نتنياهو وآيزنكوت في مأزق الأغلبية.. والعرب يمسكون بمفتاح الحكومة الإسرائيلية الجديدة

السبت، 31 أكتوبر 2026 10:00 م
نتنياهو وآيزنكوت في مأزق الأغلبية.. والعرب يمسكون بمفتاح الحكومة الإسرائيلية الجديدة
محمود علي

كشفت انتخابات الكنيست الإسرائيلية عن معادلة سياسية جديدة، عنوانها أن الطريق إلى رئاسة الحكومة قد يمر عبر الأحزاب العربية، ورغم إصرار أبرز المتنافسين على استبعاد العرب من حسابات تشكيل الائتلاف المقبل، إلا أن حصول القائمة العربية على ما يقرب من 19 مقعد بالكنيست جعلهم قوة قد تؤثر في تحديد من يستطيع الوصول إلى المنصب، وبأي ثمن سياسي.

ويتمسك نتنياهو بتشكيل حكومة يمينية لا تعتمد على دعم الأحزاب العربية، بينما يواجه منافسه غادي آيزنكوت معضلة مماثلة، بعدما أعلن تحفظه على إشراك هذه الأحزاب في حكومته، رغم حاجة معسكره المحتملة إلى أصواتها لتأمين الأغلبية البرلمانية، وفي ظل النتائج الأولية المتقاربة، برزت الأحزاب العربية بوصفها طرفًا يصعب تجاهله في المفاوضات المقبلة، مع تقدمها نحو تحقيق تمثيل غير مسبوق في الكنيست، وبين رفض سياسي معلن واحتياج برلماني محتمل، بات السؤال المطروح.. هل تنجح الأحزاب العربية في تحويل مكاسبها الانتخابية إلى نفوذ حقيقي في تشكيل الحكومة الجديدة؟

 

الأغلبية الغائبة.. 61 مقعدًا تحدد مصير الحكومة

تضع الأرقام الأولية الانتخابات الإسرائيلية أمام مشهد لا يتيح لأي من المعسكرين حسم تشكيل الحكومة منفردا، إذ يحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدًا على الأقل من أصل 120 في الكنيست، بينما لا تزال الكتل الرئيسية بعيدة عن هذه العتبة.

وبحسب بيانات لجنة الانتخابات الإسرائيلية، يتوقع أن يحصل المعسكر المؤيد لنتنياهو بين 52 إلى 56 مقعدا، مقابل أكثر من 50 للمعسكر الذي يقوده آيزنكوت، فيما ارتفعت توقعات تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعدًا مع استمرار فرز الأصوات، وتظل هذه الأرقام جزئية وقابلة للتغير مع استكمال الفرز.

وتعكس هذه النتائج معضلة حسابية واضحة؛ فمعسكر نتنياهو يحتاج إلى خمسة مقاعد إضافية على الأقل للوصول إلى الأغلبية، وفق الأرقام الحالية، بينما يحتاج معسكر آيزنكوت إلى نحو 10 مقاعد، وهنا تظهر أهمية الكتلة العربية، التي يمكن أن توفر لمعسكر المعارضة عددًا من المقاعد يكفي لتغيير موازين التفاوض، إذا اتفقت الأطراف على صيغة تعاون مشتركة.

لكن امتلاك الأحزاب العربية هذا الوزن لا يعني بالضرورة مشاركتها في الحكومة، فهناك فارق بين دعم ائتلاف من الخارج، والانضمام الرسمي إليه، والحصول على حقائب وزارية والمشاركة في صناعة القرار، وهذا الفارق قد يكون حاسمًا في تحديد طبيعة الحكومة المقبلة، إذا نجح أحد المعسكرين في تجاوز اعتراضاته السياسية.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل نظام التمثيل النسبي الإسرائيلي، الذي يجعل تشكيل الحكومات قائمًا على التحالفات بين الأحزاب، وليس على فوز حزب واحد بالأغلبية، وبالتالي، فإن تصدر حزب الليكود أو حصول أحد المعسكرين على عدد أكبر من المقاعد لا يكفي وحده لضمان تشكيل الحكومة، ما لم يتمكن من جمع العدد المطلوب من النواب.

ورغم افتقاره إلى الأغلبية البرلمانية وفق النتائج الأولية، تمسك نتنياهو بخطابه الرافض لتشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، داعيًا إلى إقامة حكومة يمينية قوية، ومؤكدًا ضرورة توحيد ما وصفه بالأغلبية اليهودية والصهيونية.

ويضع هذا الموقف رئيس الوزراء أمام تحد عملي؛ إذ إن رفض التعاون مع الأحزاب العربية يضيق الخيارات المتاحة أمامه للوصول إلى 61 مقعدًا، ويجعل تشكيل الحكومة مرهونًا بقدرته على استقطاب نواب من خارج معسكره الحالي، أو التوصل إلى ترتيبات سياسية تتيح له تأمين الأغلبية من دون إشراك الأحزاب العربية.

ولا تتعلق المسألة بحسابات المقاعد وحدها، بل ترتبط أيضًا بطبيعة الائتلاف الذي يسعى نتنياهو إلى الحفاظ عليه، والذي يضم أحزابًا يمينية ودينية أكثر تشددا وتطرفا، بينها قوى تتبنى مواقف متشددة في قضايا الأمن والفلسطينيين والخدمة العسكرية، وأي محاولة لتوسيع هذا الائتلاف قد تفرض تنازلات سياسية أو تفاهمات يصعب التوفيق بينها وبين تعهدات الحملة الانتخابية.

على الجانب الآخر، لا يبدو طريق آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة أقل تعقيدًا، فرغم تقديم نفسه بديلًا لنتنياهو، أعلن أنه لا يرى الأحزاب العربية شريكًا مناسبًا لحكومته ما لم تستوفِ شروطًا سياسية تتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية، ومواقفها من حركة حماس، وقضايا أخرى مرتبطة بالهوية الوطنية والخدمة العسكرية.

وتضع هذه الشروط معسكر المعارضة أمام اختبار صعب: كيف يمكنه السعي إلى تشكيل حكومة بديلة، مع استبعاد العرب وهم الطرف الذي أصبح ضروريًا لتأمين الأغلبية؟ فحتى إذا نجح آيزنكوت في جمع الأحزاب اليهودية المعارضة لنتنياهو، فإن عدد مقاعدها وفق النتائج الأولية لا يكفي وحده لتشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام البحث عن تفاهمات مع الأحزاب العربية أو استقطاب نواب من معسكرات أخرى.

وتشير استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات إلى وجود مساحة داخل معسكر المعارضة تؤيد التعاون مع الأحزاب العربية، ففي خضم هذه الحسابات، برز موقف زعيم حزب الديمقراطيين اليساري يائير جولان، الذي دعا حلفاءه في معسكر المعارضة إلى التعاون مع الأحزاب العربية لتشكيل حكومة جديدة وإنهاء حكم نتنياهو.

واستند جولان إلى حسابات المقاعد، معتبرًا أن مجموع المعسكرات المناهضة لنتنياهو يمكن أن يوفر أغلبية برلمانية إذا جرى التعامل مع أصوات النواب العرب بوصفها جزءًا من المعادلة السياسية، بدلًا من استبعادها مسبقًا، ودعا إلى تجاوز الخوف من التعاون مع العرب، معتبرًا أن الفرصة المتاحة تتطلب تحركًا سياسيًا من جانب المعارضة.

 

تمثيل قياسي.. فهل يتحول إلى نفوذ سياسي؟

لا تنبع أهمية الأحزاب العربية من حسابات تشكيل الحكومة وحدها، بل أيضًا من حجم التمثيل الذي حققته في الانتخابات، فالتقديرات الأولية أشارت إلى إمكانية وصول تمثيلها إلى 19 مقعدًا، وهو مستوى قياسي من شأنه أن يعزز حضورها داخل الكنيست ويزيد قدرتها على التأثير في النقاشات والمفاوضات السياسية.

أما على مستوى الملفات الإقليمية، فإن تشكيل حكومة إسرائيلية تعتمد على دعم الكتلة العربية قد يفتح الباب أمام تغييرات في أسلوب إدارة الحرب على غزة، والتعامل مع القضية الفلسطينية، والعلاقات مع دول المنطقة، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسات الإسرائيلية، فالأحزاب العربية قد تضغط باتجاه وقف الانتهاكات والخروقات في غزة، وتسهيل دخول المساعدات، وإعادة إعمار القطاع، ورفض التهجير، إلى جانب الحد من التصعيد في الضفة الغربية، غير أن قدرة هذه الأحزاب على تحويل مطالبها إلى قرارات حكومية ستتوقف على طبيعة الاتفاق مع شركائها، ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات، خصوصًا أن قوى المعارضة الإسرائيلية، وعلى رأسها آيزنكوت، لا تتبنى بالضرورة رؤية مختلفة جذريًا عن نتنياهو بشأن مستقبل غزة أو إقامة دولة فلسطينية.

ويمتد التأثير المحتمل إلى لبنان وسوريا وإيران، فضلًا عن تخفيف توتر العلاقات بين إسرائيل من جهة ومصر وإيران والأردن ودول الخليج، إذ قد يمنح تغيير طبيعة الحكومة ومشاركة الكتلة العربية فيها، فرصة لاختبار مقاربة أقل تصادمًا في بعض الملفات، ففي لبنان، سيظل مستقبل المواجهة مع حزب الله مرتبطًا بالحسابات الأمنية الإسرائيلية وشروط أي ترتيبات للتهدئة، بينما قد تتيح حكومة جديدة مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي بشأن الحدود والاستقرار الإقليمي.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة