إيقاف تمدد اليمين في أمريكا اللاتينية.. فوز الزعيم اليساري لولا دي سيلفا بالحكم يعيد التوازن في العلاقات بين أمريكا والصين
الإثنين، 26 أكتوبر 2026 12:02 م
هانم التمساح
شهدت البرازيل محطة سياسية فارقة وعودة دراماتيكية للزعيم اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لولاية رئاسية حاسمة، لتنتهي معها حقبة من التجاذبات السياسية الحادة في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية.
ولم تكن نتائج هذه الانتخابات مجرد تغير في الأسماء داخل القصر الرئاسي البرازيلي، بل حملت دلالات محلية وإقليمية عميقة وأعادت تشكيل بوصلة العلاقات الخارجية لا سيما مع الحليف والشريك التاريخي الولايات المتحدة الأمريكية.
وأظهرت النتائج الانتخابية تقارباً شديداً في الأصوات بين المعسكرين اليساري واليميني، ويعكس هذا الفارق الضئيل وجود مجتمع برازيلي مقسوم إلى نصفين، ما يعني أن مهمة لولا الأولى تتلخص في رأب الصدع الاجتماعي وقيادة بلد يواجه حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي.
ويمثل فوز لولا كسرًا للزخم الذي حققه التيار اليميني في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، متوجاً صعود القيادات اليسارية في أمريكا اللاتينية.
ويعزز فوز لولا من ثقل محور الدول المطالبة بسيادة استقلالية القرار الاقتصادي والاجتماعى ورغبة الفئات العريضة من ذوي الدخل المنخفض والطبقة العاملة في العودة إلى برامج الدعم الاجتماعي الرائدة التي أطلقها لولا سابقاً والتصدي لأزمات التضخم وغلاء المعيشة.
وحمل فوز لولا رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بشأن الملف البيئي، حيث تعهد بوقف تجريف غابات الأمازون وتفعيل القوانين البيئية الصارمة، خلافاً لسياسة الإدارة السابقة.
وتتسم العلاقات بين واشنطن وبرازيليا بالتعقيد، إذ تحكمها مصالح اقتصادية وجغرافية وسياسية المتبادلة، وتتأثر في الوقت ذاته بالاختلافات الأيديولوجية.
وتعد قضايا المناخ المدخل الرئيسي للتنسيق الوثيق بين الإدارة الأمريكية وإدارة لولا دا سيلفا، وتلتقي البرازيل مع واشنطن في ضرورة الاستثمار في الطاقة المتجددة وحماية الأمازون.
ومن المتوقع ضخ استثمارات أمريكية وغربية في صندوق الأمازون لدعم الاستدامة والتنمية الخضراء.
وعلى الرغم من حرص الطرفين على استمرار العلاقات التجارية والتنسيق عبر القنوات الرسمية، يتبنى لولا عقيدة سياسية تقوم على التعددية القطبية والتوازنات الهادئة وتأكيد السيادة.
ويرفض لولا الانحياز التام للسياسات الخارجية الأمريكية فيما يتعلق بالنزاعات الدولية أو العقوبات الاقتصادية.
وتسعى البرازيل تحت قيادة لولا إلى تعزيز ثقل مجموعة "بريكس" واستخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وهو ما قد يتعارض مع مساعي واشنطن للحفاظ على هيمنة الدولار عالمياً.
وتعتبر الصين الشريك التجاري الأول للبرازيل، ولن تتخلى البرازيل عن علاقاتها مع بكين لإرضاء واشنطن، بل ستتبع سياسة التوازن المتساوى التي تسمح لها بالاستفادة من الشراكة مع الطرفين دون الدخول في تكتلات مغلقة.
وتنذر المرحلة القادمة ـدبلوماسية حذرة ومفاوضات بين واشنطن والبرازيل من منطلق المصالح، ولن تعود العلاقات إلى مربع التابع والمتبوع، بل ستقوم على الندّية والتفاهم حول المصالح المشتركة مثل المناخ والتجارة.
كما يتوقع أن تستمر البرازيل في ممارسة دورها كـقوة إقليمية مستقلة تسمع صوت الجنوب العالمي في المحافل الدولية دون الدخول في مواجهة مباشرة أو عدائية مع الولايات المتحدة.