عندما ينتهي الخبر يبدأ التزييف.. الإخوان الإرهابية تصنع واقعا افتراضيا عبر تدوير الفيديوهات والتلاعب بالتواريخ

الإثنين، 12 أكتوبر 2026 03:02 م
عندما ينتهي الخبر يبدأ التزييف.. الإخوان الإرهابية تصنع واقعا افتراضيا عبر تدوير الفيديوهات والتلاعب بالتواريخ
هانم التمساح

لم تعد معركة المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي تدور فقط حول ما إذا كان الفيديو حقيقيًا أم مفبركًا، وإنما أصبحت تدور حول وقت تصوير ومكان تصويره ومتى وقعت الحادثة التي يوثقها ومن أعاد نشره، ولماذا في هذا التوقيت تحديدًا؟.
 
فالمقطع قد يكون حقيقيًا تمامًا، لكن الجماعة الإرهابية تعمل على تقديمه باعتباره حدثًا وقع بالأمس، بينما تعود الواقعة إلى أشهر مضت، يحوّل مادة صحيحة في أصلها إلى أداة لتكوين انطباع مضلل عن الحاضر.
 
وتكشف وقائع حديثة عن أهمية هذه النقطة في التعامل مع المحتوى المتداول، ومن أبرزها واقعة فيديو سرقة غطاء صرف صحي في أسيوط.
 
ففي يونيو 2026، أعلنت الأجهزة الأمنية تفاصيل مقطع فيديو جرى تداوله على إحدى الصفحات التابعة لجماعة الإخوان، وظهر فيه شخصان أثناء سرقة غطاء صرف صحي في أسيوط.
 
وبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، فإن الواقعة الأصلية كانت قد حدثت في مارس، وكان المقطع قد نُشر في ذلك الوقت، قبل أن تعيد الصفحة نشره لاحقًا بعد إخفاء التاريخ الظاهر داخل الفيديو، بما يوحي بأنه تسجيل حديث.
 
ولم تكن المشكلة في اختلاق مشهد من الصفر، وإنما في إعادة تدوير مشهد حقيقي وإعادة تقديمه خارج سياقه الزمني.
 
والفارق بين الحالتين كبير؛ فالفيديو الحقيقي لا يعني بالضرورة أن الرواية المصاحبة له صحيحة.
 
وفي واقعة أخرى خلال مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط مرتكبي سرقة غطاء صرف صحي في أسيوط، بعد فحص المقطع المتداول وتحديد الأشخاص الظاهرين فيه، كما عُثر على الغطاء المسروق والعربة المستخدمة في الواقعة.
 
ويعتمد التلاعب بالمحتوى المرئي المرئي الذى تقدمه الكتائب الإلكترونية للإخوان الإرهابية أحيانًا على حذف عنصر يبدو هامشيًا بالنسبة للمشاهد، لكنه جوهري بالنسبة إلى الحقيقة والتاريخ، وهو ما تعتمد عليه الجماعة الإرهابية في تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام.
 
فإخفاء التاريخ أو قص الجزء الذي يظهر فيه، أو إعادة نشر الفيديو دون سياقه الأصلي، يترك للمشاهد انطباعًا بأن الواقعة حدثت في اللحظة التي ظهر فيها المنشور.
 
وتزداد خطورة هذه الطريقة عندما يكون الفيديو مصورًا بكاميرا مراقبة، لأن المشاهد عادة يتعامل مع الصورة باعتبارها دليلًا بصريًا، بينما قد لا ينتبه إلى البيانات الزمنية المصاحبة للتسجيل، ومن هنا تصبح عملية التحقق من الفيديو أهم من الفيديو نفسه.
 
وتؤكد وقائع أخرى في ديروط بمحافظة أسيوط أهمية التعامل مع الفيديوهات باعتبارها أدلة تحتاج إلى سياق، وليس مجرد صور متحركة، وفي يونيو 2026، جرى تداول مقطع لمشاجرة بين طلاب، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية أن الواقعة تعود إلى 9 يونيو، وأنها وقعت عقب أداء الامتحانات، مع تحديد وضبط الطلاب المشاركين فيها.
 
ولا يحتاج المواطن إلى أدوات تقنية معقدة في كل مرة لكشف زيف  الدعايا الرقمية المضادة التى من شأنها أن تثير الزعر والفزع وانعدام الثقة فى المؤسسات الوطنية وبين الأفراد.
ويمكن اتباع مجموعة من الخطوات البسيطة أولها البحث عن أقدم نسخة منشورة من الفيديو، وليس الاكتفاء بالمنشور الذي ظهر أمامه، وفحص التاريخ أو الساعة الظاهرة على التسجيل إن وجدت، ومقارنة المكان والملابس والسيارات واللافتات والعلامات المميزة في الفيديو مع الأخبار المنشورة في الفترة نفسها.
 
ويمكن البحث عن كلمات أو عبارات وردت في المنشور باستخدام محرك البحث، لمعرفة ما إذا كانت الواقعة قد نُشرت سابقًا، وعدم اعتبار تاريخ إعادة النشر هو تاريخ وقوع الحدث، وكذلك البحث عن بيانات الجهات الرسمية أو وسائل الإعلام الموثوقة بشأن الواقعة قبل إعادة تداولها.
 
والمشكلة هنا ليست تقنية فقط، وإنما تتعلق بطريقة صناعة الانطباع، فعندما يشاهد المستخدم فيديو لواقعة مؤلمة ويقرأ فوقه عبارة توحي بأنها حدثت اليوم، فإنه يتعامل معها باعتبارها مؤشرًا على الوضع الحالي، لكن إذا اتضح أن الفيديو يعود إلى شهر أو عام سابق، فإن السؤال الذي يجب طرحه يصبح مختلفًا تمامًا.
 
وهذا ما يجعل تدوير الأرشيف أحد الأساليب المؤثرة في حروب المعلومات؛ إذ لا يحتاج من يريد صناعة رواية مضللة بالضرورة إلى اختراع صورة جديدة، بل يستطيع البحث داخل أرشيف الإنترنت عن صورة حقيقية، ثم إعادة تقديمها في سياق جديد.
 
وفي معركة الوعي الرقمي، لا يكفي أن نسأل: هل الفيديو حقيقي؟.. لكن السؤال الأدق هو: هل الفيديو حقيقي؟ ومتى صور؟ وأين؟ وما سياقه؟ ومن أعاد نشره؟ وهل تم تعديل محتواه أو إخفاء معلوماته الزمنية؟.
 
فالحقيقة الرقمية لا تتكون من الصورة وحدها، وإنما من الصورة و التاريخ و المصدر و السياق، وحين تغيب هذه العناصر، يصبح المواطن أمام مادة قابلة لإعادة التوظيف مهما كانت صحيحة في أصلها.
 
وهنا تكمن مسؤولية الصحافة فى التوعية بخطورة الإنسياق خلف المادة الرقمية المضلل وخطورة الشائعات على البنية الاجتماعية والتلاحم الشعبي خاصة فى ظل عالم يعج بالأزمات والعداءات والصراعات ،وكذلك دور المواطن أيضا  ألا يسمح للأرشيف المعاد بأن يتحول إلى حاضر مزيف ولاينساق خلف المواد المنشورة دون تدقيق .

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق