«الشفرة النوبية».. لغة الأجداد تتحول إلى سلاح سري في حرب أكتوبر
الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 01:14 م
لم تكن معركة السادس من أكتوبر 1973 مواجهة بالسلاح فقط، فخلف المدافع والطائرات وعبر قناة السويس، دارت معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الحفاظ على سرية الاتصالات العسكرية.
وفي واحدة من أكثر القصص اللافتة المرتبطة بحرب أكتوبر، برزت اللغة النوبية كوسيلة للتواصل داخل الاتصالات العسكرية، بعدما جرى توظيف كلمات نوبية تحمل دلالات متفقًا عليها، بما يصعّب على من يعترض الاتصالات فهم مضمون الأوامر.
كيف بدأت فكرة «الشفرة النوبية»؟
ارتبطت القصة بالصول أحمد محمد أحمد إدريس، أحد أبناء قرية توماس وعافية النوبية، والذي خدم في سلاح الإشارة بالقوات المسلحة.
ومع تزايد الحاجة إلى تأمين الاتصالات العسكرية، في ظل محاولات الجانب الإسرائيلي التنصت على الإشارات والاتصالات، ظهرت فكرة الاستفادة من اللغة النوبية، باعتبارها لغة ذات خصوصية، ولا يعرفها على نطاق واسع خارج المجتمعات النوبية.
وبحسب الرواية المتداولة، طُرحت الفكرة على القيادات العسكرية، ثم جرى بحث إمكانية الاستعانة بأبناء النوبة ممن يجيدون اللغة، لتحويل بعض الكلمات إلى إشارات تحمل معاني عسكرية محددة.
كلمات نوبية بمعانٍ عسكرية
لم يكن الأمر مجرد استخدام اللغة النوبية في الحديث، وإنما جرى الاتفاق على دلالات عسكرية لبعض الكلمات، بحيث يعرف المرسل والمستقبل المقصود منها داخل منظومة الاتصالات.
ومن الكلمات التي ارتبطت بالقصة «أوسكو» للدلالة على التحرك، و**«أوشريا»** التي استخدمت للدلالة على أمر الضرب، و**«أولوم»** للدبابة.
كما ارتبطت كلمات أخرى بمعدات وآليات عسكرية، منها «اسلانجي» للعربات الحربية المجنزرة، و**«زندنابي»** للطائرة.
وهكذا كانت الكلمات تبدو طبيعية لمن لا يعرف اللغة النوبية، بينما تحمل في الاتصالات العسكرية معاني أخرى يفهمها الأشخاص الذين جرى تدريبهم على استخدامها.
لماذا كانت اللغة النوبية مهمة؟
تعود أهمية الفكرة، وفق الرواية المرتبطة بالقصة، إلى أن اللغة النوبية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على التوارث الشفهي، مع وجود فروع ولهجات متعددة، الأمر الذي جعل فهمها بالنسبة إلى غير الناطقين بها أكثر صعوبة.
وكان الهدف أن يتحدث الطرف المرسل باللغة النوبية، بينما يفهم الطرف المستقبل المعنى المقصود وفق المصطلحات المتفق عليها مسبقًا، لتظل الاتصالات بالنسبة إلى من يعترضها كلمات يصعب ربطها مباشرة بالأوامر العسكرية.
وبذلك تحولت لغة الأجداد، وفق الرواية، إلى وسيلة اتصال ذات طبيعة خاصة خلال واحدة من أهم المعارك في التاريخ المصري الحديث.
أحمد إدريس.. الاسم المرتبط بالشفرة النوبية
ارتبطت قصة استخدام اللغة النوبية في اتصالات حرب أكتوبر بصورة خاصة بالصول أحمد محمد أحمد إدريس، الذي خدم في القوات المسلحة لسنوات طويلة، وكان يجيد اللغة النوبية.
وتشير الرواية إلى أن خبرته العسكرية ومعرفته باللغة ساعدتا في طرح فكرة استخدامها داخل الاتصالات، قبل أن تنتقل من مجرد اقتراح إلى بحث إمكانية تطبيقها والاستعانة بأبناء النوبة الذين يجيدونها.
وظلت تفاصيل القصة بعيدة عن التداول لسنوات، قبل أن تظهر بصورة أكبر بعد مرور عقود على حرب أكتوبر.
من 1948 إلى أكتوبر 1973
ولا ترتبط فكرة الاستفادة من اللغة النوبية بالاتصالات العسكرية في أكتوبر فقط؛ إذ توجد روايات سابقة تحدثت عن استخدامها للتواصل بين الجنود المصريين خلال حرب فلسطين عام 1948، ومنها ما ارتبط بأحداث حصار الفالوجة.
وبين عامي 1948 و1973، ظلت اللغة النوبية تحمل خصوصية جعلتها محل اهتمام في المواقف التي تتطلب قدرًا كبيرًا من السرية.
تكريم صاحب «الشفرة النوبية»
ارتبط اسم أحمد إدريس لاحقًا بقصة الشفرة النوبية، وجرى تكريمه من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إحدى احتفالات ذكرى نصر أكتوبر.
وفي أسوان، حملت إحدى المدارس الرسمية للغات في نصر النوبة اسمه، ليظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال الجديدة.
كما ظهرت مطالب من أسرته وأبناء النوبة بإقامة تمثال له في أحد ميادين أسوان، تخليدًا لدوره المرتبط بقصة الشفرة النوبية خلال حرب أكتوبر.
لغة الأجداد في ذاكرة النصر
تتجاوز قصة «الشفرة النوبية» مجرد استخدام كلمات مختلفة في الاتصالات العسكرية، لتسلط الضوء على جانب من مشاركة أبناء النوبة في تاريخ العسكرية المصرية.
فأبناء النوبة كانوا جزءًا من صفوف القوات المسلحة، وحملوا معهم لغتهم وثقافتهم إلى ساحات القتال، لتتحول اللغة التي تناقلتها الأجيال داخل البيوت والقرى إلى عنصر ارتبط، وفق الرواية، بالحفاظ على سرية الاتصالات خلال حرب أكتوبر.
وتبقى حرب السادس من أكتوبر 1973، التي شهدت عبور القوات المسلحة المصرية قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، واحدة من أبرز محطات التاريخ المصري الحديث، بما تحمله من قصص وبطولات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية.