من متلقٍ للوعي إلى صانعه.. 36 ألف متطوع يقودون معركة الوقاية من المخدرات
الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 07:30 م
تخوض الدولة المصرية، ممثلة في صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي وبالتعاون مع الوزارات والجهات المعنية، مساراً متكاملاً لحماية الشباب من مخاطر تعاطي المواد المخدرة، لا يقتصر على التحذير من الإدمان، وإنما يمتد إلى بناء وعي قادر على الوقاية واتخاذ القرار، والاستفادة من الشباب أنفسهم في نقل رسائل التوعية إلى أقرانهم.
وينطلق هذا النهج من إدراك أن مخاطبة الشباب بلغة تقليدية لم تعد كافية في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لذلك اتجه الصندوق، تحت قيادة الدكتور عمرو عثمان، إلى تعزيز مشاركة الشباب في صناعة المحتوى التوعوي وتنفيذ البرامج الوقائية، ليصبح الشاب من متلقٍ للرسالة إلى شريك في إنتاجها ونقلها.
ويضم الصندوق رابطة للمتطوعين يتجاوز عدد أعضائها 36 ألف شاب وفتاة على مستوى محافظات الجمهورية، تحولت مشاركتهم إلى منظومة متكاملة لتنمية المهارات إلى جانب العمل التوعوي. ويتلقى المتطوعون تدريبات على التحدث أمام الجمهور، وقيادة الفرق، وإعداد المحتوى، واستخدام التكنولوجيا والفنون والمسرح والرياضة في تقديم رسائل الوقاية بأساليب تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة.
التوعية تبدأ من المدارس والجامعات
وفي إطار تنفيذ المحور الوقائي من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والحد من مخاطر التعاطي والإدمان، تتوسع أنشطة الصندوق داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمناطق المستهدفة، بهدف الوصول إلى الشباب في البيئات التي يتواجدون فيها بصورة يومية.
وتشهد «بيوت التطوع» التابعة للصندوق داخل عدد من الجامعات تفاعلاً من الطلاب مع الأنشطة التوعوية التي تستهدف التعريف بمخاطر التعاطي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، والإجابة عن تساؤلات الطلاب بشأن الإدمان، إلى جانب التعريف بآليات الحصول على الخدمات العلاجية المجانية والسرية من خلال الخط الساخن «16023».
ولا تقتصر أنشطة بيوت التطوع على تقديم المعلومات، بل تشمل برامج تدريبية وتفاعلية تتناول المعتقدات الخاطئة المرتبطة بالمخدرات، ومنها الاعتقاد بأنها تساعد على التركيز أو تنشط الذاكرة أو تزيد الثقة بالنفس والقدرة البدنية، إلى جانب التوعية بأهمية اختيار الأصدقاء والابتعاد عن السلوكيات التي قد تقود إلى التعاطي.
وامتدت مشاركة المتطوعين إلى تنفيذ برامج توعوية في أكثر من 15 ألف مدرسة، وأكثر من 50 جامعة حكومية وأهلية وخاصة، إضافة إلى المعاهد العليا، وأكثر من 1200 مركز شباب، و917 قرية ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، و10 مناطق مطورة بديلة للعشوائيات، من بينها الأسمرات وحدائق أكتوبر والمحروسة وبشاير الخير وروضة السيدة.
كما تشمل الأنشطة الميادين العامة والشواطئ في المحافظات الساحلية، إلى جانب الفئات الأكثر عرضة للتعاطي، مثل السائقين والحرفيين، مع حث مرضى الإدمان على طلب العلاج المجاني والسري من خلال الخط الساخن للصندوق.
«بيوت التطوع».. الوعي بأساليب تفاعلية
وتتنوع الأدوات المستخدمة في برامج التوعية بين الرسم والأنشطة الفنية والتعلم باللعب، بهدف تحويل الرسالة الوقائية من معلومات نظرية إلى تجربة تفاعلية.
ومن بين هذه الأنشطة «عجلة المعلومات»، التي تعتمد على طرح أسئلة وتصحيح مفاهيم مرتبطة بتأثيرات التدخين والمخدرات، إلى جانب أنشطة تستهدف الأطفال، مثل لعبة «المتاهة»، التي توظف التفكير وحل المشكلات في مناقشة موضوعات مثل اختيار الأصدقاء ومواجهة الأفكار المغلوطة بشأن التدخين والتعاطي.
كما ينفذ المتطوعون مبادرة «خدعوك فقالوا»، التي تستهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة حول المخدرات، إلى جانب أنشطة لتوعية الأسر بآليات الاكتشاف المبكر للتعاطي وسبل التعامل معه، وحث مرضى الإدمان على التقدم للعلاج من خلال مراكز العلاج التابعة للصندوق.
ويستهدف هذا النهج جعل المتطوع نفسه جزءاً من عملية الوقاية، بحيث ينقل الرسالة إلى زملائه وأسرته ومحيطه الاجتماعي، بدلاً من اقتصار التوعية على علاقة أحادية الاتجاه بين المحاضر والمتلقي.
من التوعية التقليدية إلى المحتوى المرئي
وفي إطار تطوير أدوات الوقاية، استعرض الدكتور عمرو عثمان أساليب «علم الوقاية» الحديثة، مع التركيز على توظيف المكون المرئي في التوعية بمخاطر تعاطي المواد المخدرة، خصوصاً بين طلاب المدارس.
ويتبنى الصندوق، وفق عثمان، منهجاً علمياً قائماً على الأدلة ومعايير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مع التمييز بين البرامج الوقائية التي تثبت فاعليتها وتلك التي لا تحقق النتائج المطلوبة.
ويرتكز البرنامج الجديد، المقرر تطبيقه خلال العام الدراسي 2026/2027، على الانتقال من الاتصال التقليدي القائم على المنشورات والمحاضرات إلى المحتوى الرقمي والمرئي الذي يجمع بين الصورة والفيديو والتفاعل، مع مراعاة اختلاف الفئات العمرية وطرق استهلاكها للمحتوى.
وأوضح عثمان أن المحتوى المرئي لا يُنظر إليه باعتباره مادة إعلامية فقط، وإنما أداة وقائية تستند إلى القصة والصورة والشخصيات والمواقف المستمدة من الحياة اليومية، بهدف الانتقال بالطالب من اكتساب المعلومة إلى بناء الوعي والقدرة على اتخاذ القرار.
وتبدأ عملية التأثير، وفق هذا التصور، من جذب الانتباه، ثم إثارة المشاعر وتعزيز التذكر وإعادة النظر في المعتقدات الخاطئة، وصولاً إلى التأثير في الاتجاهات ودعم السلوك الوقائي.
المتطوع «ميسر» وليس محاضراً
ويولي الصندوق أهمية لدور المتطوع في تنفيذ البرامج الجديدة، بحيث لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، وإنما يعمل باعتباره «ميسراً» للنقاش والتفاعل، من خلال العصف الذهني والأسئلة المفتوحة والتعلم النشط.
ويستهدف هذا الأسلوب توفير بيئة آمنة للحوار، وتصحيح المفاهيم الخاطئة في الوقت المناسب، والتركيز على الآثار السلبية للتعاطي دون إجراء مقارنات بين أنواع المواد المخدرة بما قد يثير الفضول لدى الفئات المستهدفة.
وأكد عثمان أن التوعية الفعالة ينبغي أن تكون موجهة إلى الفئة المستهدفة، وقائمة على التعليم التفاعلي، وينفذها كوادر وطنية مؤهلة، مع إخضاعها لقياس الأثر، مشيراً إلى أن المتطوعين يمثلون سفراء للصندوق في المدارس والجامعات ومراكز الشباب وقرى «حياة كريمة» والمناطق المطورة.
التوسع في «حياة كريمة» والمناطق المطورة
ولا تتوقف جهود الصندوق عند المؤسسات التعليمية، إذ تشمل خططه التوسع في قرى المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» والمناطق المطورة بديلة العشوائيات ومراكز الشباب، لضمان وصول رسائل الوقاية إلى شرائح وفئات عمرية مختلفة.
ويتزامن ذلك مع توفير الخدمات العلاجية المجانية والسرية لمرضى الإدمان من خلال الخط الساخن «16023»، بما يربط بين مساري الوقاية والعلاج.
ويؤكد هذا المسار أن مواجهة الإدمان لا تعتمد على التوعية وحدها، وإنما على منظومة متكاملة تبدأ ببناء المعرفة وتصحيح المفاهيم، وتمر بتعزيز مهارات اتخاذ القرار، وتنتهي بإتاحة مسارات واضحة وآمنة للحصول على العلاج عند الحاجة.
الأسرة جزء من منظومة الوقاية
ويؤكد الدكتور عمرو عثمان أن الصندوق يعمل باعتباره الآلية الوطنية المصرية لخفض الطلب على المخدرات، من خلال رؤية تشاركية تتكامل مع جهود خفض العرض، مع الالتزام بحقوق الإنسان والمعايير الدولية والأدلة العلمية وإخضاع البرامج للتقييم الدوري.
وأشار إلى أن الأدلة العلمية الحديثة تربط بين بعض عوامل الخطورة في مرحلة الطفولة المبكرة، مثل التعرض للإساءة أو الإهمال، وبين مسارات أكثر تعقيداً في التعاطي والانتكاس، وهو ما يستدعي التعامل مع الإدمان باعتباره اضطراباً صحياً ونفسياً قابلاً للعلاج، بعيداً عن الوصم المجتمعي، مع تعزيز دور الأسرة في الوقاية والتدخل المبكر.
وبذلك تتحول استراتيجية التوعية من مجرد رسائل تحذيرية إلى منظومة أوسع، يكون الشباب في قلبها؛ فالمتطوع لا يكتفي بتلقي المعلومات، وإنما يتعلم كيف يصنع الرسالة ويوصلها، وكيف يحول المعرفة إلى سلوك وقائي داخل الجامعة والمدرسة والأسرة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يمثل أكثر من 36 ألف متطوع إحدى الركائز الأساسية لهذه المنظومة، باعتبارهم حلقة الوصل بين برامج الصندوق والفئات المستهدفة، وشركاء في نقل خطاب الوقاية بلغة أقرب إلى الشباب وأكثر ارتباطاً بواقعهم اليومي.