياطية خلال الأعوام التالية للحرب، وجرت مراجعة نظام استدعاء الاحتياط لتقليل الزمن اللازم لوصوله إلى ميدان القتال. وكان الدرس المباشر أن وجود احتياط كبير لا يكفي ما لم يكن جاهزا، سريع الاستدعاء، ومزودا بالمعدات والتدريب اللازمين للعودة الفورية إلى القتال.
كما أن إعادة بناء الجاهزية لم تقتصر على زيادة الأعداد. فقد اتجهت إسرائيل إلى تقليل الاعتماد على افتراض أن الإنذار سيمنح دائما الوقت الكافي للحشد. ومن هنا اكتسبت سرعة الاستدعاء، ورفع جاهزية الوحدات القائمة، وتحسين توزيع القوات بين الجبهات، أهمية أكبر. فقد كان أحد دروس أكتوبر أن القوة الموجودة على الورق لا تصبح قوة عسكرية فعلية إلا عندما تكون في المكان الصحيح، في الوقت الصحيح، وتحت قيادة تستطيع استخدامها بسرعة. وهذا الدرس يفسر لماذا اقترنت الزيادة الكمية في القوات بالاستثمار في نظم القيادة والسيطرة والاستطلاع والإنذار، وليس بالتوسع العددي وحده.
وتوسعت كذلك جهود تحديث التسليح، وتطوير نظم الإنذار والاستطلاع والقيادة والسيطرة، وزيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة. وكان الهدف من ذلك إعادة بناء التفوق العسكري الإسرائيلي في مواجهة احتمال أن تستخدم الدول العربية مرة أخرى الكثافة العددية، أو الدفاع الجوي، أو الصواريخ المضادة للدروع، أو المفاجأة العملياتية لتقليص أثر التفوق النوعي الإسرائيلي.
غير أن أحد أهم الدروس تمثل في إعادة النظر في العلاقة بين التكنولوجيا والفاعلية القتالية. فقد أثبتت الحرب أن امتلاك منظومات متقدمة لا يكفل وحده التفوق، إذا لم تكن هذه المنظومات جزءا من منظومة متكاملة تشمل معلومات دقيقة، وإنذارا فعالا، واستعدادا مناسبا، وقيادة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. ولذلك أصبحت الجاهزية والتكامل بين عناصر القوة جزءا أكثر وضوحا من عملية المراجعة التي أعقبت الحرب.
حدود المراجعة واستمرار مرتكزات السياسة العسكرية الإسرائيلية:
رغم اتساع عملية مراجعة الأداء العسكري الإسرائيلي الضعيف في حرب أكتوبر 1973، فإن وصف ما جرى بعد 1973 بأنه تغيير كامل في السياسة العسكرية الإسرائيلية سيكون مبالغة. فقد احتفظت إسرائيل بالعديد من المرتكزات التقليدية التي حكمت تفكيرها العسكري منذ قيامها: الردع، والتفوق العسكري والنوعي، والمبادأة، والاعتماد على القوة الذاتية، والحرص على نقل الحرب بعيدا عن مراكزها الحيوية، والسعي إلى تحقيق نتيجة عسكرية تمنع الخصم من فرض أهدافه بالقوة.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين تغيير السياسة العسكرية وبين تطوير أدواتها وشروط تطبيقها. فبعض ما تغير بعد أكتوبر يمكن النظر إليه بوصفه عودة إلى مبادئ كانت أكثر حضورا قبل 1967، بعد أن أثبتت الحرب حدود التعديلات التي أدخلت في أعقاب ذلك العام. فالتعويل الكبير على العمق الجغرافي، والاعتقاد بإمكان استيعاب الضربة الأولى، والثقة المفرطة في قدرة الردع على منع الحرب، تعرضت جميعها للمراجعة؛ لكن إسرائيل لم تتخل عن الردع أو التفوق أو المبادأة، بل سعت إلى إعادة بناء الشروط التي تجعل هذه المبادئ أكثر فاعلية.
ولهذا فإن التغير في السياسة الدفاعية كان في جوانب كثيرة أكبر من التغير في جوهر السياسة العسكرية؛ حيث توسعت القوات، وارتفعت معدلات التسليح، وطورت منظومات الإنذار والسيطرة، وتعززت العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، لكن الغايات الأساسية ظلت مستقرة إلى حد بعيد. بعبارة أخرى، تغيرت الوسائل بدرجة كبيرة، بينما بقيت الأهداف الاستراتيجية الأساسية أكثر ثباتا.
ختاما،،
تكشف دراسة تأثير حرب أكتوبر 1973 على مراجعة السياسة العسكرية الإسرائيلية أن الحرب لم تؤد إلى ‏قطيعة مع المرتكزات الأساسية التي قامت عليها هذه السياسة، بقدر ما كشفت عن الفجوة بين امتلاك القوة ‏العسكرية وبين القدرة على تحويلها إلى قدرة قتالية فعالة في ظروف الحرب الفعلية. وهو ما يبرز مفارقة ‏أساسية في مسار السياسة العسكرية الإسرائيلية بعد حرب أكتوبر 1973، تتمثل في أن اتساع الاستثمار في ‏القوة لم يكن مصحوبًا بالضرورة بتحول مماثل في الطريقة التي تدار بها الحرب. فقد كانت إسرائيل أسرع في ‏زيادة حجم القوات وتحديث التسليح وتطوير منظومات الإنذار والاستطلاع والقيادة والسيطرة من إعادة صياغة ‏بعض الافتراضات العملياتية التي حكمت استخدام هذه القدرات. ومن ثم، فإن عملية المراجعة التي تمت بعد ‏حرب أكتوبر كانت عملية تراكمية أعادت من خلالها إسرائيل اختبار العلاقة بين العقيدة وبناء القوة والجاهزية ‏والاستخدام العملياتي. ‏
ولذلك كانت القيمة الحقيقية لمراجعة ما بعد 1973 لا تكمن في أنها أنتجت تغيرات جوهرية في السياسة ‏العسكرية الإسرائيلية، وإنما في أنها كشفت الفجوة بين امتلاك القوة والقدرة على تحويلها إلى قوة قتالية فعالة‎.‎‏ ‏ولذلك يمكن النظر إلى حرب أكتوبر 1973 باعتبارها نقطة تحول في ‏شروط ممارسة السياسة العسكرية أكثر منها نقطة تحول في غاياتها ومرتكزاتها الأساسية؛ فقد تغيرت الأدوات ‏بدرجة كبيرة، وتوسعت الموارد والقدرات، وتطورت آليات الاستجابة، بينما استمرت الغاية المركزية المتمثلة في ‏الحفاظ على التفوق العسكري والقدرة على الردع ومنع الخصوم من فرض نتائج استراتيجية بالقوة‎.‎
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق