وزير الإعلام الأردني الأسبق مهند مبيضين يفكك لـ"صوت الأمة"رسائل هجوم الكرك: الإرهاب يستهدف الدولة من بوابة المجتمع.. وحماية التعايش الديني جزء من معركتنا ضد التطرف
السبت، 31 أكتوبر 2026 11:00 م
الحادث "خسيس" لضرب النموذج الأردني في التعايش.. ولن نسمح بتحويل الهجوم إلى فتنة طائفية
الفكر الداعشي لا يحتاج إلى ارتباط تنظيمي كي يهدد استقرار الدولة.. وتهريب الأسلحة يفتح ملفًا أمنيًا جديدًا
أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة القديس جورج في محافظة الكرك جنوبي الأردن، خلال مراسم عزاء، وأسفر عن سقوط قتلى ومصابين، فتح تساؤلات واسعة بشأن دوافع المنفذين، وطبيعة الفكر المتطرف الذي يقف وراء استهداف دور العبادة، وما يحمله ذلك من تهديدات للسلم المجتمعي والتعايش الديني داخل المملكة.
ولا تتوقف خطورة الحادث عند حدوده الأمنية، بل تمتد إلى محاولات محتملة لضرب النموذج الأردني في الاستقرار والتعايش بين مكونات المجتمع، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات إقليمية متشابكة تتعلق بمكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات وتأمين الحدود.
وأجرت "صوت الأمة" حوارا مع الدكتور مهند مبيضين، وزير الإعلام الأردني الأسبق، للحديث عن دلالات الهجوم وانعكاساته على الأمن القومي الأردني، ودور المؤسسات الأمنية والدينية والإعلامية في احتواء تداعياته.. وإلى نص الحوار..
كيف تقرأون دلالات استهداف كنيسة القديس جورج في محافظة الكرك، خصوصًا أن الهجوم وقع خلال مراسم عزاء وأسفر عن سقوط قتلى ومصابين؟ وهل نحن أمام جريمة تستهدف المدنيين فقط، أم محاولة لضرب التعايش الديني والنسيج المجتمعي الأردني؟
بداية، يجب أن نقول إن ما حدث يمثل استهدافًا خسيسًا وجبانًا لإخواننا المسيحيين، شركائنا في التاريخ والحضارة، وهو أمر يتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الوطنية والإنسانية، لكننا ندرك في الوقت نفسه أن هناك مناخات من التطرف تشهدها المنطقة، وتغذي مثل هذه الاعتداءات وتدفع أصحاب هذا الفكر إلى استهداف الآخرين بدوافع انتقامية غير واضحة المصدر أو المبرر.
وهؤلاء، بحسب تقديري، ليسوا بالضرورة من تنظيم داعش بصورة مباشرة، وإنما قد يكونون جماعات مستقلة أفرزت نماذج تحمل الفكر الداعشي والمتطرف، وتسعى إلى ضرب التعايش المجتمعي والنموذج الأردني القائم على الاستقرار وحماية مختلف المكونات الدينية، وهو النموذج الذي أكد عليه الملك عبد الله الثاني في خطابه أمام الأمم المتحدة، عندما تحدث عن دور الأردن في حماية الجذور المسيحية في الشرق الأوسط.
بالنظر إلى طبيعة الهجوم وحساسية الهدف، ما السيناريوهات المطروحة بشأن دوافع المنفذين؟ وهل يمكن أن يكون الهجوم مرتبطًا بأيديولوجيا متطرفة تسعى إلى إشعال الفتنة الدينية؟
هناك حذر في الوقت الحالي من الجزم بطبيعة الارتباطات الخارجية للمنفذين، لحين استكمال التحقيقات والكشف عن جميع الملابسات والأدلة، والتعامل مع المتهمين وفقًا للقانون، ولذلك من المهم عدم التسرع في إطلاق أحكام نهائية بشأن الجهات التي تقف وراء الحادث أو طبيعة الروابط المحتملة.
لكن حتى في حال عدم ثبوت وجود ارتباطات خارجية، فإن الأفكار المتطرفة التي يحملها هؤلاء يمكن أن تكون كافية لتفسير سعيهم إلى تقويض نماذج الاستقرار في المنطقة، وضرب بنية الدولة الوطنية، وإثارة الانقسامات بين مكونات المجتمع، وهو ما يجعل مواجهة هذا الفكر ضرورة أمنية ومجتمعية لا تقل أهمية عن ملاحقة المنفذين ومحاسبتهم.
كيف يمكن تقييم الاستجابة الأمنية الأردنية في هذا الحادث؟ وهل تفرض الحادثة مراجعة إجراءات حماية دور العبادة والتجمعات المدنية؟
أعتقد أن الأجهزة الأمنية الأردنية استفادت من خبراتها السابقة في التعامل مع مثل هذه الحوادث، وظهر ذلك من خلال الهدوء في إدارة الموقف، وعدم التسرع في تسريب المعلومات، والتأني في جمع الأدلة، ومحاصرة المنطقة، والعمل على فهم طبيعة المجموعة التي خططت لهذا الاعتداء، وهو ما يعكس قدرًا كبيرًا من الاحترافية في التعامل مع التحديات الأمنية.
وعندما نقارن هذه الاستجابة بما شهدته المملكة في حوادث سابقة، ومنها أحداث عام 2016 التي سقط خلالها ضحايا من قوات الأمن الأردنية، نجد أن هناك استفادة واضحة من الدروس السابقة، مع سرعة التحرك وفق توجيهات جلالة الملك، والتعامل مع الحادث بصورة عاجلة ومدروسة، بما أسهم في احتواء الموقف والحد من احتمالات وقوع كارثة أخرى، وهو ما يؤكد أهمية تطوير الإجراءات الأمنية باستمرار لحماية المواطنين ودور العبادة والتجمعات المدنية.
الأردن يمثل ركيزة مهمة في معادلات الأمن الإقليمي، ويشارك في ملفات عديدة تتعلق بمكافحة الإرهاب وإدارة الحدود والتعاون الاستخباراتي، إلى أي مدى يمكن أن تتجاوز تداعيات هذا الهجوم حدود محافظة الكرك، وتؤثر في أولويات الأمن القومي الأردني وحسابات المملكة الإقليمية؟
يمتلك الأردن خبرة كبيرة في مواجهة الإرهاب، كما يشارك في جهود التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، ويؤدي دورًا مهمًا في منظومة التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة التنظيمات المتطرفة، ولذلك لا يمكن النظر إلى هذا الحادث الداخلي بمعزل عن البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها هذه الجماعات، وإن كانت المسؤولية عن تحديد طبيعة ارتباطات المنفذين تظل مرتبطة بنتائج التحقيقات والأدلة المتاحة.
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع الحادث سيكون في صلب أولويات الأمن القومي الأردني، لأن الحسابات الداخلية للمملكة تتداخل مع تحديات إقليمية، وفي مقدمتها تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود، خاصة أن وزير الداخلية أشار إلى أن الأسلحة المستخدمة في العملية كانت مهربة، وأن التحقيقات مستمرة لتحديد مصدرها والطرق التي وصلت عبرها إلى المنفذين، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات لمواجهة شبكات التهريب وتعزيز أمن الحدود.
كيف تنظرون إلى العملية التي نفذها سلاح الجو الأردني واستهدفت تنظيمات إرهابية في جنوب سوريا، في أعقاب هجوم كنيسة الكرك؟
يرى الأردن أنه قدم ردًا واضحًا ومباشرًا لردع مجموعة من التعديات التي لا تقتصر على تهديد حدوده الشمالية، ونتفهم الغضب السوري وربما عدم تقبل ما حدث، لكن هناك أمرًا مؤكدًا وثابتًا لدينا في الأردن، وهو أن الأسلحة التي استُخدمت في حادث الكرك تربطها خيوط واضحة بجماعات متشددة سبق أن استهدفت سوريا قبل أن تستهدف الأردن، وفجرت كنائس في سوريا قبل أن تتصل بإرهابيين في الأردن، وهو ما يمثل تحديًا لا يواجه الأردن وحده، بل سوريا والمنطقة بأكملها.
الفكر التكفيري يمثل تهديدًا قائمًا في المنطقة، لكن التفاهمات الأمنية بين الأردن وسوريا لا تزال قائمة، وكذلك التفاهمات بين الدولتين، وهو ما يجعل مواجهة هذه التنظيمات مسؤولية مشتركة لحماية أمن البلدين واستقرارهما.
في ظل التوترات الجيوسياسية المحيطة بالأردن، هل يمكن أن تجد الدول المعادية للأردن، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي، في مثل هذه الحوادث فرصة لإرباك الدولة الأردنية أو الضغط على دورها السياسي؟ وما المؤشرات التي ينبغي الاستناد إليها للتمييز بين الاستغلال السياسي للحادثة ووجود تورط خارجي فعلي؟
أعتقد أن الإرباك الأكبر الذي تواجهه المملكة في محيطها الإقليمي يأتي من السياسات الإسرائيلية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالحدود الجنوبية الغربية وملف تهريب المخدرات، وما يفرضه ذلك من أعباء أمنية متزايدة على الأردن، لكن هذه التحديات لن تؤثر، بإذن الله، في مسار الاستقرار الوطني أو قدرة الدولة على التعامل مع التهديدات المختلفة.
