المركز المصري للفكر والدراسات ينشر دراسة حول خطة إعادة التسلح الأكبر في التاريخ المعاصر.. كيف أعادت القوات المسلحة المصرية بناء نفسها عقب نكسة 1967؟

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 11:36 ص
المركز المصري للفكر والدراسات ينشر دراسة حول خطة إعادة التسلح الأكبر في التاريخ المعاصر.. كيف أعادت القوات المسلحة المصرية بناء نفسها عقب نكسة 1967؟

نشر المركز المصري للفكر والدراسات دراسة تسلط الضوء على خطة إعادة التسلح الأكبر في التاريخ المعاصر، وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية عقب نكسة 1967.
 
وأكد المركز "على ضوء القرار المصري الحاسم، ببدء العمل على كافة المستويات "لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي"، وتحرير كافة الأراضي المصرية المحتلة. دخلت القيادة السياسية والعسكرية المصرية عقب نكسة 1967، في خضم جهد مضني للعمل على إعادة تجهيز وحدات الجيش المصري المختلفة، لتحقيق هذا الهدف، وهو جهد كان يسير قدماً وسط ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة، وطبقاً لمحددات أساسية ترتبط بضرورة ان تسير جهود إعادة التجهيز هذه، جنباً إلى جنب  مع جهود الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية – خاصة على المستوى الاقتصادي – وفي نفس الوقت مواجهة الخروقات الإسرائيلية على المستوى الميداني".
 
وحقيقة الأمر ان هذه الجهود مثلت تطبيقاً مثالياً لنظرية "الاستراتيجية العليا" التي وردت في كتاب "الإستراتيجية" للمؤرخ العسكري البريطاني الأشهر "ليدل هارت"، ومفادها ان الدور الأساسي للاستراتيجية العليا، يتمثل في "تنسيق وتوجيه كل موارد الأمة، أو مجموعة من الأمم، نحو تحقيق الهدف السياسي للحرب"، بحيث يتم تطوّير الموارد الاقتصادية والقوى البشرية للأمة، من أجل دعم القوات المقاتلة، بحيث يتم تنظيم توزيع القوة بين الأفرع العسكرية المختلفة، وبين الخدمات العسكرية والقطاع الصناعي، ما ينعكس أيجاباً على الروح المعنوية والإرادة الشعبية. بمعنى أخر ضرورة ان تتجاوز الجهود المبذولة في وقت الحرب، إطار الهدف الضيق للعمليات العسكرية، لتشمل المراعاة الكاملة للظروف والأهداف المرجوة من مرحلة ما بعد الحرب.
 
- الموقف العام عقب النكسة مباشرة:
شكّل تعيين الفريق أول محمد فوزي قائدًا عامًا للقوات المسلحة، خلفًا للمشير عبد الحكيم عامر، أولى خطوات إعادة بناء الهيكل القيادي في الجيش المصري عقب نكسة 1967. وشملت التعيينات الجديدة الفريق عبد المنعم رياض رئيسًا لهيئة الأركان، والفريق طيار مذكور أبو العز قائدًا للقوات الجوية، والفريق صلاح محسن مساعدًا لشؤون التدريب. وفي لقاء عقده فوزي مع الرئيس جمال عبد الناصر في الحادي عشر من يونيو 1967، قُدّرت خسائر التسليح بنحو خمسة وثمانين في المائة في القوات البرية والجوية والدفاع الجوي، في حين نجت البحرية نسبيًا. وبدأت عمليات التعويض فورًا بوصول نحو مائتي طائرة مقاتلة، منها أربعون قدمتها الجزائر والباقي من الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى إحدى وخمسين قاذفة من طراز سوخوي-7.
على مستوى التشكيلات المصرية، أصدر الفريق فوزي نداءات لعناصر القوات المسلحة الذين عادوا من سيناء، للبدء في إعادة التجميع في مناطق محددة، بهدف إعادة هيكلة الفرق القتالية الرئيسية، وهي فرق المشاة 2 و3 و6، والفرقة الرابعة المدرعة، بهدف أساس وهو إنشاء خط دفاعي بشكل عاجل غرب القناة، كخطوة اول ضمن مسار طويل حدده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يقتضي الانتهاء من إعداد القوات المسلحة لمعركة تحرير الأراضي المحتلة، بمدي زمني لا يزيد عن ٣ سنوات، للحيلولة دون قيام إسرائيل بإجراءات تمس بهوية سيناء وديموجرافيتها، بالشكل الذي يؤثر على مستقبلها كأرض مصرية.
- تجهيز الأرضية المشتركة للتعاون التسليحي مع موسكو:
كان الاتحاد السوفيتي البوابة الأساسية للتسلح المصري في تلك المرحلة. وبدأ في التاسع من يونيو 1967 جسر جوي وبحري شمل خمسمائة وخمسين رحلة جوية ومائة وخمسين رحلة بحرية نقلت ثمانية وأربعين ألف طن من المعدات. وعُقدت بين عامي 1967 و1970 خمسة لقاءات قمة رسّخت التعاون، بدأت باستجابة سريعة لطلبات مصر شملت أربعين طائرة ميج-21 وألفًا ومائتي مستشار، ثم صفقة بقيمة مائتي مليون دولار وزيادة عدد المستشارين، فتعهدات بتدريب الطيارين وإرسال صواريخ سام-3، ثم أكبر صفقة حتى ذلك الحين وتضمنت اثنتين وثلاثين كتيبة سام-3 وخمسًا وثمانين طائرة ميج-21 وخمسين قاذفة سوخوي-9، وانتهت باتفاق على أجهزة حرب إلكترونية ولواء سام-6 وطائرات ميج-25 وفرقاطات ومعدات عبور. وامتد التعاون إلى يوغسلافيا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، ثم أُبرمت صفقات لاحقة في عهدي الفريق محمد أحمد صادق والفريق أحمد إسماعيل علي شملت دبابات تي-62 وناقلات بي إم بي-1 وصواريخ سكود وسام-6 وطائرات سوخوي وميج-23.
 - إعادة ترتيب الهيكل القيادي والإداري للقوات المسلحة المصرية:
ارتكزت الاستراتيجية المصرية في هذا الصدد، على أربع مهام متوازية: ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، ورفع القدرة القتالية بمعدلات تقييم دورية، ووضع خطط التحرير، وإعداد مسرح العمليات والجبهة الداخلية. وصدر قانون رقم 4 لسنة 1968 كأول تشريع ملزم ينظم شؤون الدفاع والقيادة والسيطرة، مؤكدًا صلاحيات رئيس الجمهورية قائدًا أعلى، ومانعًا للازدواجية، ومرسيًا مبدأ القرارات الجماعية. ووُحّدت قمة القيادة العامة بإلغاء مكتبي القيادة العليا ورئيس الأركان، ودُفعت أعداد كبيرة من ضباط أركان الحرب إلى الهيئات، وحُددت مسؤوليات قادة الأفرع وهيئات العمليات والتنظيم والتسليح والتدريب والتفتيش والإمداد والشؤون الفنية والمالية.
تحملت إدارة المهندسين العسكريين العبء الأكبر في إعداد مسرح العمليات. فصممت للقوات الجوية «الدشمة المصرية» المقاومة لقنبلة وزنها خمسمائة رطل، وأنشئ أكثر من خمسمائة دشمة مع تحصينات تحت الأرض وممرات جديدة ومخازن محصنة. أما الدفاع الجوي فقد جُهزت مواقعه في شهر واحد فقط بنظام عمل ثلاثي الدورات، مع إنشاء ثلاثمائة ملجأ أسمنتي ومائة وخمسين دشمة أصلية ومثلها تبادلية، إضافة إلى مواقع خداعية. وعلى خط الجبهة مُدت خطوط مواسير مياه جديدة، وحُوّلت أنابيب بترول إلى مسارات مياه، وأُعيد تشغيل السكك الحديدية، وأُقيمت مخازن استراتيجية وجسور وكابل محوري للاتصالات، إلى جانب ثمانين وحدة جسور ومعديات للعبور، مع تطوير مضخات دفع المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي. 
 
 
- تجهيز العنصر البشري في المنظومة العسكرية المصرية:
 
شهد منتصف عام 1969 تحولًا تدريجيًا لصالح مصر مع استقرار الجيش الإسرائيلي في مواقعه وبدء خسائره اليومية، في حين دعمت ثورتا السودان وليبيا العمق الاستراتيجي المصري. ونُقلت مراكز تدريب وكليات إلى الصعيد والسودان وليبيا، وانتشرت القطع البحرية غير المشاركة في موانئ ليبية وسودانية. وأُدخل تعديل جذري على نظام التجنيد برفع نسبة خريجي الجامعات والمؤهلات العليا إلى ما بين خمسة وستين وسبعين في المائة من المجندين، مقابل نحو ثلاثة في المائة سابقًا، فأحدث ذلك نقلة نوعية في تشغيل المنظومات المعقدة. ومُنح التدريب أولوية قصوى تحت إشراف ميداني مباشر، مع ضرب النار الحي في نطاق الجبهة، ومضاعفة استهلاك الذخيرة والوقود أكثر من عشرين مرة، ومضاعفة ساعات الطيران والإبحار ثلاث مرات. وأصبح عبور القناة تدريبًا إلزاميًا متكررًا أطلق عليه الجنود «طابور العبور»، حتى جرى تنفيذه معصوب الأعين، وارتفعت المشروعات العملية إلى نحو أربعمائة مشروع سنويًا على مستوى الفرقة. ورُفعت طاقة تخريج الطيارين إلى ما بين ثلاثمائة وأربعمائة طيار سنويًا، وأُنشئت مراكز تدريب إضافية للدفاع الجوي والبحرية، وشُكل الجيش الشعبي منتصف عام 1968 من أهالي المناطق لحماية نحو أربعة آلاف هدف حيوي.
وقد تجنبت الوحدات المدرعة المصرية – في تدريباتها للتجهيز لحرب أكتوبر – التركيز على تكتيكات المواجهة المباشرة "دبابة ضد دبابة"، وبدلاً من ذلك تم العمل على تخصيص الدبابات المصرية لتعمل كمدفعية مضادة للدبابات مرتبطة بالأرض. وسُلحت قوات المشاة بصواريخ مالوتيكا بمدى أربعة آلاف متر، وبمدافع عديمة الارتداد وقاذف آر بي جي-7، وطُورت استراتيجية «كمائن اصطياد الدبابات» بدفع فرق مشاة مسلحة بهذه الصواريخ إلى أجناب تقدم الدروع الإسرائيلية. كما أظهرت إدارة البحوث العسكرية، ابتكارات محلية شملت تعديل الطائرات لزيادة المدى والحمولة وتطوير معدات العبور.
 
- إعادة بناء الدفاع الجوي المصري:
 
مواقع تقريبية لانتشار الدفاعات الجوية المصرية بتاريخ 5 أكتوبر-1973
تأسست قوات الدفاع الجوي كقوة رابعة مستقلة في الثالث والعشرين من يونيو 1969 بقيادة اللواء أركان حرب محمد علي فهمي، بعد أن كانت جزءًا من المدفعية ودُمرت بنسبة خمسة وثمانين في المائة. وحددت الاستراتيجية الجديدة هدف «حرمان العدو من التفوق الجوي» عبر شبكة قادرة على التعامل مع الأهداف متعددة الاتجاهات والمنخفضة، والتكيف مع التشويش الإلكتروني، بدعم راداري متكامل، وموازنة الكم والنوع، وتحصينات وتمويه ومناورة، ومركز قيادة مستمر، ودعم لوجستي سريع، وتدريب عالٍ.
ومع بداية عام 1973 وصلت شبكة حائط الصواريخ المصرية إلى صورتها النهائية بـ38 كتيبة في خطوط متداخلة ومتكاملة من منظومات سام-2 العادية والمعدلة وسام-3، لتغطية كامل الجيشين الثاني والثالث من بحيرة المنزلة حتى جبل عتاقة، مع تدعيم الأجناب بمنظومات سام-7 الكتفية لتفادي الهجمات المنخفضة. شملت الأنظمة سام-2 للارتفاعات العالية (3-22 كم)، وسام-3 للمتوسط والمنخفض، وسام-6 المتحرك لمرافقة القوات البرية، وسام-7 الكتفي، بالإضافة إلى مدفعية الشيلكا، مع الاعتماد على شبكات متكاملة لتعويض ضعف الاشتباك مع أكثر من هدف في وقت واحد.
وتُعد عملية بناء الدفاع الجوي تجسيداً للعبقرية المصرية، إذ جرى البناء التدريجي للشبكة الفعالة بالتوازي مع استمرار المعارك ضد سلاح الجو الإسرائيلي المتفوق. اعتمدت الاستراتيجية على دراسة مستمرة لأساليب الخصم وتحديد نقاط ضعفه، والتكامل بين المنظومات، والمرونة والحركة مع الخداع والتمويه وتغيير المواقع، والتكيف مع الأسلحة الجديدة والتشويش الإلكتروني، وأخيراً التدريب المكثف للكوادر البشرية، مما مكن الدفاع الجوي من إفشال كل محاولات إحباط البناء والمساهمة في النصر.
- إعادة بناء القوات الجوية المصرية:
خسرت القوات الجوية المصرية، نحو خمسة وثمانين في المائة من قوتها الضاربة في الخامس من يونيو 1967، فبدأت فورًا إصلاح المطارات، وشرعت القيادة السياسية المصرية بتقديم طلب مباشر إلى الاتحاد السوفيتي لتعويض خسائر الطائرات، فوافق السوفييت وبدأوا عملية "القوقاز" بجسر جوي ضخم قوامه 200 طائرة شحن أنتونوف-12 لنقل مقاتلات تُركَّب في مصر. غير أنهم رفضوا إمداد مصر بأي قاذفات قنابل متوسطة أو بعيدة المدى، واكتفوا بالمقاتلات الاعتراضية والمستشارين، ثم أرسلوا ستة أسراب ميغ-21 بطياريها الروس إلى جانب طائرات استطلاع متنوعة.
أما قيادة سلاح الجو المصري فقد حددت أربعة أهداف رئيسية: استعادة الروح المعنوية سريعاً عبر هجمات مبكرة على مواقع العدو شرق القناة أسقطت ثلاث مقاتلات إسرائيلية، وتطوير أساليب الانتشار الدفاعي بساعات عمل طويلة ثم مظلات تبادلية بين القواعد لتمكين التدريب القتالي، وتعديل التكتيكات نحو هجمات خاطفة منخفضة الارتفاع بأقل من 30 متراً مع تعدد الاتجاهات ومهاجمة الرادارات، وأخيراً تطويع المعدات مثل تركيب كاميرات إنجليزية أدق على السوخوي-7 وزيادة حمولة الذخائر من الصواريخ حرة التوجيه والقنابل الجوية.
- القوات البحرية المصرية وتعديل المقاربة الأستراتيجية:
تضمنت خطة إعادة تنظيم القوات المسلحة بعد 1967 تعديلات محدودة لكنها جوهرية على القوات البحرية، نظراً لعدم تعرضها لخسائر كبيرة مقارنة بالقوات الأخرى. شملت هذه التعديلات نقل تبعية قيادة ووحدات المدفعية الساحلية من إدارة مدفعية الميدان إلى قيادة القوات البحرية، لتوحيد المهام وجعلها فرعاً أساسياً مكملاً لواجبات البحرية، مع تولي القيادة وضع خطط التدريب وتطوير الأسلحة والمعدات ومشاركتها في العمليات المشتركة. ولعلاج النقص في أجهزة الاستطلاع البحري والكشف الراداري والأسلحة المضادة للطائرات، جرى تعديل عقود سوفيتية سابقة بقيمة نحو 50 مليون جنيه كانت مخصصة لتوريد قطع جديدة، وتوجيهها لتوفير الأجهزة والمساعدات اللازمة لرفع كفاءة القطع الموجودة دون زيادة عددها.
على المستوى التسليحي، عانت البحرية المصرية في المرحلة السابقة لعام 1967، من عدم توازن في عناصر القتال، حيث غلبت المدمرات والفرقاطات المتنوعة المنشأ، مع كثرة الغواصات الشرقية المحدودة القدرات، وغياب الزوارق السريعة المسلحة بالمدفعية، والاعتماد على عدد محدود من زوارق الطوربيد وكاسحات الألغام. ونظراً لأن التطوير الشامل كان يتطلب وقتاً يتجاوز فترة الاستعداد لمعركة التحرير، تركز الجهد على رفع الكفاءة القتالية للأفراد وصيانة وتطوير المعدات القائمة، مدعوماً بالمساعدات الفنية والتدريبية للمجموعة البحرية السوفيتية الخامسة في المتوسط، وإنشاء حوض جاف بميناء الإسكندرية، واستقدام أطقم إصلاح متخصصة، مما أسهم بشكل حاسم في رفع جاهزية القطع البحرية.
 
