حزب شاب يزلزل العالم!
الجمعة، 16 أكتوبر 2026 04:32 م
حمدي عبد الرحيم
في البدء كانت الصهيونية تُصنف بوصفها فكرة عنصرية، وصعد التصنيف حتى أصبح أمميًا.
ففي العام 1975 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يقضي بأن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وقد صوتت لصالح القرار اثنتان وسبعون دولة على رأسها الدول العربية، والدول التي كانت تعرف بدول الكتلة السوفيتية، ودول عدم الانحياز، وعارض القرار خمس وثلاثون دولة وامتنعت اثنتان وثلاثون دولة عن التصويت.
ظل القرار ساريًا ومحترمًا عالميًا حتى وسوس الشيطان الأمريكي للعرب ببدء التفاوض العلني مع كيان الاحتلال، وكانت البداية في مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991، وافق العرب على حضور المؤتمر وكان على رأس الموافقين منظمة التحرير الفلسطينية في زمن ياسر عرفات، وكانت المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين!
بعد الموافقة العربية جاء الفخ الأمريكي: لكي تحضر إسرائيل ولكي تحصلوا على أي مكسب فلا بد من إلغاء قرار عنصرية الصهيونية!
كانت كتلة عدم الانحياز وكذا كتلة الدول السوفيتية قد أصبحتا فعلًا ماضيًا، وكان العرب قد اقتتلوا وجهًا لوجه بعد الغزو الصدامي الجنوني لأرض الكويت، فتم التصويت الأممي على إلغاء القرار، فصوتت مئة وإحدى عشرة دولة على قرار الإلغاء، وعارضته خمس وعشرون دولة فقط، وامتنعت عن التصويت ثلاث عشرة دولة، أصحاب القضية أنفسهم صوتوا لصالح قرار الإلغاء، ومن يومها لا يجرؤ أحد على نعت الصهيونية بالعنصرية، ولو فعلها فعليه تحمل النتائج القاسية بل القاصمة لظهره!
ثم جاء الطوفان وقام الكيان بارتكاب كل أفعال وأشكال الإبادة ضد نساء وأطفال وشيوخ المسكينة غزة، فلم يجرؤ أحد على وصف الصهيونية بالعنصرية، فقد مضى ذاك الزمان وأهله!
هل مر بك أن اعتماد قرار الصهيونية عنصرية قد صدر في العام 1975، وقبل ذلك العام بعامين اثنين فقط شهد الغرب، المملكة المتحدة تحديدًا ميلاد حزب الخضر الذي سيلعب دورًا مهمًا وخطيرًا في قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن بعد مرور نصف قرن على انطلاقه.
تقول بيانات الحزب: إنه تأسس في إنجلترا وويلز في الأصل باسم "حزب الشعب" ثم أصبح يعرف باسم "حزب البيئة"، ولكن في العام 1985 أصبح اسمه "حزب الخضر"، وفي العام 1990 انقسم الحزب إلى ثلاثة أحزاب مستقلة وهي: حزب الخضر في إنجلترا وويلز، وحزب الخضر الأسكتلندي، وحزب الخضر في أيرلندا الشمالية.
في العام 2010، حدثت النقلة التاريخية للحزب فقد فاز الحزب بأول مقعد له في مجلس العموم البريطاني، أما القفزة الكبرى فقد حققها الحزب في انتخابات عندما حصد أربعة مقاعد في البرلمان، ومع التقدم في البرلمان شهد حضورًا شعبيًا لافتًا، فهو يضم الآن أكثر من ربع مليون عضو، مما جعله ثالث أكبر حزب بريطاني من حيث عدد الأعضاء.
في شهرنا هذا أكتوبر من عامنا هذا 2026 سجل الحزب قفزته الخرافية، فقد صوت أعضاؤه في مؤتمرهم العام لصالح قرار يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ويدعو لإقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين!
هكذا من صلب بريطانيا صاحبة وعد بلفور يأتي حزب له شعبيته بما لم يأت به الأوائل، يقف على رأس الحزب السياسي الشاب زاك بولانسكي، وهو يهودي الديانة، وقد صرح بأنه ضد قرار المؤتمر العام ولكنه يحترمه ويلتزم به فهكذا هي قواعد الديمقراطية.
قرار الحزب جعله عرضة لهجوم صهيوني بشع ولمحاولات تفجير من الداخل، فالقرار بالأساس يأتي عكس الريح لا البريطانية بل العربية، فالكل يحاول إقرار مبدا الدولتين، فيما عدا أمريكا والكيان، والحزب فقط هو الذي ينادي بدولة فلسطينية واحدة ديمقراطية تتسع للجميع.
الأكيد أن حزب الخضر البريطاني سيدفع ثمن قرار مؤتمره العام، وسيكون الثمن فادحًا فالصهيونية العالمية لن تتركه لشأنه، وستقوم بتفجيره من داخله لأن هناك من قيادات الحزب من يرفض القرار وصوت ضده، ولكن المحزن في الأمر أن العرب والمسلمين بل والسلطة الفلسطينية لم يقدموا دعمًا، أي دعم لحزب يسبح منفردا ضد التيار.