منتدى مصر 2026.. من تأمين احتياجات الداخل إلى بناء مركز إقليمي للطاقة
الأحد، 18 أكتوبر 2026 02:11 م
هانم التمساح
لا تأتي جلسة " مسيرة الطاقة المصرية: إنجازات وطنية وآفاق المستقبل ضمن فعاليات "منتدى مصر 2026 " لمجرد استعراض ما تحقق في قطاع الكهرباء والبترول والغاز خلال السنوات الماضية، وإنما تفتح الباب أمام انتقال مصر من مرحلة تأمين احتياجاتها من الطاقة إلى مرحلة توظيف الطاقة باعتبارها أحد محركات القوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي .
و مع انطلاق المنتدى غدًا الاثنين، واستمرار فعالياته حتى 24 أكتوبر، في وقت تضع فيه أجندة اليوم الرابع قطاع الطاقة في قلب النقاش الاقتصادي، إلى جانب الاستثمار والصناعة وفرص العمل وملامح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي.
ويمثل التحول الذي شهدته منظومة الطاقة المصرية خلال السنوات الماضية نقطة البداية .فبحسب ما أعلنته الحكومة بشأن جلسة الطاقة، يستعرض المنتدى مسار التطور منذ عام 2014، بما يشمل مشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة والبترول والغاز، إلى جانب الاستكشاف والإنتاج والتكرير، وما تم اتخاذه من إجراءات لتأمين الإمدادات ورفع كفاءة البنية الأساسية.
لكن الأهم أن النقاش لن يتوقف عند مرحلة الإنجاز ، بل ينتقل الى ما يمكن الوصول اليه بالفعل ، فى مجالات تنويع مصادر الطاقة و التوسع في الطاقة المتجددة وتعزيز الربط الكهربائي مع الدول الأخرى.والربط الكهربائي.
وتمتلك مصر ميزة جغرافية تجعلها مؤهلة للعب دور يتجاوز حدود السوق المحلية؛ فهي تتوسط ثلاث دوائر استراتيجية العالم العربي وأفريقيا وأوروبا.
ومن هنا تأتي أهمية مشروعات الربط الكهربائي، التي لا تمثل مجرد خطوط لنقل الكهرباء، وإنما يمكن أن تتحول إلى شبكة اقتصادية إقليمية تسمح بتبادل الطاقة والاستفادة من فروق الإنتاج والطلب بين الدول.
وتشير مستهدفات قطاع الكهرباء التي أعلنتها وزارة التخطيط إلى رفع قدرات الربط الكهربائي إلى نحو 3900 ميجاوات، مع مشروعات للربط مع السعودية وليبيا والسودان، إلى جانب خطط الربط مع قبرص واليونان عبر البحر المتوسط.وإذا اكتملت هذه المشروعات وتوسعت مستقبلًا، فإن مصر لن تكون فقط دولة منتجة ومستهلكة للطاقة، بل يمكن أن تصبح حلقة وصل في سوق كهرباء إقليمية تمتد من أفريقيا إلى أوروبا.وهذه هي النقلة التي تجعل ملف الطاقة مرتبطًا مباشرة بملف السياسة الخارجية والاقتصاد والاستثمار.
و تمتلك مصر مساحات واسعة وموارد طبيعية كبيرة من الشمس والرياح، وهو ما يمنحها فرصة لتوسيع قاعدة الإنتاج بعيدًا عن الاعتماد الكامل على مصادر الطاقة التقليدية.
وتستهدف خطط الدولة زيادة مساهمة الطاقة المتجددة تدريجيًا، مع التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وجذب استثمارات القطاع الخاص. كما تستهدف الاستراتيجية المصرية للطاقة زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
ولا ترتبط الأهمية بالبعد الجغرافى ،فكلما ارتفعت قدرة مصر على إنتاج الكهرباء من مصادر محلية ومتجددة، زادت قدرتها على حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار الوقود العالمية والصدمات الخارجية، وأصبح لديها مجال أكبر لتوجيه الغاز والوقود إلى الاستخدامات ذات القيمة الاقتصادية الأعلى.
ويأتي الهيدروجين الأخضر كأحد الملفات التي يمكن أن تمنح مصر فرصة إضافية في سوق الطاقة العالمي خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع توجه دول وشركات كبرى إلى خفض الانبعاثات والتحول إلى مصادر طاقة أنظف.
