من المشروعات إلى العائد الاجتماعي... منتدى مصر 2026: المواطن يدخل غرفة صناعة القرار
السبت، 17 أكتوبر 2026 02:53 م
هانم التمساح
لا يبدو "منتدى مصر 2026" مجرد تجمع لمناقشة ملفات اقتصادية أو اجتماعية؛ فالأكثر لفتًا للانتباه في أجندته أن كثيرًا من جلساته تبدأ من سؤال مباشر عن الأثر الفعلي الذي يلمسه المواطن، بدلاً من الاقتصار على استعراض أرقام الإنفاق الحكومي أو إحصاء عدد المشروعات المُنفذة. فالمنتدى، المقرر عقده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر، يضم أكثر من 16 جلسة حوارية بمشاركة أكثر من 150 صانع قرار ونحو 8 آلاف مشارك من مختلف الفئات، في حين تتيح منصته الإلكترونية مساحة للمواطنين لتقديم آرائهم ومقترحاتهم.
وتنعكس هذه الزاوية بوضوح في عدد من الجلسات المنتظرة، وفي مقدمتها جلسة "صحة المواطن"، التي تستهدف تقييم ما تحقق في المنظومة الصحية، وقياس انعكاسه على مستوى الخدمات المقدمة، فضلاً عن رصد التحديات وتحديد مستهدفات المرحلة المقبلة. الأمر نفسه ينسحب على ملف التعليم؛ حيث لا يكتفي المنتدى بالسؤال عن أعداد الطلاب أو المدارس، بل يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: "ماذا يتعلم أبناؤنا.. وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟"، ليتحول محور النقاش من مجرد إتاحة الخدمة إلى جودتها ونتائجها.
الرؤية الجديدة التي يفرضها المنتدى تعتمد على النظر إلى التنمية باعتبارها سلسلة مترابطة؛ فالصناعة لا تنفصل عن التعليم والتدريب، والاستثمار مرتبط وثيقاً بفرص العمل، والتحول الرقمي ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الحكومية، بينما تلتقي التنمية العمرانية مع ملفات النقل والسكن وجودة الحياة. وفي جلسة الاستثمار والصناعة، على سبيل المثال، تتجه المناقشات إلى ربط الحوافز الاستثمارية بالقيمة المضافة والصادرات وفرص العمل المباشرة، إلى جانب تعميق التصنيع المحلي ورفع تنافسية العامل المصري.
ومن أبرز ما يميز المنتدى أن المشاركة الشعبية ليست مجرد شعار؛ إذ أتاحت الدولة منصة إلكترونية لتلقي آراء المواطنين والخبراء ومقترحاتهم بشأن القضايا المطروحة، حيث تجاوز عدد طلبات الحضور 61 ألف طلب وفق البيانات الرسمية للمنتدى. ويفتح هذا التفاعل باباً مهماً أمام الرأي العام لكي تصصبح الشواغل اليومية للمواطن — من التعليم والصحة والأسعار وفرص العمل إلى الخدمات الرقمية والحماية الاجتماعية — جزءاً أصيلاً من أجندة الحوار الوطني التنفيذي.
ولم يحصر المنتدى مفهوم التنمية في الشق الاقتصادي فحسب؛ ففي الورش التحضيرية الخاصة بالقطاع الثقافي، ناقش الخبراء آليات قياس التحولات في منظومة القيم داخل المجتمع، وطُرحت أفكار بارزة من بينها إجراء مسح وطني للقيم، وإنشاء مرصد وطني للقيم المجتمعية، إلى جانب تطوير المحتوى الرقمي والدرامي، وتعزيز الأنشطة الفنية والموسيقية داخل المدارس، لتبرز رسالة جوهرية مفادها أن بناء الإنسان لا يتوقف عند إنشاء مدرسة أو مستشفى، بل يمتد لبناء الوعي والمهارة وتسييد القيم.
ومن المنتظر أن تترجم توصيات المنتدى إلى برامج تنفيذية ومؤشرات قياس أداء يمكن من خلالها رصد النجاح أو الوقوف على أسباب التعثر، وهو ما يجعل "منتدى مصر 2026" يبتعد عن النمط التقليدي للمؤتمرات التي تنتهي بانتهاء جلساتها، ليتحول إلى منصة دائمة للمتابعة والمساءلة وقياس الأثر. يضع المنتدى الدولة أمام معادلة جديدة تتلخص في أن التنمية لا تكتمل بمجرد افتتاح المشروع، بل باختبار أثره المباشر في حياة المواطن؛ فالمدارس تُقاس بما يتعلمه الطالب، والمستشفيات بمستوى الخدمة للمريض، والاستثمار بحجم ما يضيفه للاقتصاد، والتحول الرقمي بالوقت الذي يوفره على المواطن، والحماية الاجتماعية بقدرتها على الوصول إلى مستحقيها بكفاءة.