الشرطة المصرية .. معركة الداخل المنسية
المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية يرصد الدور المنسي للشرطة في حرب الاستنزاف وأكتوبر (1967- 1973)
الإثنين، 05 أكتوبر 2026 10:20 م
ركزت كثير من الأدبيات التي تناولت نصر أكتوبر على صلابة الجبهة الداخلية خلال مرحلة العبور، وربطت ذلك بحالة الوعي المجتمعي التي سادت مصر في تلك الفترة، حتى ذهبت بعض الروايات، دون سند رقمي أو رسمي، إلى القول إنه «لم تسجل حالة سرقة واحدة» مع اندلاع الحرب.
ورغم أن الأرقام والبيانات الرسمية تؤكد في مجملها تراجع معدلات الجريمة خلال تلك المرحلة، فإن هذا التركيز قلل من إبراز الدور الذي اضطلعت به الشرطة المصرية في الحفاظ على الأمن العام خلال سنوات الإعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973.
وتتناول دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بعنوان «الشرطة المصرية 1967-1973: معركة الداخل المنسية» هذا الدور، موضحة أن الشرطة واجهت تداعيات هزيمة 1967، وحافظت على الأمن العام، وتجنبت الانخراط في الصراعات السياسية، وتعاملت مع الاحتجاجات والجرائم والاضطرابات، بالتوازي مع مساهمتها في إعداد الجبهة الداخلية للحرب.
وتكشف الدراسة أن هذا الدور لم يكن منفصلاً عن المجهود الحربي، إذ ساهم الحفاظ على الأمن الداخلي في حماية موارد الدولة المحدودة من الاستنزاف، في وقت كانت مصر بحاجة إلى توجيه أكبر قدر ممكن من مواردها نحو تقوية وتسليح القوات المسلحة استعداداً لاستعادة الأراضي المحتلة.
أرقام تكشف حجم المهمة
تشير الدراسة، استناداً إلى التقرير السنوي لعام 1973 الصادر عن مصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية في عام 1974، إلى أن معدلات الجرائم الجنائية شهدت تراجعاً مستقراً بمتوسط سنوي بلغ 4% خلال الفترة من 1967 حتى 1973.
وفي عام 1973، سجلت التقارير الرسمية 3185 جناية، شملت جرائم القتل والضرب المفضي إلى الموت والسرقة والاختلاس والرشوة والتزوير والحرائق العمد والخطف وغيرها.
وتوضح بيانات عام الحرب أن أعداد الجنايات خلال الأشهر المختلفة كانت متقاربة إلى حد كبير، بما في ذلك شهر أكتوبر، ولم تشهد قفزة استثنائية مع اندلاع الحرب. كما سجل الربع الأخير من العام تراجعاً تدريجياً في أعداد الجنايات، وهو ما تعزوه الدراسة إلى تشديد الإجراءات الأمنية تحسباً لأي طارئ داخلي بالتزامن مع العمليات العسكرية.
ولم تتوقف مهمة الشرطة عند الجنايات؛ إذ تعاملت خلال العام نفسه مع أكثر من مليون جنحة، بمتوسط يقارب 85 ألف جنحة شهرياً. ورغم ذلك، لم تتجاوز الزيادة مقارنة بعام 1972 نسبة 0.25%، بفارق بلغ 2573 جنحة فقط.
كما نجحت الشرطة خلال عام 1973 في ضبط نحو 3800 قطعة سلاح غير مرخص، ونحو 10 أطنان من المواد المخدرة، والتصدي لتهريب ما يعادل 480 ألف جنيه من العملات الأجنبية.
وسجلت قضايا التموين بدورها ارتفاعاً ملحوظاً في عام الحرب، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بتوجيه 13.52% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1967 و1973 للمجهود الحربي. وبلغ عدد القضايا التموينية المضبوطة خلال 1973 نحو 14 ألف قضية، بزيادة قدرها 33% مقارنة بعام 1972، في ظل انتشار محاولات التلاعب بالسلع الغذائية.
الاحتجاجات.. الشرطة في مواجهة الداخل
إلى جانب مكافحة الجريمة، اضطلعت الشرطة بدورين رئيسيين خلال سنوات الإعداد للحرب؛ أولهما التعامل مع التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، والثاني تدريب المدنيين على أعمال الدفاع المدني والحماية والإنقاذ في المحافظات والمواقع الحيوية.
وبدأت موجة الاحتجاجات الشعبية الواسعة عقب إعلان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التنحي في أعقاب هزيمة يونيو 1967، عندما خرجت مئات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة باستمراره في السلطة، ثم تحولت الحياة العامة تدريجياً إلى حالة تعبئة استعداداً للمعركة واستعادة الأراضي المحتلة.
وتشير الدراسة إلى أن التحركات الشعبية خلال هذه المرحلة كانت في معظمها تحت الرقابة، مع حضور واضح للتنظيم الطليعي، وهو ما ساهم في الحد من اندفاعات احتجاجية قد تؤثر على استقرار الداخل في وقت كانت فيه الدولة تعيد بناء قدراتها العسكرية.
لكن المشهد تغير خلال عهد الرئيس أنور السادات، مع تكرار الوعود بخوض الحرب واستعادة الأرض، وتصاعد حالة التململ بين قطاعات مختلفة من المجتمع، خصوصاً الطلاب والعمال وبعض الفئات العاملة في الاقتصاد غير الرسمي وأصحاب المهن المهمشة.
وشهدت الفترة بين عامي 1970 و1973 احتجاجات واعتصامات ومواجهات متعددة، كان من أبرزها أحداث ديسمبر 1972 ويناير 1973 التي بدأت من جامعتي القاهرة وعين شمس وانتقلت إلى الشارع، وانضم إليها آلاف المواطنين، كما شارك فيها باعة جائلون في محيط ميدان العتبة على خلفية خلافات مع شرطة المرافق.
وفي تقييمها لهذه المرحلة، تشير الدراسة إلى أن الاحتجاجات لم تكن كلها عفوية أو مرتبطة بالمطالب الاجتماعية، إذ رصدت ممارسات هدفت إلى توتير الداخل، إلى جانب تجاوزات محدودة من بعض العناصر الشرطية تجاه مواطنين، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى أعمال شغب وإتلاف ممتلكات شرطية ومرافق عامة.
الدفاع المدني.. تسليح الجبهة الداخلية بالمدنيين
لم تقتصر استعدادات الدولة على القوات المسلحة، إذ أقرت الحكومة المصرية في أواخر أكتوبر 1968 تشكيل منظمات الدفاع الشعبي المحلية في مختلف المحافظات، بهدف دعم الخطوط الخلفية للجبهة وتأمين المنشآت الحيوية.
وانقسمت مهام هذه المنظمات بين الحراسة والدفاع المدني؛ فتولت وزارة الحربية تدريب جماعات الحراسة المسلحة، بينما تولت وزارة الداخلية تدريب المتطوعين وطلاب الجامعات على أعمال الحماية المدنية، والتعامل مع آثار الغارات الجوية والحرائق والكوارث.
وتوضح الدراسة أن تقارير صحفية من تلك الفترة سجلت مشاركة المواطنين في عمليات الإنقاذ وإخماد الحرائق قبل وصول قوات الحماية المدنية في بعض الحالات، بما عزز من فكرة التضافر المجتمعي في مواجهة آثار الحرب داخل المدن والتجمعات الحضرية.
الشرطة تُقاتل على الجبهة وفي العمق
لم يقتصر حضور الشرطة على حماية الجبهة الداخلية، إذ دفعت هي الأخرى ثمناً بشرياً خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
وتذكر السجلات الرسمية حالات استشهاد لجنود حراسة في صعيد مصر نتيجة الغارات الجوية على أهداف مدنية، إلى جانب استشهاد رجال إطفاء أثناء التعامل مع آثار القصف في مدن القناة ومنطقة الزيتيات.
ومن أبرز هذه الوقائع حادثة 10 مارس 1969، التي أسفرت عن استشهاد 51 من قوات الإطفاء إثر انفجار صهريج مازوت أصابته القذائف، بعد فشل محاولات السيطرة على الحريق.
وخلال حرب أكتوبر، شاركت قوات الشرطة في دعم المجهود الحربي بصورة مباشرة، إذ تشير شهادات من تلك الفترة إلى مساهمتها في تأمين وتحريك الكتائب والألوية على الطرق المؤدية إلى منطقة القناة، بالتوازي مع استمرار العناصر الشرطية في أقسام ومراكز محافظات القناة الثلاث رغم تهجير السكان.
وكان استمرار وجود الشرطة في تلك المناطق بهدف حفظ الأمن وحماية ممتلكات المواطنين المهجرين، بما خفف العبء عن القوات المسلحة، كما استخدمت شبكات الاتصالات الشرطية في التواصل مع القيادات في القاهرة خلال محاولات العدو التأثير على منظومة الاتصالات العسكرية.
ويبرز هنا دور قوات الاحتياطي المركزي، التي عُرفت لاحقاً باسم الأمن المركزي، في مواجهة القوات الإسرائيلية التي حاولت التقدم إلى ما وراء خطوط وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر 1973.
وتشير الدراسة إلى تحرك قوة قوامها 1000 ضابط وجندي شرطة لحماية الإسماعيلية، مزودة ببنادق آلية وهاونات عيار 60 مم وقنابل يدوية وزجاجات مولوتوف وقنابل مضادة للدبابات.
وكانت هذه القوات قد خضعت قبل الحرب لتدريبات شملت الإغارة، ونصب الكمائن، وتمييز طائرات العدو، ومواجهة القوات الهابطة بالمظلات، وتنفيذ الدوريات الجبلية والصحراوية، بما أتاح لها أداء مهام تتجاوز الوظائف الشرطية التقليدية.
83شهيداً من الشرطة في 1973
تكشف الأرقام الرسمية حجم الخسائر البشرية التي تعرضت لها الشرطة خلال عام الحرب؛ إذ فقدت في عام 1973 نحو 83 شهيداً، استشهد 42 منهم في محافظات القناة الثلاث نتيجة العمليات الحربية.
وسجلت بورسعيد العدد الأكبر من الشهداء بين محافظات القناة، بواقع 27 حالة، نتيجة القصف الجوي والمدفعي الذي طال مناطق مختلفة من بورسعيد وبورفؤاد، بينما استشهد 11 من رجال الشرطة في السويس، وبلغ عدد الشهداء في الإسماعيلية 4 حالات.
تقليص القوة.. وارتفاع الكفاءة
تعتبر الدراسة أن حجم هذه المهام يصبح أكثر دلالة بالنظر إلى أن أعداد القوة الشرطية نفسها انخفضت بنسبة 15% بين عامي 1972 و1973؛ إذ تراجع عدد أفراد الحراسة إلى أقل من 102 ألف فرد في عام 1973، مقابل أكثر من 118 ألفاً في العام السابق.
وتربط الدراسة بين قدرة الشرطة على أداء هذه المهام وبين مسار طويل من التطوير المؤسسي والتشريعي والتنظيمي والتدريبي، الذي استهدف رفع كفاءة الجهاز الشرطي وتحسين قدرته على التعامل مع أعباء العمل الأمني في الظروف الاستثنائية.
التطوير التشريعي
شهدت الفترة منذ ثورة يوليو 1952 وحتى حرب أكتوبر إصدار أربعة قوانين متتابعة لتنظيم هيئة الشرطة وشؤونها، بدأت بالقانون رقم 385 لسنة 1953، ثم القانون رقم 234 لسنة 1955، والقانون رقم 61 لسنة 1964، وصولاً إلى القانون رقم 109 لسنة 1971.
وركزت هذه التشريعات، إلى جانب القرارات الوزارية المكملة لها، على تطوير بيئة العمل الشرطي، والعنصر البشري، باعتباره أحد أهم مكونات الكفاءة الأمنية.
التطوير التنظيمي
شهد عام 1971، المرتبط بتولي اللواء ممدوح سالم وزارة الداخلية، مجموعة من التغييرات التنظيمية والإدارية، من بينها رفع عدد وكلاء الوزارة من ثلاثة إلى أربعة، وإنشاء قطاع لأفرع الشرطة المتخصصة، إلى جانب تأسيس الاحتياطي المركزي، وإنشاء جهاز للعلاقات الإنسانية، وتعديل مسميات بعض الأجهزة بما يتوافق مع التطورات التي نص عليها القانون رقم 109 لسنة 1971.
التطوير العملياتي والتدريب
ركز التطوير كذلك على رفع مستوى التدريب، في ظل اعتماد العمل الأمني خلال تلك المرحلة بصورة أساسية على العنصر البشري.
وأقر القانون رقم 234 لسنة 1955 اشتراط الإلمام بالقراءة والكتابة بالنسبة للمتطوعين للعمل بالشرطة، إلى جانب اشتراط تخرج ضباط الصف من مدرسة ضباط الصف.
كما أنشئت مصلحة تدريب الشرطة عام 1967، ثم معهد أمناء الشرطة عام 1969، قبل إنشاء معهد التدريب الراقي عام 1971، لتوفير تدريبات عامة وتخصصية للضباط والأفراد وفقاً لاحتياجات العمل.
النأي عن الصراعات السياسية
وتشير الدراسة إلى عامل آخر رأت أنه ساهم في الحفاظ على تماسك المؤسسة الشرطية، وهو تجنب الانخراط المباشر في الصراعات السياسية التي تصاعدت داخل الدولة خلال أواخر الستينات وأوائل السبعينات.
وتذكر بعض مذكرات رجال الدولة والشرطة في تلك الفترة وجود صراع بين أجنحة سياسية مختلفة سعت إلى توسيع نفوذها والاستحواذ على السلطة، مع محاولات لاستقطاب وزارة الداخلية وأجهزة الأمن إلى هذه الصراعات.
وتوضح الدراسة أن قيادات الشرطة أدركت مخاطر الانجرار إلى تلك المعارك، وفضلت الحفاظ على قدر من الحياد السياسي، باعتبار أن ت