وتكمن أهمية مصر في امتلاكها مقومات تجمع بين مصادر الطاقة المتجددة، والموانئ، وقناة السويس، والبنية التحتية، والموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
وبالتالي، فإن تطوير مشروعات الهيدروجين ومشتقاته يمكن أن يضيف إلى مصر منتجًا جديدًا للتصدير، بدلًا من اقتصار الدور على تصدير مصادر الطاقة التقليدية.
و وسط هذه الملفات الاستراتيجية الكبرى، تبرز نقطة شديدة الأهمية في تصميم جلسة "مسيرة الطاقة المصرية ".فالحكومة أعلنت أن الجلسة ستتضمن الإجابة عن تساؤلات واستفسارات المواطنين المتعلقة بقطاع الطاقة، بالتوازي مع فتح مساحة للحوار مع مجتمع الأعمال والشركاء والقطاع الخاص.وهذا يعني أن ملف الطاقة لن يُطرح فقط باعتباره قضية استراتيجية أو استثمارية، وإنما باعتباره قضية تمس الحياة اليومية للمواطن.
ومايهم المواطن المصرى هو ان يعرف ما إذا كانت زيادة الإنتاج وتنويع المصادر ستؤدى إلى مزيد من الاستقرار وما إذا كان الاستثمار في الطاقة سيطرح فرص عمل جديدة ،و يساهم انخفاض تكلفة الإنتاج مستقبلًا في خفض تكلفة السلع والخدمات؟ وكيف ستنعكس مشروعات الطاقة الجديدة على الصناعة والنقل والخدمات .
و تلتقي جلسة الطاقة مع الجلسات الاقتصادية الأخرى في المنتدى.فلا يمكن بناء صناعة تنافسية دون طاقة مستقرة وفي الوقت نفسه لا يمكن تعظيم العائد من مشروعات الطاقة دون قاعدة صناعية قادرة على استيعاب الاستثمارات وتوفير المعدات والخدمات والعمالة المتخصصة.لذلك فإن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد محطات الكهرباء أو حجم إنتاج الطاقة، وإنما بقدرة قطاع الطاقة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري.وهذا يعني توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة، وزيادة المكون المحلي، وتطوير الكفاءات الفنية والهندسية، وفتح مجالات جديدة أمام الشركات المصرية للمشاركة في سلاسل الإمداد الخاصة بالطاقة المتجددة.
وأعلنت الحكومة أن جلسة الطاقة ستناقش الفرص الاستثمارية الواعدة، بالتوازي مع استعراض الإجراءات التي تستهدف جذب استثمارات جديدة للقطاع.
وتؤسس الدولة البنية الأساسية وتضع الأطر التنظيمية، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة وعائد استثماري قادر على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
والنجاح في هذه المعادلة يعني أن تتحول مشروعات الطاقة من عبء استثماري على الدولة إلى محرك للنمو والاستثمار والتصدير.
و تعد هذه الزاوية هى الأهم التي يجب أن يخرج بها النقاش من جلسة الطاقة.فالقضية لم تعد فقط المحافظة على استقرار الإمدادات، ولكن أن تصبح مصر لاعبًا مؤثرًا في سوق الطاقة الإقليمي والدولي ، سواء من حيث الربط الكهربائي و الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر و البنية التحتية و قناة السويس و الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعة؛ كلها عناصر يمكن أن تعمل معًا لتشكيل نموذج جديد للدور المصري في سوق الطاقة.ولهذا فإن جلسة «مسيرة الطاقة المصرية» في «منتدى مصر 2026» تحمل مضمونًا يتجاوز قطاع الطاقة ذاته.
و تناقش الجلسات في جوهرها كيف يمكن لمصر أن تحول موقعها الجغرافي وبنيتها الأساسية ومواردها الطبيعية وخبراتها المتراكمة إلى قوة اقتصادية مستدامة.
فإذا كانت السنوات الماضية قد انشغلت بتأمين احتياجات مصر من الطاقة، فإن التحدي المقبل هو أن تصبح الطاقة نفسها إحدى الأدوات التي تصنع النمو والاستثمار والتصدير وفرص العمل والنفوذ الإقليمي.وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما سيخرج به المنتدى من نقاشات وتصورات للسنوات المقبلة.