مصر الضرورة: هناك من الكواليس ما يستوجب الحذر
الإثنين، 26 أكتوبر 2026 06:55 م
محمد الشرقاوي
تستوجب التوترات المتلاحقة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط وقفة مع النفس والتاريخ، فنحن اليوم أمام اختبارات حقيقية للوطنية والقومية، ولشعارات أراها تتجاوز أوهام المؤامرات، في ظل مشهد إقليمي تتشابك فيه المصالح وتتزايد فيه التهديدات، وتبقى فيه حقيقة واحدة تستوجب الانتباه: أن هناك الكثير من الكواليس التي تفرض علينا الحذر.
وفى تطور مهم، انتقل الموقف المصرى من إعلان الاستعداد للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية إلى الحصول على التفويض البرلماني، بعدما وافق مجلس النواب، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة المملكة، بالتنسيق معها، للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية، وهي خطوة تتجاوز في دلالاتها حدود الإجراء الدستوري، لتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة، وحدود الاستجابة المطلوبة لحماية الأمن القومي العربي.
وقد أثار هذا التطور نقاشًا بين المصريين حول دلالات الموقف وحدوده وتداعياته المحتملة، وهو نقاش مفهوم في ظل حساسية الملف وخطورة المرحلة، غير أن ما يستدعي التوقف ليس اختلاف الآراء في حد ذاته، وإنما التسرع في إصدار الأحكام، أو التعامل مع القرار بمعزل عن سياقه الإقليمي وحساباته الاستراتيجية.
وهنا أؤكد أنني أطرح رؤيتي انطلاقًا من قناعتي بأهمية الموقف المصري، وإدراكي أن قضايا الأمن القومي تتطلب قدرًا من التروي في التقدير، بعيدًا عن الانفعال أو إطلاق الأحكام المسبقة؛ فالأمر جد خطير.
ولا يعني ذلك أن الجدل الدائر يمكن فصله تمامًا عن محاولات التأثير في الوعي العام، فثمة فارق بين الاختلاف المشروع في الرأي، وبين توظيف المعلومات أو تداول الادعاءات بما قد يربك فهم القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
ومن هنا، أجد أن حرب تضليل الوعي التي شهدتها المنطقة على مدار عقود وما خلّفته من محاولات للتأثير في إدراك الجمهور للقضايا المرتبطة بالأمن القومي، تستوجب الانتباه إلى امتداداتها الداخلية، وإلى ضرورة التمييز بين ممارسة الحق في التعبير عن الرأي، وبين تناول الملفات الحساسة دون معرفة كافية بسياقاتها وأبعادها، فحرية الحديث حق أصيل، لكن المسئولية تظل ملازمة لممارسة هذا الحق، لا سيما حين يتعلق الأمر بأمن الدولة ومصالحها.
وعلى مدار سنوات من العمل الصحفي ودراسة علم السياسة، تشكلت لدي قناعة بأن أمور الأمن القومي لا تدار بالعواطف، ولا بما يريده الناس، ولا بما تدعمه اللجان الإلكترونية، فليس كل ما يحدث يستوجب المعرفة التفصيلية، وللأسف تسبب الانفتاح الفيسبوكي، والسردية الإخوانية ووهم حق إتاحة المعلومات الأمنية والاستخباراتية الذي روجته جماعات دعم الصحافة الغربية، ومن يمثلونها في الداخل المصري، في إيجاد حالة من "الميوعة" في التعامل مع الخطر.
منذ إعلان فخامة الرئيس السيسي استعداد مصر للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية، وأنا أؤجل التعليق على هذا الموقف، الذي انتقل اليوم إلى مرحلة جديدة بموافقة مجلس النواب على التفويض المطلوب، فللوهلة الأولى أصابني الخوف، ليس من تداعيات القرار على بلدي، وإنما من جسامة الكواليس التي تفرض علينا قراءة المشهد الإقليمي بحذر، وإدراك حجم التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي.
وفيما يتعلق بحال الإقليم، فالحال لا يخرج عن كون إقليم الشرق الأوسط والوطن العربي على وجه الخصوص تحول من مناطق للتنافس على النفوذ، إلى منطقة "اختبار للنفوذ"، تتكالب عليها القوى الضالة لتمرير مخططاتها التي لا تخجل من الإعلان عنها.
ونحن هنا لسنا في رحابة من الوقت للحديث عن تلك المخططات، فكثير منها متاح والأكثر منه يعلمه "أهل الحل والعقد"، ولكن نتحدث عما تفرضه هذه الحالة.
بدايةً تفرض هذه التوترات المتلاحقة ومخططات الاستعمار الجديد على الدول العربية تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي (المعروفة باتفاقية الدفاع العربي المشترك) التي تم توقيعها في يونيو 1950 في القاهرة تحت مظلة جامعة الدول العربية.
