الجولة الرئاسية الآسيوية تفتح الأبواب مع قوى الشرق الصاعدة
السبت، 17 أكتوبر 2026 11:50 م
من سول إلى كوالالمبور وجاكرتا.. شراكات استراتيجية واستثمارات وصناعات مشتركة
الرئيس السيسى: الشعب المصرى بطل المعركة.. وثقة العالم تفتح أبواب الاستثمار.. والاتزان الاستراتيجى يعزز مكانة مصر
توقيع 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت العمل على زيادة حجم التبادل التجاري وتحقيق التوازن في الميزان التجاري
لم تكن الجولة الآسيوية التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأسبوع الماضي، وشملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، مجرد سلسلة من الزيارات الرسمية واللقاءات الثنائية، وإنما عكست تحركًا مصريًا لتوسيع دوائر الشراكة الدولية، وتنويع مصادر التعاون الاقتصادي والاستثماري، والانفتاح على تجارب تنموية آسيوية نجحت في بناء اقتصادات تنافسية، وتحويل التكنولوجيا والصناعة إلى محركات رئيسية للنمو.
ومن سول إلى كوالالمبور، وصولًا إلى جاكرتا، حملت الجولة رسائل متعددة، في مقدمتها أن السياسة الخارجية المصرية تتحرك وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات، وتعظيم المصالح المشتركة، والاستفادة من التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مع الحفاظ على ثوابت الدولة المصرية تجاه القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأمن المائي وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول.
ويرى خبراء أن توجه مصر نحو القوى الآسيوية الصاعدة يمثل امتدادًا للتحولات التي شهدتها السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014، مع إعادة ترتيب أولويات التحرك الدولي، والانفتاح على تجارب تنموية متنوعة، بما يساعد على دعم المشروع التنموي المصري والاستفادة من الخبرات المتقدمة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والإنتاجية.
وفى ختام الجولة، أكد الرئيس السيسى، أن ما شهده من استقبال رسمي وشعبي كان مبهرًا، ويعكس مكانة مصر الدولية الرفيعة، وما تحظى به الدولة المصرية وشعبها وسياستها الخارجية من احترام وتقدير، فضلًا عن الثقة في فرص الاستثمار والتعاون مع مصر في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها خلال الجولة الآسيوية بلغت نحو 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وشملت العديد من مجالات التعاون بين مصر والدول الثلاث، وفي مقدمتها العمل على زيادة حجم التبادل التجاري، وتحقيق التوازن في الميزان التجاري بين الجانبين، بما يدعم العلاقات الاقتصادية ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون المشترك.
وأكد الرئيس السيسى، أن موضوعات الاستثمار والشراكات التي جرى تطويرها إلى شراكات استراتيجية مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، تعكس حجم الفرص الاستثمارية المتاحة في مصر، وما تتمتع به الدولة من استقرار، معربًا عن أمله في دوام هذه الحالة، مشيراً إلى أن ما تحقق في مصر تحول إلى فرص للتعاون والاستثمار مع الدول الثلاث، التي تمتلك قدرات اقتصادية وتصنيعية كبيرة، موضحًا أن اهتمامها بتطوير الشراكات مع مصر، والإرادة السياسية لدى قياداتها، إلى جانب اهتمام المستثمرين بتوظيف قدراتهم وإمكاناتهم، يعكس ما تتمتع به الدولة المصرية من مقومات وميزات نسبية.
وأضاف الرئيس السيسى، أن الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الدولة في إنشاء بنية أساسية ضخمة ومتطورة أسهمت في تهيئة البيئة اللازمة لاستيعاب الاستثمارات المختلفة، وفتح آفاق أوسع للتعاون مع الشركاء الدوليين، مشدداً في الوقت نفسه على أن الشعب المصري كان حاضرًا دائمًا في صدارة كل ما تحقق- في إشارة إلى دوره في ما شهدته مصر من تطور انعكس على فرص التعاون والاستثمار مع الدول الثلاث.
