مصر وكوريا الجنوبية.. تاريخ من الشراكة يتجه لمرحلة جديدة من الاقتصاد والتكنولوجيا

الخميس، 08 أكتوبر 2026 11:16 م
مصر وكوريا الجنوبية.. تاريخ من الشراكة يتجه لمرحلة جديدة من الاقتصاد والتكنولوجيا
أمل غريب

تربط مصر وكوريا الجنوبية علاقات امتدت لعقود، تجمع بين خلفية تاريخية كان للقاهرة خلالها دور في دعم استقلال كوريا، وشراكة سياسية واقتصادية وتعليمية وتكنولوجية، تطورت تدريجيا منذ الاعتراف المصري الرسمي، باستقلال جمهورية كوريا الجنوبية عام 1948.

وتعود جذور هذه العلاقة إلى إعلان مصر، الذي صدر خلال اجتماع قادة 3 دول من الحلفاء، هي الولايات المتحدة وبريطانيا والصين، في القاهرة خلال الفترة من 22 إلى 26 نوفمبر 1943، وأكد الإعلان أن كوريا يجب أن تصبح حرة ومستقلة، بعد انتهاء الاحتلال الياباني، وأذيع على مسامع العالم عبر الراديو في الأول من ديسمبر 1943.

وانتقلت شروط إعلان القاهرة لاحقا، إلى إعلان بوتسدام في 26 يوليو 1945، قبل أن تستسلم اليابان، دون شروط في 15 أغسطس 1945، لتصبح كوريا، حرة وفقا لما نص عليه إعلان القاهرة، وهو ما جعل الوثيقة التاريخية، أحد أهم الروابط التي تستحضرها كوريا الجنوبية في علاقتها بمصر.

وعلى المستوى الدبلوماسي، اتفق البلدان عام 1961 على إقامة علاقات قنصلية، وافتتحت كوريا الجنوبية، قنصليتها العامة في القاهرة عام 1962، بينما افتتحت مصر قنصليتها العامة في سول 1991، وفي عام 1995، اتفق الجانبان على رفع العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات.

وتواصل البناء المؤسسي للعلاقات، ففي عام 1996 عينت كوريا الجنوبية، ملحقا عسكريا لها في القاهرة، بينما عينت مصر، 2005 ملحقا تابعا لوزارة الدفاع في كوريا الجنوبية، كما تأسست لجنة المشاورات السياسية عام 1996، وأنشئت اللجنة المشتركة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بموجب مذكرة تفاهم عام 2004، بينما تأسس مجلس الأعمال المصري الكوري، خلال زيارة الرئيس الراحل حسني مبارك، إلى سول في أبريل 1999، بهدف دعم التعاون الاقتصادي والتجاري وجذب الاستثمارات الكورية إلى مصر.

 

الاقتصاد والتعليم في صدارة الشراكة

يمثل الاقتصاد والتعليم محورين أساسيين في العلاقات المصرية الكورية، خاصة مع نجاح التجربة الكورية في الصناعة والتعليم، وهو ما دفع مصر إلى الاستفادة من الخبرات الكورية في تطوير التعليم والصناعة والتكنولوجيا، حيث تحتل كوريا الجنوبية المرتبة رقم 13 بين الاقتصادات القوية في العالم، فيما تتطلع مصر إلى الاستفادة من تجربتها، إلى جانب التعاون في استيراد المركبات والأجهزة الكهربائية والتكنولوجية.

وتوسع التعاون التنموي بين البلدين بصورة ملحوظة، بعدما قدمت كوريا الجنوبية لمصر حتى الآن 344 مليون دولار، في صورة مساعدات إنمائية رسمية، وفي عام 2021 اختيرت مصر شريكا استراتيجيا لكوريا الجنوبية في مجال التعاون التنموي لمدة 5 سنوات، مع التركيز على 5 مجالات أساسية، هي النقل والبيئة والطاقة والتعليم والاتصالات والإدارة العامة.

كما أصبحت الاستثمارات الكورية في مصر، حاضرة في قطاعات الإلكترونيات ومحطات الطاقة النووية والنقل، مع توجه مصري للاستفادة من الخبرات الكورية في توطين الصناعة وزيادة الاستثمارات.

 

 2026 عام التحرك الاقتصادي والسياسي المكثف

شهد عام 2026 تكثيفا واضحا، في الاتصالات المصرية الكورية، وصولا إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى كوريا الجنوبية في أكتوبر الجاري.