أما بشأن احتمالات وجود تورط خارجي في حادث الكرك، فلا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة تسمح بالجزم بوجود تورط مباشر لجهة خارجية في التخطيط للهجوم أو تنفيذه، وقد ظهرت آراء تربط الحادث بالصهيونية أو بمحاولات استهداف النموذج الأردني القائم على الاستقرار والتعايش، لكن من المهم التمييز بين التحليلات السياسية والوقائع المثبتة، خصوصًا أن التحقيقات لم تثبت حتى الآن وجود صلة مباشرة من هذا النوع، ولذلك ينبغي انتظار النتائج الرسمية قبل تبني أي استنتاجات نهائية.
من أخطر تداعيات الهجمات على دور العبادة إمكانية توظيفها لإثارة الانقسامات الطائفية ونشر الشائعات والاتهامات المتبادلة، كيف يمكن للدولة الأردنية احتواء هذه المخاطر؟ وما الدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الدينية والإعلامية لمنع تحول الهجوم إلى أزمة ثقة بين مكونات المجتمع؟
أعتقد أن الخطاب الديني أصبح اليوم مطالبًا، أكثر من أي وقت مضى، بتعزيز الوعي بالمواطنة وترسيخ مفهوم العيش الواحد في إطار الدولة الوطنية، وليس الاكتفاء بالحديث عن التعايش بوصفه مجرد مشاركة بين جماعات مختلفة، لأن الفكرة الأساسية هي أننا جميعًا شركاء في وطن واحد، تجمعنا حقوق المواطنة والمسؤولية المشتركة عن حماية استقراره.
ومن هنا، يجب تعزيز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، والتمسك بخطاب وطني يرفض التحريض والانقسام، مع قيام المؤسسات الدينية والإعلامية بدور مسؤول في مواجهة الشائعات وعدم تداول المعلومات غير المؤكدة، خاصة في الساعات الأولى التي تلي الحوادث الأمنية، والأردن يمتلك، وفق مؤشرات دولية، مستويات مرتفعة من ثقة المواطنين بأجهزته الأمنية، وهو رصيد مهم ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه في مواجهة محاولات إثارة الفتنة أو التشكيك في تماسك المجتمع.
حضور الملك عبد الله الثاني إلى موقع الحادث في وقت مبكر يحمل رسالة تضامن مع الضحايا ورفض استهداف دور العبادة، كيف تقرؤون هذه الرسالة على المستويين السياسي والأمني؟
إن حضور الملك عبد الله الثاني وولي العهد والقيادة الهاشمية إلى موقع الحادث ليس أمرًا مستغربًا، فالملك كان دائمًا قريبًا من شعبه وفي صف المواطنين في مختلف الظروف، وهذا الحضور يحمل رسالة واضحة بأن الدولة تقف إلى جانب الضحايا وأسرهم، وترفض الاعتداء على أي مكون من مكونات المجتمع الأردني، كما يؤكد أن استهداف دور العبادة لن ينجح في النيل من وحدة المجتمع أو المساس بقيمه الوطنية.
كما أن تعهد القيادة بالعمل على القبض على المتورطين ومحاسبتهم، وما تحقق من إلقاء القبض على المشتبه بهم، يعكسان جدية الدولة في التعامل مع الحادث، وأعتقد أن حضور الملك وولي العهد وجلالة الملكة كان له أثر إنساني مهم في التخفيف من مصاب ذوي الضحايا، ومواساتهم، والتأكيد لهم أن الدولة تقف إلى جانبهم ولن تتخلى عن مسؤوليتها في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن هذا الاعتداء.
في ضوء احتمالات وجود روابط تنظيمية أو امتدادات عابرة للحدود، ما السيناريوهات المتوقعة للتعامل الأردني مع تداعيات الهجوم خلال المرحلة المقبلة؟ وكيف تنظرون إلى سرعة إلقاء القبض على منفذي الهجوم؟
التحقيقات لا تزال في مراحلها الأولية، ومن الضروري انتظار استكمال الإجراءات القانونية والتحقيق مع المتهمين، بعد تعافيهم إذا كانت حالتهم الصحية تستدعي ذلك، للوصول إلى معلومات دقيقة بشأن دوافعهم، وطبيعة التخطيط للعملية، ومصادر الأسلحة التي استخدمت فيها، وأي ارتباطات محتملة قد تكشف عنها الأدلة.
أما سرعة إلقاء القبض على المشتبه بهم، فتعكس مستوى الاحترافية الذي تتمتع به الأجهزة الأمنية الأردنية، وفي مقدمتها دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام، إلى جانب بقية مؤسسات الدولة المعنية، التي تعاملت مع الحادث بكفاءة عالية، وأسهمت في احتواء تداعياته والحد من احتمالات وقوع اعتداءات أخرى، وهو ما يؤكد أهمية التنسيق بين المؤسسات الأمنية واستثمار الخبرات المتراكمة في مواجهة الإرهاب وحماية أمن المواطنين واستقرار المملكة.