في الختام، يمكن القول ان يمكن القول إن الفترة الممتدة من يونيو 1967 إلى أكتوبر 1973 مثلت واحدة من أكثر عمليات إعادة بناء القوة العسكرية شمولاً في التاريخ العسكري المصري الحديث. فقد انتقلت القوات المسلحة خلال ست سنوات من حالة اتسمت بالخسائر الواسعة واختلال القيادة ونقص المعدات والقصور في الدفاع الجوي إلى مؤسسة عسكرية أعادت بناء هياكلها القيادية، وطورت منظومات تسليحها، ورفعت مستوى تدريبها، وأعادت تنظيم مواردها البشرية، وأعدت مسرح عملياتها، وطورت قدرتها على العمل المشترك بين الأفرع والأسلحة.
وقد أظهرت الخطة المصرية لإعادة التسلح بعد نكسة 1967، أن قيمة منظومة التسليح لا تتحدد فقط بخصائصها الفنية الأصلية، وإنما بقدرة المستخدم على فهمها وتكييفها مع متطلبات المعركة.  كما انه لا يمكن الاعتماد بشكل حصري على المعدات الحديثة لتغيير القدرة القتالية، ولذلك كانت التوجهات المصرية لإعادة بناء العنصر البشري بالتوازي مع إعادة التسليح، حاسمة في تحقيق نتائج مبهرة عام 1973.  كذلك كشفت هذه التجربة أن إعادة بناء القيادة والسيطرة في حالات الهزيمة العسكرية، يجب ان تكون موازية لإعادة بناء القوة النارية. فإزالة ازدواجية القيادة، وتحديد المسؤوليات، وتنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، ودمج الأفرع في هيئات القيادة العامة، كلها إجراءات هدفت إلى ضمان أن تصل الموارد الجديدة إلى الوحدات وأن تُستخدم بصورة متكاملة. وبالتالي، فإن القوة العسكرية لا تنتج من السلاح وحده، وإنما من المؤسسة القادرة على إدارة السلاح. 
كذلك تميزت المرحلة السابقة لحرب أكتوبر بإعادة تعريف وظيفة التدريب، فلم يعد الهدف مجرد إكساب الفرد مهارة استخدام السلاح، وإنما بناء القدرة على تنفيذ المهمة في الظروف التي يُتوقع أن تجري فيها الحرب. لذلك تكررت تدريبات العبور، والمناورات المشتركة، وضرب النار، ومحاكاة خطط الحرب، والتدريب على مسرح مشابه لمسرح العمليات. وهذه النقلة أسهمت في تقليص الفجوة بين التدريب والقتال الحقيقي. يضاف إلى ذلك تمكن القيادة المصرية من تحويل دروس الهجمات الإسرائيلية المتتالية إلى عملية تطوير مستمرة لمنظومة الدفاع الجوي. فقد انتقلت من الدفاع الخطي إلى الدفاع المتداخل، ومن الثبات إلى الحركة، ومن الاعتماد على منظومة منفردة إلى التكامل بين الصواريخ والمدفعية والرادارات والتمويه والخداع. وبذلك أصبح الدفاع الجوي نموذجاً واضحاً لقدرة المؤسسة العسكرية على التعلم من الخصم وتعديل العقيدة أثناء استمرار الصراع. 
والأهم من ذلك أن التجربة لم تقم على افتراض إمكانية إزالة التفوق الإسرائيلي بمجرد امتلاك معدات مماثلة، وإنما على إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية المصرية. فقد أصبح التفوق المطلوب تفوقاً في القدرة على توظيف الموارد المتاحة، واستيعاب التكنولوجيا، وتكييفها، والتعلم من الخصم، وإدارة المعركة ضمن إطار عملياتي محدد. ولذلك تحولت نقاط الضعف التي كشفتها حرب 1967 إلى برامج لإعادة البناء، وتحولت الخبرة القتالية لحرب الاستنزاف إلى مصدر مستمر للتعلم والتطوير. 
وعليه، فإن الدرس الاستراتيجي الأوسع الذي يمكن استخلاصه من تجربة مصر بين 1967 و1973 يتمثل في أن إعادة بناء القوة العسكرية بعد الهزيمة لا تتحقق بإعادة إنتاج الجيش الذي خسر الحرب، وإنما ببناء جيش يتعلم من أسباب الهزيمة ويغير تنظيمه وعقيدته وتدريبه وتسليحه وأساليب استخدامه للقوة. وهذا تحديداً هو ما أعطى لعملية إعادة البناء المصرية معناها الاستراتيجي؛ إذ لم تكن مجرد استعادة لما فقدته القوات المسلحة في يونيو 1967، بل كانت عملية تحول مؤسسي وعقائدي وعملياتي هيأت المؤسسة العسكرية لخوض حرب مختلفة في أكتوبر 1973.
وأخيراً، فإن تجربة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية تؤكد أن الزمن نفسه يمكن أن يتحول إلى مورد استراتيجي إذا جرى توظيفه في التعلم والتدريب والإعداد المتدرج. فقد استُثمرت السنوات الست في إعادة تنظيم المؤسسة، وتعويض المعدات، وبناء الدفاع الجوي، وإعداد الطيارين، وتدريب القوات البرية، وتطوير وسائل العبور، وتحسين القيادة والسيطرة، واختبار التكتيكات في ظروف حرب الاستنزاف. وبذلك لم يكن انتصار أكتوبر نتاج قرار عسكري منفرد عشية الحرب، وإنما ثمرة مسار تراكمي طويل من التعلم المؤسسي وإعادة البناء والتكيف الاستراتيجي بدأ مباشرة بعد نكسة يونيو 1967. 
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق