"عاملين إيه يا صيع".. بين الذوق العام ومسئولية الفنان
الخميس، 29 أكتوبر 2026 12:52 م
هيثم صلاح الدرس
أعادت العبارة التى أطلقها الفنان محمد ثروت، خلال ندوة بجامعة بنى سويف، حين خاطب الطلاب، قائلًا: «عاملين إيه يا صيع؟»، إلى الواجهة سؤالًا مهمًا: هل يليق مثل هذا الأسلوب بمؤسسة تعليمية مرموقة لها مكانتها ورسالتها التربوية؟.
قد يرى البعض، أن الأمر لا يتجاوز المزاح، وترديد إفيه كوميدى معروف، خاصة أن الفنان أوضح أن الطلاب طلبوا منه ذلك. لكن حسن النية لا يعنى بالضرورة أن كل عبارة مناسبة لكل مقام؛ فما يُقال فى عمل فنى ترفيهى، قد لا يكون مقبولًا بالقدر نفسه داخل جامعة، تضم طلابًا وأساتذة، وتفترض أن تقدم نموذجًا للوعى والرقى واحترام الآخرين.
لكل مقام مقال، ولكل مكان حرمته، ولكل سياق ما يليق به من قول وفعل. فليس كل ما يُقال فى ساحات اللهو والطرب، يصلح أن يُقال فى الجامعات، ومنابر العلم والمعرفة، وليس كل ما يُمارس فى المهرجانات، وساحات الرقص، يليق ببيوت المعرفة ومؤسساتها. فثمة فارق كبير بين مكان غايته الترفيه، ومؤسسة رسالتها بناء العقول، وصناعة الوعى، وترسيخ القيم.
حين تختلط المقامات، وتتراجع الفوارق بين ما يليق وما لا يليق، فإننا لا نكون بصدد اختلاف فى الأذواق فحسب، بل أمام أزمة فى فهم طبيعة الأماكن ورسالتها.
الجامعة، ليست مجرد مبنى تُلقى فيه المحاضرات، وإنما هى محراب للفكر، ومنبر للمعرفة، ومؤسسة لبناء العقول وصقل الشخصية، وفضاء يُفترض أن تسوده الجدية والاحترام، وأن تُصان فيه قيمة العلم ومكانة أهله. ومن الطبيعى أن يُراعى فى فعالياتها اختيار الألفاظ التى تتناسب مع طبيعتها ومكانتها.
وليس معنى ذلك، رفض الفن، أو مصادرة الفرح، أو التضييق على الفنون والكوميديا، بل أن الضحك الحقيقى، لا يحتاج إلى ألفاظ قد تُفهم باعتبارها انتقاصًا من المخاطبين. وإنما وضع كل شىء فى سياقه الذى يُناسبه؛ فالحرية لا تعنى إلغاء الحدود الفاصلة بين المقامات، والانفتاح لا يعنى التخلى عن المعايير، والتطور لا يُقاس بقدرتنا على كسر كل الحواجز، بل بقدرتنا على التمييز بين ما ينبغى أن يتغير، وما يجب أن يظل محل احترام.
إن الأمم التى تعرف قيمة العلم، تُحسن صون مؤسساته، والمجتمعات التى تُدرك معنى الرقى، تعرف أن لكل مقام هيبته، وأن احترام المكان، يبدأ باحترام الرسالة التى وُجد من أجلها.
كما أن شهرة الفنان وشعبية الكبيرة، وإفيهاته المتداولة، كلها أمور تفرض عليه مسئولية أكبر فى اختيار كلماته، خاصة عندما يخاطب الشباب فى مؤسسة تعليمية. فالفنان يستطيع أن يكون خفيف الظل دون أن يتخلى عن احترام المقام، والكوميديا الراقية، قادرة على إدخال البهجة إلى النفوس دون اللجوء إلى عبارات تثير الجدل، أو تجرح الذوق العام.
فكما أن للعلم هيبته، وللعبادة قدسيتها، وللفنون مساحاتها، فإن الخلط بين هذه المقامات يطمس الفوارق، ويُفقد الأشياء معناها، ويجعلنا أمام مشهد تختلط فيه الأدوار، وتضيع فيه البوصلة.
إن ما حدث يستحق وقفة للمراجعة، لا للمبالغة فى الهجوم، ولا للتساهل فى التبرير، فالهدف ليس الإساءة إلى أحد، وإنما التأكيد على أن لكل مكان طبيعته. فجامعاتنا بحاجة إلى أنشطة فنية وثقافية، تُسعد الطلاب وترتقى بوعيهم فى آن واحد.
وفى النهاية، لسنا ضد الضحك أو الفن، وإنما ضد أن يصبح الإسفاف وسيلة للترفيه، أو أن يُظن أن خفة الظل لا تتحقق إلا بالخروج عن حدود اللياقة. فالكلمة المحترمة لا تقتل الكوميديا، والالتزام بالذوق العام، لا ينتقص من قيمة الفنان، بل يزيده احترامًا.
إن الرقى الحقيقى، لا يكمن فى أن نفعل كل شىء فى كل مكان، بل فى أن نعرف متى نقول، وأين نفعل، وكيف نتصرف؟؛ فاحترام المقام ليس قيدًا على الحرية، بل يعتبر دليلًا على الوعى، ونضج الشخصية وحسن التقدير.