وشدد الرئيس السيسى، على استعداد مصر لتقديم مختلف أشكال الدعم للاستثمارات مع كوريا وماليزيا وإندونيسيا، سواء من خلال تشجيع استثمارات رجال الأعمال، أو إبرام اتفاقيات لدعمها، أو إقامة استثمارات حكومية ومشروعات مشتركة تجمع بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث ونظرائهم من المستثمرين المصريين، بمشاركة الحكومة المصرية، كما أشار إلى أن مؤتمرات ومنتديات رجال الأعمال التي عُقدت خلال الجولة الآسيوية عكست وجود إرادة قوية للغاية لدى الدول الثلاث لتعزيز التعاون مع مصر، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب من المسئولين في مصر العمل على تفعيل ما تم الاتفاق عليه، وتحويل التفاهمات والاتفاقيات إلى مشروعات واستثمارات على أرض الواقع.
وأوضح الرئيس السيسى، أن الجولة الآسيوية شهدت مباحثات حول فرص التعاون في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها صناعات البتروكيماويات والسيارات، والطاقة الجديدة والمتجددة، والزراعة وصيد الأسماك، إلى جانب التعاون في مجال المحطات النووية، ومن بينها محطة الضبعة التي تشارك كوريا في بعض أنشطتها.
ووصف الرئيس السيسي، الجولة، بأنها "موفقة للغاية بفضل الله"، معربًا عن تطلعه إلى التحرك سريعًا لتنفيذ ما جرى التفاهم بشأنه والتوقيع عليه، وتحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية تعزز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والدول الثلاث.
ووجه الرئيس السيسى، التحية إلى الشعب المصري، معربًا عن تقديره للمكانة الكبيرة التي لمَسها خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، وما شهده من حفاوة في الاستقبال الرسمي والشعبي، مؤكدًا أن ذلك يعكس مكانة مصر وشعبها لدى الدول الثلاث، وأكد على أهمية استثمار ما تم التفاهم والتوافق بشأنه خلال الجولة، والعمل على تنفيذ المشروعات المتفق عليها، معربًا عن أمله في التوفيق لتحقيق النتائج المستهدفة وتعزيز التعاون مع الدول الثلاث.
وردًا على سؤال ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بشأن دلالات اللقاءات التي عقدها الرئيس السيسي منذ الأول من سبتمبر وحتى الآن مع قادة دول تمثل نسبة كبيرة من سكان العالم، من بينها الصين والهند وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، إلى جانب اللقاءات مع قادة أفارقة، فضلًا عن زياراته السابقة إلى فرنسا وإيطاليا، وانعكاس ذلك على مفهوم الاتزان الاستراتيجى؛ أكد الرئيس السيسى، أن سياسة مصر الخارجية القائمة على التوازن والاعتدال وضبط النفس بدأت تنعكس على طبيعة علاقاتها الدولية، مشيرًا إلى أن ما يلمسه خلال لقاءاته مع قادة الدول الكبرى يعكس احترامًا للمسار السياسى الذي تنتهجه الدولة المصرية، وتفهمًا لنهجها في إدارة علاقاتها الخارجية وأزماتها الداخلية.
وأوضح الرئيس السيسى، أن هذا النهج لا يقتصر على تحقيق التقدير والاحترام الدوليين، بل يشجع الدول الأخرى أيضًا على تنمية علاقاتها مع مصر وتطويرها، لافتًا إلى أن الانطباع الذي يخرج به من لقاءاته يعكس النظر إلى مصر باعتبارها دولة تدير علاقاتها الخارجية -وحتى أزماتها الخارجية- بدرجة من الانضباط والمسئولية، وشدد على أن ضبط النفس وردود الفعل، والحفاظ على استقرار العلاقات مع الدول، يتطلب الصبر وطول البال، مؤكدًا أن نتائج هذه السياسة تتجلى في تنامي الاحترام والتفاهم المتبادل وتعزيز العلاقات الدولية لمصر.
وقال الرئيس السيسى، إن الجولة الآسيوية لم تقتصر نتائجها على المستوى الرسمي، وإنما امتدت إلى الصعيد الشعبي، مشيرًا إلى أن الانطباع الإيجابي عن مصر ومكانتها يحظى بتقدير من شعوب الدول التي زارها، وليس من المسئولين وحدهم، موضحاً أن هذا التقدير الشعبي ينعكس على تعزيز التفهم المتبادل، ويدعم الإرادة المشتركة لتطوير الشراكات بين مصر والدول الثلاث في مختلف المجالات، سواء على المستوى الاقتصادي والتجاري أو في مجال التعاون والتنسيق السياسي.
وشدد الرئيس السيسى على أهمية البناء على هذا المناخ الإيجابي لتوسيع آفاق التعاون المشترك، بما يعزز العلاقات بين مصر وكوريا وماليزيا وإندونيسيا على المستويين الرسمي والشعبى.
وقال الرئيس السيسى، إن الرسالة التي يحرص على توصيلها للمصريين هي أنهم شعب عريق وعظيم، وأن دولتهم تتمتع بمكانة كبيرة تستند إلى تاريخها الحضاري، فضلًا عن سياستها الخارجية القائمة على الاعتدال والاتزان، مؤكدًا أهمية الاستمرار في هذا النهج، مشيراً إلى أن مصر واجهت ضغوطًا اقتصادية كبيرة منذ عام 2011 وحتى الآن، طالت المواطنين بمختلف فئاتهم، لافتًا إلى أن قدرة الشعب المصري على التحمل والصبر والعمل من أجل تحسين واقعه تحظى بتقدير الآخرين وتفهمهم.
وشدد الرئيس السيسي على أن "البطل بطل المعركة هو الشعب المصري، مش المسئولين"، مؤكدًا أن ما تحقق لم يكن ممكنًا دون صلابة الشعب وصبره وعمله، وقال إن المصريين قد لا يدركون دائمًا حجم ما تتمتع به بلادهم من مقومات، بينما يرى الآخرون بوضوح فرصها الاستثمارية، وما تشهده من استقرار، وإمكانات تطوير التعاون والشراكات الاستراتيجية، خاصة في المجال الاقتصادي.
واختتم الرئيس السيسى، تصريحاته بالتأكيد على أهمية الاستقرار في تعزيز الثقة الاستثمارية، قائلًا: "محدش بيحط فلوس في حتة مش مطمن لها"، في إشارة إلى أن الثقة في بيئة الاستثمار ترتبط بمدى الاطمئنان إلى الأوضاع والاستقرار في الدولة.
كوريا الجنوبية.. شراكة استراتيجية
مثّلت كوريا الجنوبية المحطة الأولى في الجولة، حيث استقبل الرئيس الكوري لي جاي ميونغ الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأجرى الجانبان مباحثات موسعة توجت بالإعلان عن الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات إلى مرحلة أكثر عمقًا واتساعًا.
وقال الرئيس السيسى إن الشراكة الإستراتيجية مع كوريا، تأتي في ظل سياسة خارجية مصرية متوازنة ومتنوعة وقائمة على أساس الاتزان الإستراتيجي وحريصة على تطوير العلاقات مع كافة الدول وفقًا لمبدأ الاحترام المتبادل وتحقيق المنفعة المشتركة، من جانب آخر؛ تسهم الشراكة المصرية – الكورية في دعم الاستقرار والأمن الدوليين والحفاظ على أسس النظام الدولي القائم على مبادئ وأحكام القانون الدولي، جنبًا إلى جنب مع تحقيق التنمية والازدهار لشعبي البلدين والعالم.
وأكد الرئيس السيسي أن التجربة التنموية والصناعية الكورية تمثل نموذجًا ملهمًا للدول الساعية إلى تحقيق التنمية المستدامة، مشددًا على تطلع مصر للاستفادة من الخبرات الكورية وتوسيع الاستثمارات الصناعية في السوق المصرية، بما يدعم جهود توطين الصناعات المتقدمة، وفي مقدمتها السيارات والإلكترونيات والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة.
ولم يتوقف التحرك المصري عند حدود التعاون الحكومي، بل امتد إلى مجتمع الأعمال الكوري، من خلال مائدة مستديرة شارك فيها ممثلو 23 من كبرى الشركات الكورية، استعرض خلالها الرئيس السيسى، فرص الاستثمار المتاحة في مصر، والإصلاحات الاقتصادية والتشريعية التي تستهدف تحسين مناخ الأعمال، إلى جانب الحوافز والتيسيرات المقدمة للمستثمرين، وجدد الرئيس السيسى، الدعوة إلى إنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يسمح للشركات الكورية بالاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر، وتحويلها إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير، لا يقتصر على تلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما يمتد إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ضوء توجه مصر نحو توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة للإنتاج المحلي، بدلًا من الاكتفاء باستيراد المنتجات النهائية. فالشراكة المستهدفة مع كوريا تقوم على التصنيع المشترك وبناء القدرات وتطوير الكفاءات المصرية، بما يحقق مصالح متبادلة ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة.
وشهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات التأمينات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة النظيفة والصناعة والتعاون البحري، إلى جانب الإعلان عن بدء المفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، بما يمهد لتوسيع نطاق التعاون التجاري والاستثماري خلال المرحلة المقبلة.
وأكد الرئيس السيسى، لنظيره الكوري، الأهمية الحيوية لمياه النيل بالنسبة لمصر، باعتبارها مسألة وجودية للشعب المصري، وبالنظر لأن النيل يمثل شريانًا للحياة لأكثر من مائة مليون مصري، كما شدد على دعم مصر للتنمية في دول حوض النيل الشقيقة، إلا أنها ترفض الإجراءات الأحادية التي تنتهك مبدأ عدم الإضرار وأحكام القانون الدولي ذات الصلة وتمس بحقوق مصر المائية، كما أكد موقف مصر الثابت تجاه ضرورة تحقيق التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية وفقًا لقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، بما يشمل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها "القدس الشرقية"، من أجل تحقيق السلام الدائم بالمنطقة.
وهكذا، حملت محطة سول رسالة واضحة مفادها أن مصر تسعى إلى توظيف علاقاتها السياسية المتميزة في بناء شراكات اقتصادية وإنتاجية مستدامة، تستفيد من الخبرة الكورية، وتدعم في الوقت نفسه أهداف التنمية والتصنيع داخل مصر.
ماليزيا.. الاقتصاد والتعليم والثقافة في قلب الشراكة
من كوريا الجنوبية إلى ماليزيا، انتقلت الجولة إلى محطة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والتعليمية والحضارية، حيث التقى الرئيس السيسي رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، ثم التقى الملك السلطان إبراهيم في القصر الوطني، في زيارة عكست حرص البلدين على تطوير علاقاتهما التاريخية والانتقال بها إلى آفاق أوسع.
وأكدت المباحثات وجود إرادة مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة والصناعة والإلكترونيات والزراعة والصناعات الغذائية، مع الاتفاق على متابعة التفاهمات عبر اللجنة المشتركة بين البلدين، المقرر عقدها خلال الربع الأول من عام 2027.
وتبرز أهمية ماليزيا باعتبارها إحدى التجارب الآسيوية التي حققت تقدمًا في قطاعات صناعية وتكنولوجية مهمة، من بينها الإلكترونيات وأشباه الموصلات، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون يستفيد من الإمكانات المصرية في السوق والإنتاج والموقع الجغرافي، والخبرات الماليزية في الصناعات المتخصصة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وأبدى رئيس الوزراء الماليزي اهتمامًا بتوسيع التعاون مع مصر في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات الطبية، إلى جانب النقل والتجارة والاستثمار والسياحة، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين لا تستند إلى المصالح السياسية وحدها، وإنما تقوم أيضًا على روابط تاريخية وثقافية وتعليمية ممتدة، مشيراً إلى الدور الذي لعبته الجامعات المصرية، وفي مقدمتها جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية، في تعليم أجيال من الطلاب الماليزيين، مؤكدًا أن هذا التواصل العلمي أسهم في ترسيخ العلاقات بين الشعبين. كما أشاد بالدور الذي يقوم به الأزهر الشريف في التعليم الديني واللغة العربية، معربًا عن تطلعه إلى توسيع فرص التعاون التعليمي والتدريب في المجالات الطبية والهندسية والتكنولوجية.
وعلى المستوى السياسي، اتفق الجانبان على أهمية خفض التصعيد وتسوية الأزمات عبر الوسائل الدبلوماسية، مع تأكيد ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وحملت الزيارة بُعدًا مهما، مع منح الملك الماليزي الرئيس السيسي وسام «دارجاه أوتاما سري ماهكوتا نيجارا»، وهو أرفع وسام اتحادي ماليزي، في تكريم يعكس مستوى التقدير للعلاقات بين البلدين.
وشهد الرئيس السيسي، ورئيس وزراء ماليزيا، مراسم توقيع مذكرات تفاهم لتعزيز التعاون بين البلدين في عدد من المجالات، حيث تم توقيع اتفاقية تعاون في مجال التعليم العالي، كما تم تبادل مذكرات التفاهم في مجال السياحة، وتم أيضا تبادل مذكرات التعاون في مجال التجارة والصناعة.
ووجه رئيس الوزراء الماليزي حديثه إلى الرئيس السيسي، قائلًا: "أنتم تقومون بعمل رائع وتخدمون الاقتصاد، ليس اقتصاد مصر فحسب، وإنما اقتصاد المنطقة أيضًا"، مشيرًا إلى أن مصر دولة مهمة للغاية في العالم الإسلامي والقارة الإفريقية ، ونحرص على إرساء مزيد من التعاون بين مصر وماليزيا، ونعتز باغتنام الفرصة لتعزيز فرص الاستثمار والتجارة والسياحة في مختلف المجالات، وأوضح أنه بفضل جهود القيادة السياسية وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أنشأت ماليزيا مركزًا لتعليم اللغة العربية، معربًا عن امتنانه للجهود المبذولة في مجال التعليم، ومؤكدًا استمرار التبادل والتعاون في هذا المجال والعمل على توسيعهما.
إندونيسيا.. شراكة استراتيجية بأهداف اقتصادية واضحة
أما المحطة الثالثة، فكانت في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، حيث التقى الرئيس السيسي نظيره الإندونيسي برابوو سوبيانتو، في إطار مساعي البلدين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية التي أُعلن عنها خلال زيارة الرئيس الإندونيسي إلى مصر في أبريل 2025.
وأكدت المباحثات أهمية تحويل العلاقات التاريخية والحضارية بين البلدين إلى برامج ومشروعات عملية، مع إعطاء أولوية للتعاون الاقتصادي والتجاري والتصنيع المشترك وزيادة الاستثمارات، بما يتناسب مع الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الطرفان.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس السيسي التوافق على العمل لرفع حجم التبادل التجاري بين مصر وإندونيسيا إلى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2030، وهو هدف يعكس الرغبة في الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى أكثر تقدمًا، مع العمل على إزالة العقبات التي تواجه التجارة وتوسيع نفاذ المنتجات إلى الأسواق.
وتسعى مصر، من خلال هذه الشراكة، إلى تعزيز مكانتها مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير، مستفيدة من موقعها واتفاقياتها التجارية، بينما تتيح إندونيسيا فرصًا للتعاون في مجالات التصنيع والسلع الزراعية والطاقة والخدمات اللوجستية.
وشهدت الزيارة توقيع أربع مذكرات تفاهم تناولت الشؤون البحرية ومصايد الأسماك والتعاون الإحصائي وخطة العمل الخاصة بالشراكة الاستراتيجية والإعفاء من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والمهمة والخاصة.
وتناولت المباحثات التطورات في منطقة الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأهمية خفض التصعيد واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بما يحافظ على أمن المنطقة واستقرارها وحرية الملاحة الدولية.
وفي ملف الأمن المائي، أكد الرئيس السيسي الأهمية الوجودية لنهر النيل بالنسبة لمصر، وتمسك القاهرة بحقوقها المائية ورفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تلحق الضرر بأمنها المائي، فيما شدد الجانبان على أهمية الالتزام بمبادئ القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية العابرة للحدود، بما في ذلك مبدأ عدم التسبب في ضرر.
وهكذا، جمعت محطة جاكرتا بين أهداف اقتصادية محددة، وتحركات سياسية مشتركة، وتعاون ثقافي وتعليمي، بما يعزز فرص تحويل الشراكة الاستراتيجية إلى مسار عملي قابل للمتابعة والتقييم.
فلسطين والنيل والبحر الأحمر.. ثوابت حاضرة على مائدة الشراكة
بالتوازي مع الملفات الاقتصادية، حملت الجولة تأكيدًا واضحًا على ثوابت السياسة الخارجية المصرية تجاه القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأمن المائي وأمن البحر الأحمر، ففي المحطات الثلاث، شدد الرئيس السيسي على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، تضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، مع الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم.
كما أكدت المباحثات أهمية وقف التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ودعم جهود إعادة الإعمار، إلى جانب الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وفيما يتعلق بنهر النيل، أعاد الرئيس التأكيد على أن الأمن المائي قضية وجودية بالنسبة لمصر، وأن دعم التنمية في دول حوض النيل لا يتعارض مع ضرورة احترام القانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس الحقوق المائية المصرية.
أما أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فقد حضرا باعتبارهما جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة الدولية، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ورفض ترتيبات تنتقص من سيادتها أو تمس وحدة أراضيها.