وللمفارقة أن هذه الاتفاقية التي وقعتها 7 دول عربية، هي: (مصر، وسوريا، والعراق، والسعودية، والأردن، ولبنان، واليمن) ثم انضمت إليها باقي الدول العربية تباعاً، وجميع هذه الدول في مأزق يمتد منذ فوضى ما عرف بأحداث الربيع العربي، والتي قضمت "الدولة الوطنية" في غالبية الدول الأُول الموقعة على الاتفاقية، وذلك لا لشيء غير أنه تشابه القدر.
نقطة أخرى صارت تفرضها الضرورة، وهي "القوة العربية المشتركة"، وهنا نعود لفبراير 2015، حين قال فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الحاجة لتشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة تتزايد بشكل يومي في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة العربية خطر الجماعات المتشددة.
نداء الرئيس كان واضحًا بأن الجيش المصري ليس له رغبة في غزو أو مهاجمة الدول الأخرى، ولكنه سيدافع عن مصر والمنطقة "إذا اقتضت الضرورة وبالتنسيق مع أشقائنا العرب"، وهو ما تكرر خلال أكتوبر الجاري، حين جدد التأكيد على أن استقرار منطقة الخليج والأمن العربي وحدةٌ واحدة، وأعلن استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة والدفاع عن الأشقاء في السعودية ومنطقة الخليج ضد أي تهديدات أو اعتداءات خارجية.
المؤكد أن أمن منطقة الخليج ليس ملفًا خارجيًا منفصلًا عن مصر؛ يرتبط بمصالح استراتيجية مباشرة، تتعلق بأمن الطاقة وحركة التجارة والملاحة والاستقرار الاقتصادي وتوازنات القوة الإقليمية، ناهيك عن وحدة المصير والدم.
وهنا نؤكد مجددًا، بأن النداء المصري ذو نظرة أشمل، وبعيدًا عن خطابات البحث عن الريادة، فمصر لا تبحث عنها فهي القلب النابض للأمة العربية والإسلامية، والجميع يدرك ذلك، وبالتالي ليس الأمر كما يصوره البعض، بل كل ما دون مصر هو في حاجة لها، وتلك سنن التاريخ.
والحقيقة أن الدعوة إلى إنشاء قوة عربية مشتركة صارت ضرورة ملحة تفرضها التحديات المتلاحقة، وما شهدته المنطقة بأسرها على إثر الحرب الأمريكية الإيرانية خير دليل، وما كشفته المواجهات الإقليمية من حدود الاعتماد على مظلة الحماية الأمريكية، يستوجب الانتقال من "الضامن المهيمن" إلى "الردع الانتقائي".
ولا يعني ذلك بالضرورة الاستغناء عن المظلة الأمنية الأمريكية وغيرها بالنسبة لدول الخليج، بقدر ما يعكس ضرورة إعادة النظر في أنماط الاعتماد عليها، والعمل على بناء قدرة عربية أكثر استقلالًا في تقدير التهديدات، وتنسيق الاستجابات، وحماية المصالح المشتركة، بما يقلل من ارتباط أمن المنطقة بحسابات القوى الخارجية وأولوياتها المتغيرة، وبالتالي هناك ضرورة ملحة تستوجب فتح الباب أمام تنسيق عربي مشترك، فهو الضامن الأكثر استدامة، والتجربة خير دليل، وتلك هي الضرورة الثالثة.
وما يؤكد خطورة ما تكشفه الكواليس هو ما تظهره الأيام، من تصاعد للتهديدات الأمنية، وانكشاف لبنوك أهداف القوة الضالة والآثمة في الداخل العربي، والحديث عن تقسيم جديد للشرق الأوسط، مع الأخذ في الاعتبار محدودية الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية عند اختلاف المصالح والأولويات، واتساع نطاق التهديدات العابرة للحدود، وتأثيرها في أمن الدول العربية، وتنامي احتمالات انتقال المواجهات الإقليمية إلى استهداف البنية التحتية والطاقة والملاحة.
وبالتالي فإن تعدد مصادر التهديد، وتشابك تداعيات المواجهات الإقليمية، يفرضان على الدول العربية تجاوز أنماط الاستجابة المنفردة، والانتقال إلى مستوى أكثر تكاملًا من التنسيق السياسي والدفاعي، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها المشتركة واحتواء الأزمات قبل اتساع نطاقها.
واليوم، لم يعد التحدي مقتصرًا على التعامل مع التهديدات القائمة، بل يمتد إلى امتلاك أدوات جماعية قادرة على استيعاب التحولات الإقليمية والاستعداد لتداعياتها، فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى استعداد القوى الخارجية للتدخل لحماية المصالح العربية، وإنما بقدرة الدول العربية على تحويل تقارب مصالحها إلى منظومة عملية للتنسيق والردع المشترك.