وفي 6 أكتوبر 2026، توجه الرئيس السيسي، إلى كوريا الجنوبية في مستهل جولة آسيوية، شملت أيضا ماليزيا وإندونيسيا، وتضمنت الزيارة مباحثات مع الرئيس الكوري لي جاي ميونج، ومشاركة الرئيس في مائدة مستديرة مع رؤساء كبرى الشركات الكورية.

وفي 7 أكتوبر 2026 شارك الرئيس السيسي، في سول، مائدة مستديرة مع رؤساء 23 شركة كورية كبرى، واستعرض الإصلاحات الاقتصادية المصرية، وحوافز الاستثمار، وجدد الدعوة إلى إنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

كما دعا الشركات الكورية إلى زيادة استثماراتها في الصناعات والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والبتروكيماويات، مؤكدا أهمية تفعيل مجلس الأعمال المصري الكوري وعقد منتدى اقتصادي مشترك بصورة دورية.

وقبل الزيارة الرئاسية، شهد شهر يونيو الماضي، تحركات مكثفة على المستوى الدبلوماسي، ففي 2 يونيو 2026 التقى وزير الخارجية المصري، الرئيس الكوري لي جاي ميونج، ونقل إليه رسالة خطية من الرئيس السيسي، تؤكد تقدير مصر لتطور العلاقات، كما دعا الشركات الكورية إلى زيادة استثماراتها، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتحول الأخضر، وفي 2 يونيو 2026 أيضا، عقد وزيرا خارجية البلدين الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي، حيث بحثا تعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات الكورية، وإنشاء منتدى اقتصادي سنوي، إلى جانب ملفات غزة والسودان، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية والأمن المائي.

وفي 1 يونيو 2026 التقى وزير الخارجية المصري، نائب رئيس وكالة التعاون الدولي الكورية، وبحثا الاستفادة من مذكرة التفاهم بين الوكالة المصرية للشراكة، ووكالة التعاون الدولي الكورية، في تعزيز التعاون الثلاثي مع الدول الأفريقية، كما وجه دعوة للمشاركة في منتدى أسوان للسلام والتنمية، المقرر عقده نوفمبر 2026.

وفي 31 مايو 2026 توجه وزير الخارجية بدر عبد العاطي، إلى كوريا الجنوبية، للمشاركة في الاجتماع الوزاري الكوري الأفريقي، وعقد لقاءات ثنائية مع مسؤولين كوريين، لبحث فرص التعاون الاقتصادي.

 

العلاقات المصرية الكورية في المحافل الدولية وأفريقيا

لم تقتصر الاتصالات خلال 2026 على الجانب المصري الكوري المباشر، إذ عقد وزير الخارجية المصري، خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري الأفريقي، في 2 يونيو، لقاءات مع وزراء خارجية ومسؤولين من دول أفريقية، تناولت التعاون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، والدواء والاستثمار ومياه النيل، وشملت اللقاءات وزراء خارجية توجو وغانا وتنزانيا والصومال ونيجيريا وجامبيا، والكاميرون وأنجولا وبنين وجنوب السودان، إلى جانب رئيس وزراء ووزير خارجية كينيا، ووزير التخطيط في إسواتينيا، ونائب وزير خارجية ليبيريا، ووزيرة خارجية ساو تومي وبرينسيب، ووزير خارجية أنجولا، فضلا عن لقاءات تناولت التعاون المصري الأفريقي، في مجالات التنمية والاستثمار والتنسيق السياسي.

وفي هذا السياق، ظهر التعاون المصري الكوري أيضا من خلال وكالة التعاون الدولي الكورية، بما يعكس انتقال العلاقة من التعاون الثنائي إلى مساحات أوسع للتنمية والشراكة في القارة الأفريقية.

 

محطات بارزة خلال 2024 و2023

في 29 ديسمبر 2024 أعربت مصر عن تعازيها لكوريا الجنوبية، في ضحايا حادث تحطم طائرة تابعة لشركة جيجو إير، أثناء هبوطها جنوب غرب سول، مؤكدة تضامنها مع الحكومة والشعب الكوريين.

وفي 27 مايو 2024 التقى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي السفير الكوري لدى مصر كيم يونج هيون، حيث بحث الجانبان دعم التعاون والاستثمارات، وأكد الجانب الكوري أن الإصلاحات الاقتصادية المصرية توفر فرصا أمام الشركات الأجنبية، وأن مصر شريك استراتيجي لكوريا في أفريقيا.

وفي 13 مارس 2024 أجرى وزير الخارجية سامح شكري اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية الكوري جو تيه يول، تناول تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتبادل التأييد للترشيحات الدولية، إلى جانب تطورات الحرب في غزة.

أما في 9 أكتوبر 2023، فاستقبل الرئيس السيسي رئيس الجمعية الوطنية الكورية كيم جين بيو، وبحث الجانبان تطوير التعاون البرلماني والاقتصادي، والاستفادة من الخبرات الكورية في الصناعات التكنولوجية، وتوطين مكونات صناعة النقل والطاقة الخضراء والمتجددة، وزيادة المكون المصري في الإنتاج.

 

من الشراكة السياسية إلى التعاون التنموي

وفي 29 يناير 2024، أكد السفير الكوري الجنوبي لدى القاهرة، أن العلاقات المصرية الكورية، شهدت طفرة على مختلف الأصعدة، مشيرا إلى تنامي شعبية الثقافة الكورية بين الشباب، من خلال الموسيقى والدراما والأدب، وإلى أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كانت ستكمل في العام التالي 30 عاما، منذ رفعها إلى مستوى السفارات.

وأشار إلى أن مصر تتمتع بمقومات تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الكورية، بينها موقعها الجغرافي والموارد البشرية، واتفاقيات التجارة الحرة والحوافز الاستثمارية، إلى جانب نجاح الاستثمارات الكورية القائمة في الإلكترونيات، والطاقة النووية والنقل.

وفي 27 مارس 2022 بحث السفير المصري لدى كوريا، مع الأمين العام للجمعية الكورية العربية، سبل تعزيز البعد الثقافي والأكاديمي والاقتصادي للعلاقات.

وفي 29 أكتوبر 2022 أعربت مصر، عن تعازيها لكوريا الجنوبية إثر حادث التدافع في وسط سول، بينما شهد 20 أكتوبر 2022 اتصالا هاتفيا بين الرئيس السيسي ونظيره الكوري يون سوك، تناول التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتغير المناخ والملفات الإقليمية.

وكانت محطة 20 يناير 2022 من أبرز الزيارات الرئاسية، عندما زار الرئيس الكوري مون جاي إن، مصر، في أول زيارة لرئيس كوري جنوبي إلى القاهرة، منذ نحو 16 عاما، وبحث مع الرئيس السيسي، التعاون الثنائي والأزمات الإقليمية والدولية.

وفي 11 أكتوبر 2021 زار رئيس الجمعية الوطنية الكورية مصر، حيث بحث مع رئيس مجلس النواب المصري تعزيز العلاقات البرلمانية.

 

مسار طويل من التواصل

تعود محطات التعاون السابقة إلى 5 مارس 2020، عندما تلقى الرئيس السيسي، اتصالا من الرئيس الكوري مون جيه إن، لبحث تعزيز العلاقات.

وفي 19 يونيو 2019 زار نائب وزير الخارجية الكوري للشؤون الاقتصادية، مصر، لبحث تطوير العلاقات والمشروعات المشتركة.

وفي أبريل 2015 شارك وفد مصري بالمنتدى العالمي للمياه في كوريا الجنوبية، الذي شارك فيه وزراء مياه من 84 دولة، وبحث قضايا نقص المياه والتلوث والإدارة المتكاملة للموارد المائية.

وفي سبتمبر 2014 التقى الرئيس السيسي رئيسة كوريا الجنوبية، باك كون هيه، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما تلقى في يونيو 2014 برقية تهنئة منها بمناسبة توليه منصبه.

وتكشف هذه المحطات، الممتدة من إعلان القاهرة عام 1943 والاعتراف الرسمي عام 1948، مرورا بإقامة العلاقات القنصلية عام 1961 ورفع العلاقات إلى مستوى السفارات عام 1995، وصولا إلى التحركات الاقتصادية والسياسية المكثفة في 2026، عن مسار متدرج تحولت خلاله العلاقات المصرية الكورية، من خلفية تاريخية وسياسية إلى شراكة متعددة المجالات.

ومع التركيز الحالي على الاستثمار والتصنيع، ونقل التكنولوجيا والطاقة والنقل والتعليم والتحول الرقمي، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لتعميق البعد الاقتصادي والتنموي للعلاقات، خاصة مع دخول الشركات الكورية الكبرى بصورة أكبر إلى السوق المصرية، واستمرار القاهرة في الدفع نحو شراكة تقوم على الاستثمار وتوطين الصناعة والاستفادة من الخبرة الكورية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة